بعد إقرار ملفي تعيين عمداء وتفريغ الأساتذة، طرح رئيس الجامعة اللبنانية عدنان السيد حسين مفهوم استقلالية الجامعة في سياق المطالبة بإلغاء القرار رقم 42 الصادر عن مجلس الوزراء في 1997 والذي "سحب من الجامعة استقلاليتها وحقها بتفريغ أساتذتها". ورغم أهمية مفهوم استقلالية الجامعة، بقي هذا المفهوم خارج الخطاب العام، وذلك بخلاف الحال في مصر حيث يشكل جزءاً أساسياً من النضال الطلابي والأكاديمي، والأهم من ذلك، مفهوماً ذا قوة دستورية منذ 1972. وفي هذا السياق، أجرت المفكرة القانونية مقابلة مع الخبير التربوي د. عدنان الأمين، الذي أكد "أن موضوع الاستقلالية لم يشكل بحد ذاته موضوع معركة يوماً". وقد عاد بنا الأمين الى أولى الممارسات غداة الحرب الأهلية واتفاق الطائف "بعدما قسم السياسيون كل شيء في ما بينهم".

الحرب الأهلية وإنشاء الفروع في منطقة بيروت: أولى انتكاسات استقلالية الجامعة الوطنية
يشير د. عدنان الأمين الى "السوسة السياسية" التي دخلت الجامعة من بابها العريض غداة الحرب الأهلية، وذلك من خلال إنشاء الفروع في منطقة بيروت. ففي الأعوام 1976 و1977 إبان الحرب الأهلية، ونظراً لصعوبة تنقل المواطنين في بيروت، أنشأ وزير التربية حينها كميل شمعون، ما يسمى بالفروع في منطقة بيروت. وبهدف إدارتها، كان يتم تعيين مدراء من قبل رئيس الجامعة بناءً على رأي السلطة المحلية "المبني على أساس سياسي بحت". احتكام تعيين مدراء الفروع الى السياسة لا يزال فاعلاً حتى يومنا هذا، حيث يجزم الأمين بالقول، "ما بتسترجي الجامعة تعيّن مدير إلا برضى القوى السياسية". من نتائج هذه الخطوة أن تغلغلت السياسة في الحياة الجامعية حيث انعكست أيضاً على مجالس طلاب الفروع التي باتت بدورها تتبع جهات حزبية معينة، بحسب الفرع وصبغة المنطقة الطائفية والحزبية القائم فيها. وبذلك، يقول عدنان الأمين: دخلت السياسة في الطابق الأرضي وقاعدة الجامعة اللبنانية. يتابع الأمين "منذ ذلك الوقت، فرض الوضع السياسي العام هذا التدخل من بعد اتفاق الطائف من فوق أيضاً، من خلال تدخل مجلس الوزراء بتعيين العمداء وتفرغ الأساتذة".

هكذا صادر مجلس الوزراء "بقرار خبيث" صلاحية الجامعة اللبنانية بالتعاقد مع أساتذة للتدريس
يميز الأمين بين تعيين العمداء وموضوع تفريغ الأساتذة. بالنسبة للأساتذة، وطبقاً لقانون إعادة تنظيم الجامعة اللبنانية 67/75، يتم التعاقد مع الأساتذة بقرار من مجلس الفرع وفق المادة 79 من القانون السالف الذكر. وقد بقي هذا الأمر ساري المفعول  حتى التسعينيات من القرن الماضي. "وقتها كانت الجامعة اللبنانية بحاجة الى تفريغ أساتذة"، يقول عدنان الأمين. ويتابع، "طلب وزير التربية والتعليم العالي والثقافة في حينها ميشال اده من رئيس الجامعة اللبنانية آنذاك، أسعد دياب، إطلاعه على الملف. وبعد التدقيق من قبل مستشاري الوزير، ادعى الأخير أن هناك نوعاً من التلاعب من خلال إنشاء شعب وهمية لمنح ساعات تعليم لأساتذة لا حاجة لهم". لا ينفي ولا يستبعد د. عدنان الأمين صحة هذا الادعاء، إلا أنه يصف قرار الوزير ومجلس الوزراء "بالخبيث". "فعوض فتح تحقيق وتحميل الناس المسؤوليات عن هذه الارتكابات، نزعوا صلاحية التعاقد من الجامعة ووضعوها بيد الحكومة". في مراجعة لمحضر جلسة مجلس الوزراء المنعقدة بتاريخ 19-3-1997 نسجل ما حرفيته أنه "بعد الاستماع الى ما عرضه السيد وزير الثقافة والتعليم العالي حول موضوع التعاقد للتدريس في الجامعة اللبنانية وضرورة اتخاذ التدابير المناسبة لضبطه وتنظيمه، قرر المجلس وقف التعاقد للتدريس في الجامعة اللبنانية إلا بموافقة مجلس الوزراء". وهنا تطرح تساؤلات حول مدى قانونية تعديل آلية ملحوظة بقانون، بقرار صادر عن مجلس الوزراء. يلوم الأمين سكوت الجامعة عن هذا التجاوز، فهي بتقديره "كانت تشعر بالغلط الذي حصل، إضافة الى كون المسؤولين في الجامعة لديهم ميول سياسية، ما يعزز استجداءهم السياسيين". ومنذ ذلك الحين، لم يبادر أي وزير تربية الى المطالبة بإعادة هذه الصلاحية الى الجامعة. وبهذا القرار، تحوّل الموضوع من عملية أكاديمية 100% الى عملية سياسية 100% حيث بات التعاقد مبنياً جزئياً على الشق الأكاديمي، يزاد عليه المحاصصة السياسية. ويخلص الأمين الى أن "هذه الوضعية لا تفقد الجامعة استقلاليتها وحسب ولكن أيضاً طابعها الأكاديمي". وما يزيد في ضرب الطابع الأكاديمي للجامعة هو غياب أي طريقة لتقييم الأساتذة أو إعادة النظر في ملف المتعاقد المراد تفريغه. فبحسب الأمين، يفترض أن القسم يدرس الطلبات ويتم تقييم المرشح أكاديمياً مع الأخذ برأي طلابه، لكن الواقع يثبت عكس ذلك حيث يجري التفرغ بصورة آلية إدارية، بمجرد مرور سنتين على تعاقد المرشح المعني. ومرد هذه الثغرة وفق الأمين هو قانون 67/75 الذي "لم يوضح هذا الأمر، بالإضافة الى كونه مبنياً على ترتيبات إدارية أكثر من كونه مبنياً على ترتيبات أكاديمية". "السياسيون يكسبون بصورة هائلة من هذه الوضعية"، يقول الأمين، "لأنهم يذلون الأساتذة ويكسبون ولاءهم وينعكس ذلك على أداء هؤلاء داخل الحياة الجامعية".
 
تعيين رئيس الجامعة والعمداء يحتكم لقرار سياسي بحت
بخلاف التعاقد للتدريس في الجامعة اللبنانية الذي أضحى بيد الحكومة خلافاً لقانون 67/75، تعود صلاحية تعيين العمداء الى مجلس الوزراء وفقاً للقانون المذكور. "قد لا تكون هذه الآلية هي الأمثل"، يشير الأمين، "حيث إن التقاليد الشائعة في هذا المجال في العالم تلحظ آليات أخرى كانتخاب العمداء أو تشكيل هيئة معينة تتولى، بناءً على معطيات موضوعية وأكاديمية، ترشيح بعض الأسماء الى الحكومة التي بدورها تتخذ القرار بالتعيين". المشكلة بحسب الأمين تكمن في "أن قرار التعيين هو قرار سياسي بحت، بعيداً عن أية آلية أكاديمية مجردة من الالتفات الى طائفة الشخص وميوله الحزبية وارتباطه بفلان وعلان". "نظام الحكم في لبنان تحوّل الى تقاسم حصص بطريقة فجة"، و"جميع العمداء محسوبون على سياسيين" يؤكد الأمين. ويردف: "هذه هي المشكلة وبالتالي الشخص العادي الذي يتمتع بكفاءة لا يمكنه أن يترشح ولا أن ينجح ولا أن يعيّن. الناس غير المحسوبين سياسياً ليس لديهم حظوظ ليعيّنوا عمداء. ما فيك تغري أصحاب الكفاءة يعملوا عمداء في الجامعة اللبنانية". وهذا الأمر ينطبق على رؤساء الجامعة، وفق الأمين، الآتين من عالم السياسة والطامحين لتولي مناصب وزارية، الأمر الذي "يحفزهم" على تحصين ولائهم للسياسيين الذين أتوا بهم.
 
الكل يتبنى شعار "ارفعوا أيديكم عن الجامعة"، لكن ليس هناك أي معنى لهذا الكلام. هو كلام لفظي يغطي واقعاً مختلفاً، لأن الجميع منخرط بهذه المعمعة السياسية.
 
٭مجاز في الحقوق, من فريق عمل المفكرة القانونية

 
نشر في العدد العشرين من مجلة المفكرة القانونية