"بتاريخ 5-6-2014، ...حضر الأستاذ شمعة عن مرسيل برجي... طلب الأستاذ شمعة ارجاء الانتخابات لحين البت بالاعتراضات المقدمة منه.. وضعت الرئاسة الفرقاء بجو الاجتماع الذي دعاها اليه الرئيس جان فهد بناء لمراجعة السيدة البرجي (التي طلبت) منه باصرار شديد بأن تجري الانتخابات في أسرع وقت ممكن. وفي هذا الاجتماع، أصر الرئيس جان فهد على اجراء الانتخابات مهما كانت الظروف. وبناء على التناقض في المراجعات والطلبات المقدمة من السيدة البرجي من جهة الانتخابات أو عدمها، سترفع الرئاسة صورة الى الرئيس جان فهد للوقوف على نية الفرقاء بمدى اصرارهم على اجراء الانتخابات، ولايضاح الصورة بأن ارجاء الانتخابات في وقت سابق (من قبل المحكمة) كان لأسباب قانونية تم تعليلها. وقد أيدت محكمة التمييز هذا التعليل عندما ردت طلب نقل الدعوى للارتياب المشروع المقدمة من السيدة البرجي".

هذه العبارات وردت في محضر جلسة محاكمة لدى المحكمة الابتدائية المدنية في جديدة المتن، وتحديداً الغرفة التي ترأستها القاضية سيلفر أبو شقرا. وقد وردت فيه معلومات هامة عن ظروف التدخل الحاصل في عمل المحكمة وطبيعته وموضوعه، على نحو من شأنه أن يعطينا فكرة أكثر وضوحاً عن إطار التدخلات في القضاء في لبنان والتصورات التي تلازمه. وأبرز هذه المعلومات الآتية:  

-   أن الخصم في الدعوى (السيدة برجي) لم يتدخل لدى قضاة المحكمة مباشرة، بل لجأ الى رئيس مجلس القضاء الأعلى، طالباً من هذا الأخير التدخل للضغط على المحكمة المعنية. بمعنى أن الخصم في الدعوى ظن أن بإمكانه أن يستخدم الهرمية القضائية كأداة للحصول على حكم قضائي؛

ونلحظ هنا وصف المراجعة الحاصلة من هذا الخصم بـ"(ال)إصرار (ال)شديد"، ما يؤشر الى نفوذ معين أو مونة معينة لهذا الخصم على رئيس مجلس القضاء الأعلى. فالإصرار الشديد ينفي فكرة الاستجداء أو الاستعطاف. وهذا ما يتأكد من كيفية تجاوب هذا الأخير معه،   

-   أن رئيس مجلس القضاء الأعلى قبل وفق المحضر القيام بالمهمة المطلوبة منه على الوجه الذي تقدم. ونستنتج منه أن التدخل لدى القاضية حصل بطريقة فوقية وهرمية. فهو دعاها الى اجتماع ولم يذهب اليها أو يتواصل معها بطريقة ندّية. وتدخله لديها لم يحصل على سبيل الاستفهام أو الاستعلام أو التأكد من معلومة معينة أو حتى التمني، بل حصل بلهجة آمرة وفق ما نقرؤه في عبارة: "أصر الرئيس جان فهد على إجراء الانتخابات مهما كانت الظروف"،

-   ليس لدينا معلومات دقيقة عن كيفية تصدي رئيسة المحكمة للتدخل الحاصل خلال الاجتماع. لكن، بإمكاننا أن نستنتج هذا الموقف من حرصها على توثيق التدخل في محضر رسمي في جلسة علنية انعقدت في الدعوى التي جرى التدخل بشأنها، بحضور عدد كبير من المحامين كانوا ينتظرون في قاعة المحكمة جلسات الدعاوى الخاصة بهم. فهذا التصرف إنما يؤشر الى رغبة بتسجيل موقف واضح منها برفض التدخّل المذكور وجبهه بتدبير يؤدّي في أقل تقدير الى توثيقه وإحراج "المتدخل" أمام جسمي القضاء والمحاماة. وقد رفعت القاضية نبرة التحدي من خلال تدوين قرارها بإرسال صورة عن المحضر الى رئيس مجلس القضاء الأعلى. الى جانب ذلك، نقرأ في المحضر ما يعكس محاججة معينة مع رئيس مجلس القضاء الأعلى حول صحة قراراتها ومواقفها السابقة: فطالب التدخل تراجع عن مطلبه موضوع التدخل بإجراء الانتخابات ضمن أقصر المهل ليطالب بأمور معاكسة تماماً، أي إرجاء موعد الانتخابات، ومحكمة التمييز ردت طلب نقل الدعوى المقدم ضدها للارتياب المشروع.

محضر هام من دون شك. محضر يعلمنا الكثير عما يحصل داخل القضاء. فهل يشكل بداية تحول في اتجاه واقع مختلف؟

  
نشر في العدد العشرين من مجلة المفكرة القانونية