ماذا يقول لنا واقع مساحات الترفيه في بيروت عن المجتمع اللبناني، وتحديداً المساحات الحرجية؟ هذا النوع من الأسئلة التي يطرحها نوربير إلياس عن تطور الرياضة لا شك تصلح للتحري في التاريخ، حيث تكون أدوات الباحث، والوثائق التي بمتناوله، محصورة وحاصرة للتفسيرات التي يمكن أن يخرج بها. أما مهمة الباحث في التاريخ المعاصر، عالم الاجتماع، فهي أسهل في هذا الخصوص، وتتماشى مع تشكيلة أوسع من أدوات القياس، لدرجة أن هذا النوع من التساؤل قد يصبح معكوساً، ويُطرح كالآتي: كيف تؤثر البنى الأساسية للعواطف في "المجتمع اللبناني" على واقع الترفيه؟ هذا بينما عبارة "المجتمع اللبناني" تصبح تعميماً يقتضي البحث في تحديده وتفصيله. على هذا الإيقاع، سيتطور المقال الآتي.
 
في مقالٍ سابق، قلنا إن العواطف والجوانب العاطفية لشخصيات الأفراد لا تجد لها مجالاً معمّقاً وتفصيلياً في الخطاب السياسي والمهيمن. وقلنا، مع نوربير إلياس، إن مراقبة نشاطات الترفيه مثل الرياضة تشكل نافذة مفيدة لمن أراد فهم النزعات الأساسية للعواطف في مجتمعٍ ما. ثم رسمنا مقارنة بين التغطية المُتطورة التي لاقتها مسألة "حق مشاهدة كأس العالم" في شهر حزيران في لبنان، في الحقلين الإعلامي والسياسي، والغياب شبه المطلق في المقابل لمسألة الاختفاء الوشيك لمساحة "دالية الروشة" الحرجية. ثم طرحنا بعضاً من مُقوّمات منطقة "الدالية"، مما نظنها تفعله بخلقيات روادها من الطبقات "الشعبية"، على أنها تصبغهم بعواطف "سلمية"، تنفيسية للعدائية الاجتماعية، بالمقارنة مع عواطف تحض على "المواجهة" قد يكتسبونها في أماكن أخرى من مساراتهم اليومية. قد يكون منطق سرديتنا دفع القارئ للاعتقاد أن تلاشي هذه المساحات التصاعدي في بيروت هو نتيجة لسوء فهم عَرَضي، أن إهمال "المسؤولين" لهذه الأمور كان سببه أن حسنات هذه المساحات "خرساء"، لا يتلمسها الناس والمسؤولون بسرعة. وهذا صحيح، إلى حدٍ مُعين. لكن "الخمول" البادي على المسؤولين له أسباب أخرى، تستحق التوقف عندها.
 
في عقل الإداريين
في نقاشات النواب اللبنانيين، خلال جلسات المناقشة التي سبقت إقرار القانون 402 في المجلس النيابي في 1995، الذي يجيز لأصحاب العقارات الكبيرة زيادة مساحة (عامل) استثمارهم إذا رغبوا بتشييد مشاريع سياحية، نبه نائبان (هما تحديداً نجاح واكيم وزاهر الخطيب) إلى احتمال أن تكون الغاية من مشروع القانون الحكومي السماح لرئيس الوزراء آنذاك رفيق الحريري ببناء منتجعات سياحية خاصة على شاطئ بيروت تحديداً، ووضعا ذلك في خانة "الإثراء غير المشروع". وقد يستغرب المدقق في محضر الجلسات مدى غياب مسألة حقوق سكان المدينة في ارتياد الشاطئ، علماً أن هذه المساحات وجوارها على رصيف الكورنيش كانت موضع ارتيادٍ من قبل جماهير أوسع من تلك التي ترتادها اليوم، وموضع استعمال "وظيفي" أكثر بروزاً. فقد كانت مئات العربات والمحال الجوالة التي تقدم للرواد القهوة، والسندويشات والألعاب وغيرها من البضائع  تفترش هذه المساحات على مدى السنوات العشرين التي سبقت النقاشات. وذلك التجنب للموضوع يدعو لافتراض أن نجاح تمرير قوانين عقارية على المستوى النيابي تحركه شروط "التسويق الوطني"، حيث يصبح تاريخ سكان بيروت الاجتماعي تفصيلاً غير مهم، إن لم يكن "شوفينياً" ومعاكساً لمصلحة المناطق الأخرى (كان موضوع الاقتصاد الوطني و"المنافسة مع إسرائيل" طاغياً على النقاشات). كذلك يمكن الافتراض أن ارتكاز هذه الإدارة النيابية للمسائل العقارية يدخل في خانة نموذج "أسطورة ماري أنطوانيت"، حيث يكون النواب في قاعتهم المغلقة وفي انغماسهم في أرقامهم والتقارير التي تصلهم بعيدين عن قراءة "حقيقة الحياة الشعبية" وتفاصيلها، فلا يشعرون بالتالي بالمعضلة الأخلاقية التي قد يُبرزها الباحث أو الناشط (طبعاً، لا نقصد في هذه النقطة النائبين واكيم والخطيب). لكن الفرضية هذه ليست دقيقة وتحتاج للتوسّع بشأنها، فهي لا تفسّر مثلاً لماذا كان لطبقات حاكمة في دولٍ وفي أزمنة أخرى بالمقابل، تعتريها مظاهر الترف والبذخ، بما فيها البلاط الفرنسي ما قبل ثورة 1789اعتبار كبير للمساحات العامة. وكان المجلس النيابي قد شهد في هذه الفترة بالذات (أوائل التسعينيات) نقاشات موسعة نسبياً في الصحف تناولت موضوع شركة "سوليدير"، حيث تولت قلة شجاعة إثارة قضايا "المساحات العامة" و"الذاكرة الشعبية" والهندسة في مواجهة  المشروع العقاري الذي عبأت الدولة و"الحكم" في حينه أكثر من ربع الدخل القومي في حسابه (وقد أدّت النقاشات هذه بالشركة العقارية إلى تعديل مخططها، صورياً). فكان أن وُضع النواب والمسؤولون والإداريون أمام مسألة "الجمهور الأوسع"، فلم يبالوا بها، ولم يقيموا لها أي اعتبار.

وتبرز محطات أخرى كان فيها المسؤولون الإداريون أمام حملات انتقاد مباشرة بخصوص الجمهور وحقوقه وذاكرته إلخ. ومنها حملة الدفاع عن حديقة الصنائع، ومؤخراً الحملة الأهلية للحفاظ على دالية الروشة. في المسألتين اللتين أثارتهما الحملتان، اعتمد رئيسا بلدية بيروت بالتوالي (عبد المنعم عريس وبلال حمد) خطاً دعائياً مُتعنّت نسبياً، ولو كان خالياً من أي حجة مضادة للحملتين، داعيين الى إطاحة المجال العام المفتوح. في موضوع الدالية، كان لرئيس البلدية حَمَد تصريح فاضح بعض الشيء لمكنونات أمنياته وربما خطته بالنسبة للمكان ولغيره من الأماكن على ساحل بيروت: فحين اتصل به الصحافي محمد نزال من جريدة الأخبار (عدد 24 أيار 2014) يسأله عما إذا كان مسموحاً لأصحاب العقار الذي تقع ضمنه الدالية، أي آل الحريري، أن يقيموا سياجاً حديدياً وشائكاً بمحاذاة رصيف الكورنيش ويمنعوا الناس من عبور عقارهم، فردّ حَمَد بلغة وصفها الصحافي "بالباردة" وهي أشبه بمنطق الشماتة وقال الآتي: "يسلم تمك. هذا صحيح، يمكنهم أن يمنعوا الناس من المرور من ملكهم الخاص، من أرضهم، ويمكنهم أن يشيدوا ما شاؤوا من أبنية ومشاريع هناك، باستثناء مساحة محددة قبالة صخرة الروشة مباشرة، إضافة إلى المسبح الشعبي في الرملة البيضاء، الذي هو بدوره ملك خاص بالمناسبة، ولكن لا يمكنهم البناء عليه". هل لنا أن نفهم هذا التمسك بالملكية الخاصة على أنه معتقد يقوم على تمكين الفرد لفتح المجال أمام قدرته على المبادرة وإفادة الاقتصاد والمجتمع؟ أم أنه تصدٍ لخطر شيوعي محدق يهدد جميع الملّاكين بتأميم أرزاقهم؟ عليه، بثّ القيّمون على حملة الحفاظ على الدالية بياناً صحافياً في 08 حزيران 2014، جاء فيه رد على هذه الحجة، مذكرين ببديهية "أنه لا يحق لمالك أرض أن يفعل ما يريد في الأرض، وإلا لماذا تُصاغ القوانين ولماذا تُرسم المخططات المدينية".
لكن أبعد من هذا النقاش، يجوز أخذ تفسير تصريح رئيس البلدية من وجهة نظر أخرى، أكثر تناسباً مع استراتيجياته الانتخابية، ومع طموحات وحجم المبادرات الفردية الاقتصادية للرأسماليين المحليين، للبرجوازية المحلية، التي لم يعرف عنها تشييد مدنٍ صناعية في القرن المنصرم.
 
الملكية الخاصة، إعادة تعريف
من وجهة النظر هذه، يؤخذ ما قاله رئيس البلدية في تصريحه للأخبار على أنه تشدد على أن الملكية "بيد الخاص" هي فوق كل حجة، بغض النظر عن القضايا التقنية والقوانين. بما معناه أنه ينبغي إعطاء الملكية المعنية، المنطقة البحرية، إلى جهات خاصة تحديداً، إذ يثق رئيس البلدية بأن وحدها هذه الجهات الخاصة ستتصرف بهذه الملكية كما يجب. والمساحة العامة المعنية هنا هي تحديداً "ملكية عامة"، لها تاريخ عام واستخدام عام، وسمعة عامة، وصورة على العملة والبطاقات السياحية، وهو ما عمد ناشطو الحملة الى تسليط الضوء عليه، بما فيه عبر تعليقهم على السياج الشائك صورة للعملة اللبنانية القديمة (ورقة العشر ليرات) مُعدّلةً، مع مشهد لصخرة الروشة من وراء شباك السياج. لكن لرئيس البلدية تَصَوّر آخر لهذه الملكية، فكيف بها وهي "ملكية خاصة" بالمعنى القانوني؟
 
هذا المعتقد ليس بعيداً عن أحد أبرز المعتقدات والنزعات الدعائية التي تعمل على أساسها السوق العقارية في بيروت، والتي يمكن رصدها في بروز بناياتٍ بأسماء عائلات، برسالة واضحة مفادها أن الثقة "بنوعية" البناية تكفلها الثقة بالاسم الخاص المعطى لها والمسؤول عن تشييدها. ليست الثقة هنا ببراعة الرأسمالي، العقاري، المبادر والناجح، كما هي في غير حالات في بيروت بما فيها استراتيجيات رفيق الحريري سابقاً، بل الثقة بعائلة بيروتية قد تكون كثيرة النفر (وليست دائماً عائلة برجوازية)، بما يعكس تصوُّراً لعيش لمديني أو لعيش داخل البناية أليف وودود. وهي نظرة تتماشى في بعض الأحيان مع سياسة باطنية للبيع مغلقة على المشترين "الشيعة"، بقدر ما تتماشى مع تصوّرات رئيس بلدية بيروت للمساحات المفتوحة للناس مع عنصرية أكيدة إزاء الطبقات الفقيرة والدنيا، كما أشارت اليه الناشطة في حملة المحافظة على الدالية، عبير سقسوق، في دراسة لها عن الموضوع[1].

وكما هي الحال بالنسبة لتصورات بعض الجمهور لسوق البنايات، كذلك تصورات فئات من البرجوازية ومن البرجوازية الصغيرة (أي الطبقات الوسطى) لشاطئ بيروت ولمساحات الترفيه، التي تتفق مع مشاريع رئيس البلدية، والتي لا يمكن تفسيرها بمبادئ الكراهية الاجتماعية وحدها، ليس بطريقة مباشرة وفجة على كلٍ ولو كان يعيش نتائجها الفقراء والطبقات الدنيا مباشرة. عندما يقصد بعض الجمهور أماكن مثل منتجع "السبورتينغ"، أو "الريفييرا" بحلّته الجديدة، لا تأتي على بالهم في عملية اختيارهم لهذه الأماكن جموع الذين سيطردهم الحرس عند باب المكان، ولو سببت لهم الطبقات الدنيا "حساسيات" أكيدة في أماكن أخرى من مسارهم اليومي. وأغلب الظن أن الناس الذين يدخلون في حسبانهم ويتوسلون تجنّبهم في قصدهم أماكن ذات هوية ترفيهية معينة، هم الناس الذين يعيشون في جوارهم الاجتماعي القريب وفي احتكاك موسع معهم، والذين يشتركون معهم بالقدرات الاقتصادية ولو اختلفوا معهم بنمط العيش وخياراته. هكذا يتجنب الأغنياء القدامى الـ"نوفو ريش"، وتتجنب الطبقات الوسطى المُتغربنة البوهيمية الطبقات الوسطى المُتغربنة "الماينستريم" وتتمايز عنهم. أما الطبقات الدنيا، في خيارات الطبقات العليا اليومية وفي بعض حالات الطبقات الوسطى، فهي تبقى غائبة عن حساباتهم إلى درجة كبيرة نسبياً، وأحياناً عن إدراكهم، "يقابلونها" فقط في محطات استثنائية مثل إدارات الدولة، أو الامتحانات الرسمية، تكتسب عليه صفة اكزوتيكية معينة، أو في أوقات الأزمات والتوتر الاجتماعي.
من خلال هذه الزاوية، يقتضي تفسير تصريحات إداريي السياسة المدينيّة وتصرفاتهم، من حيث حدود مساحة احتكاكهم الاجتماعي وجوارها، المحصورة بدوائر الطبقات العليا اللبنانية.
 
أفق البرجوازية الكولونياليةالهندسي
كيف للباحث أن يفحص العلاقة بين "البرجوازية"، بصفتها طبقة مسيطرة في لبنان، والطبقات "الشعبية"؟ تشكل الهندسة أداة دقيقة لقياس مدى جدية بعض أبرز النزعات التي تُميز هذه الفئة من الناس في هذا الخصوص، مع مراعاة التنوع المفهومي الذي تحتويه هذه الفئة، المتعددة الأشكال. فلا شك بأن للبرجوازيات اللبنانية أشكال تعاطٍ متنوعة مع الطبقات الشعبية. فبرجوازية مقرّبة من نبيه بري، أو برجوازية "إسلامية" مثلاً، ستختلف على أكثر من صعيد عن برجوازية من الأغنياء القدماء، أحياناً لحدود الاختلاف الذي قد يبرز في الانتماءات السياسية. لكن أبرز ما تقوله "الهندسة" عن كل هؤلاء، وجميعهم كان له في مرحلة أو في أخرى كلمته في قضايا الإدارة المدينية، هو ما يشترك به جميعهم، وهو محدودية طموحهم التوسعي بالمقارنة مع برجوازيات الغرب الصناعي، وذلك بعكس ما يوحي به استيلاؤهم على ما توافر من مساحات عقارية.
 
عند مراقبة علاقة الدولة اللبنانية بالهندسة، قد يتفاجأ المرء لظاهرٍ بسيط، أن الدولة لا تملك هوية هندسية بأي شكل، على امتداد مبانيها الإدارية في كل أنحاء البلاد. حتى المباني ذات اللغة الهندسية الفاقعة التي شيّدها الفرنسيون، والعثمانيون، تبقى الاستثناء الذي يؤكد القاعدة. يلاحظ الباحث في الهندسة المدينية اريك فيردي أن اثنين أو ثلاثة مبانٍ رسمية فقط شُيدت بعد الاستقلال كان لها هندسة دولة بارزة، ويُعد قصر عدل بيروت من بين هذه المباني[2]. لكنه من السهل الملاحظة أن أياً من المباني الرسمية، بما فيها المباني الكبيرة المبنية التي شُيدت بمنطق خدمة وظيفة عامة، لا تحمل عناصر هندسية احتفالية بالفريق الحاكم الذي شُيدت بعهده، بعيداً عن الوظيفية البيروقراطية البدائية التي توحي به.

يمكن للمرء وضع اللوم في ذلك على الاقتصاد الذي ازدهر في قطاعات من الطبقة الحاكمة المتملكة على قاعدة تأجير عقارات خاصة للدولة بغية احتوائها لإداراتها المتعددة (الوزارات، الجامعة اللبنانية، إلخ.) لكنه لا يفسر كل الحالات. إذ، حتى عندما كانت استراتيجية الفريق الحاكم في التسعينيات تقوم على تسويق نفسه "كإعماري" و"ترميمي"، بقي فقر المباني العامة والرسمية التي شُيدت، من حيث الأسلوب والزينة الهندسية، سائداً. بدءًا بمطار "رفيق الحريري" الدولي، مروراً بوزارة المالية الجديدة، ومجمع "رفيق الحريري" الجامعي، وليس انتهاءً بملعب مدينة "رفيق الحريري" الرياضية وذلك حتى بالمقارنة مع الملعب "الشمعوني" الذي سبقه والذي كانت واجهته الخارجية تحتوي صوراً احتفالية بالرياضة على الأقل، بالمقارنة مع الوجهة الوظيفية القاحلة التي تميّز الجديد وسواه من مباني الدولة. في جميع هذه الحالات، لا تُبرز الطبقة المسيطرة أي رسالة تريد أن تقولها للجمهور الأوسع القاصد لهذه المباني، سوى ترتيب أموره البيروقراطية، فكأنه غائب عن جهاز إدراكها، كذلك الأمر في موضوع المساحات العامة الترفيهية والحرجية في مدينة بيروت، فيبدو أفق الطبقة الحاكمة موجوداً في مكان آخر.
 
قد يجوز تفسير هذا الأفق للبرجوازيات الحاكمة في لبنان بالعودة إلى المرحلة الكولونيالية، المتعايشة في لبنان مع الحكم العثماني، عندما تشكلت أولى هذه البرجوازيات في جوار قنصليات الدول العظمى، وفي مدارس الإرساليات، بالتوازي مع ما سيصبح في ما بعد الدولة اللبنانية. وقد قامت المدارس والمؤسسات التربوية آنذاك وما زالت على منطق الأماكن المغلقة والمسيجة من جهة، ومن جهة أخرى على منطق استلام الحكم بعد أن يكون الطرف الحاكم الجديد (العثماني ثم الفرنسي) قد أخمد معركة تركيز الحكم مع الفئات الشعبية غير المتعاونة. و"الحكم" الحالي، أي الجمهورية الثانية، هو نتيجة لتجدد هاتين النزعتين نفسيهما، بعدما كفل النظام السوري حسم معاركه العسكرية والشعبية واستقراره على السكة هذه في التسعينيات. هي إذاً برجوازية لم تواجه الطبقات الشعبية في المئة سنة المنصرمة، بدرجة خطورة أجبرتها على مراجعة خطاب شرعيتها. كما أن الدولة اللبنانية، بعكس زميلاتها في الدول الفقيرة، لم تتكون على أنقاض حرب تحررية ضد الاستعمار ونتاجاته وفروعه لتصنع لغة شرعيتها، ولغتها الهندسية بالموازاة، على مبدأ الاحتفال بـ"الانتصار" والوطن والذات، وتنقلها إلى المجموعات الطبقية الحاكمة التي ستتبوأ مقاليد حكمها.

وتبقى جميع هذه الفرضيات مفتوحة للتدقيق والتفصيل. لكن الأكيد أن غياب اللغة الهندسية وحصر الهندسة والسياسة المدنية بالشكل الوظيفي الصرف، يزيد من حصر دور الدولة على تفسيرها "الفيبري"، على أنها صاحبة الحق الحصري بممارسة العنف، عوضاً عن أن تكون المؤتمن -- الوحيد الممكن -- بالمصلحة العامة وبتجسيد وتطبيق "الشخصية الجامعة"، فتصبح الشخصية الجامعة التي تسوِّق لها مُشتركها العُنف والوَظيفة وكل واحد لذاته، وتترك العلاقات بين الطبقات والمجموعات الاجتماعية المختلفة محكومة بأهواء الطبقات العليا الفجة وشهواتها الأنانية ومفتوحة على تطوّر كل أشكال عواطف العدائية والمواجهة الاجتماعية الممكنة.
 
 
٭رسام وباحث في علم الاجتماع،
من فريق عمل المفكرة القانونية
 
نشر في العدد التاسع عشر من مجلة المفكرة القانونية


[1]رابط للدراسة منشور ضمن مقال لمجموعة الدكتافون، "هذا البحر لي: قطعة صوتية وكتيب البحث"، موقع "جدلية"، في 27 ايار 2014.
 Eric Verdeil, « Beyrouth et ses urbanistes. Une ville en plans (1946-1975) », Editions de l’IFPO, Beyrouth 2012. [2]