على أثر النقاشات النيابية التي أناطت صدور قانون حماية النساء وسائر أفراد الأسرة في لبنان، ووجه قضاء الأمور المستعجلة في لبنان وهو أحد المراجع القضائية المختصة لإصدار أمر حماية، بمهمة تعريف ما هو العنف وما هي أوجه مظاهره. فإذا كان الإجماع يسود في تكريس مفهوم العنف الجسدي، تتميز سائر أشكال العنف من عنف معنوي واقتصادي بتعدد الجدليات المحيطة بها وبحرج القانون الذي لا يزال خجولاً في محاربتها.
 
في هذا الإطار، يبرز القرار الصادر عن قاضي الأمور المستعجلة في المتن القاضي أنطوان طعمة بتاريخ 20/8/2014 حيث إنه يذهب أبعد من مبدأ تكريس مفهوم العنف المعنوي ضد المرأة للاعتراف بأحد أوجهه كعنف يتجلّى باستعمال الولد الناتج من الرابطة الزوجية كأداة تعنيف بحق الزوج أو الزوجة الضحية. 
 
وقائع الدعوى: امرأة متزوجة تقدمت باستدعاء أمام قضاء الأمور المستعجلة عارضة أنها ارتبطت بزوجها بعدما كانت قد أبدلت دينها من مسلمة الى مسيحية وتعرّضت منذ زواجها الى إذلال وإهانات بصورة مستمرة من قبله أمام ابنتيها تتمحور أولاً حول تبديل دينها وثانياً حول تصويرها على أنها زانية ومهملة وسارقة، هذا فضلا" عن منعها من مشاهدة واصطحاب ابنتيها بعدما اضطرت الى ترك المنزل الزوجي نتيجة الضغوط المعنوية والنفسية. وقد خلصت المستدعية الى الطلب من المحكمة إلزام زوجها بتسليمها الابنتين وبتسديد بدل نفقات المأكل والملبس والمسكن لها ولابنتيها بناء على أحكام قانون حماية النساء وسائر أفراد الأسرة في لبنان، معتبرة أن أفعال زوجها تشكل عنفاً معنوياً ونفسياً بحقها ويؤدي الى إلحاق الضرر والأذى المعنويين بحق الابنتين.
 
بناء عليه، قضى القرار موضوع التعليق:

أولاً: بإخراج الطفلتين القاصرتين من منزل والدهما وتسليمهما الى الوالدة،

ثانياً: بإلزام الزوج بتسديد مبلغ شهري قدره /1000/ د.أ. الى المستدعية لقاء نفقات السكن والمأكل والملبس العائد للابنتين،

ثالثاً: تكليف جمعية "كفى" بتعيين من تراه مناسباً لمواكبة وضع الطفلتين القاصرتين النفسي والمعنوي ومحاولة تقريب وجهات النظر في ما بين الزوجين وتقديم تقرير بذلك الى المحكمة.
 
وقد استند القرار المذكور في ما توصل اليه من نتيجة الى المساواة بين العنف الجسدي والعنف المعنوي و"غيرهما من أشكال العنف" عبر قراءة تعريف العنف الأسري الوارد في المادة الثانية من القانون رقم 293/2014 على ضوء مبدأ كرامة الإنسان وسلامته الجسدية والمعنوية والنفسية والتي سبق للمحكمة ان وضعته على رأس الهرمية القانونية. فـ"لنفس الإنسان .. أهمية مطلقة .. كونها هي محور الحقوق التي تقررها القوانين والتشريعات حماية لسلامتها وحفاظا على كرامتها". وقد أكد القرار على نشوء نظام عام حمائي للأفراد في القانون اللبناني يرتكز على حقوق أساسية للأفراد أوّلها كرامة الإنسان[1]. كما أنه يساهم في ترسيخ توجه القضاء في "قدرته الريادية على تطوير النص القانوني" من خلال "التمسك بحماية النساء من العنف المعنوي" بعدما حاول المشترع بترها عبر حد حالات العنف المعنوي بالعنف الذي يتناوله إحدى الجرائم المنصوص عنها في القانون. وكان قاضي الأمور المستعجلة في بيروت جاد معلوف قد جزم في اول تطبيق قضائي للقانون بأن "العنف لا يقتصر فقط على التعرض الجسدي، ذلك .. أن المستدعية تعرضت كذلك لأنواع مختلفة من العنف لا تقل خطورة عن العنف الجسدي وذلك عبر إقدام زوجها على تعنيفها كلاميا وإطلاق الشتائم بوجهها وتحقيرها كما عبر إقدامه على منعها من الخروج من المنزل الزوجي إلا لبضع ساعات في الشهر، دون أي سبب يبرر ذلك. وهو ما يشكل تعرضا لأبسط حقوقها، وما يدخل دون أي شك في تفسير العنف الأسري المنصوص عليه في القانون 293/2014 ذلك أن العنف المقصود هو ذلك الذي يسبب الإيذاء النفسي أيضا، ولا يمكن الا والاقرار بجدية وخطورة الأذى النفسي الذي ينتج من قمع حرية تنقل الزوجة دون أي مبرر وعن تعنيفها كلاميا"[2].   

واهمية القرار الصادر عن القاضي أنطوان طعمة التي تذهب في الاتجاه نفسه لجهة تعريف العنف واشتماله على العنف المعنوي والنفسي، تتمثل خاصة بتعريف العنف المعنوي والنفسي على انه يشمل حالات حرمان احد الوالدين من مشاهدة ولده وتعبئة نفس الولد بوجه احد والديه. ومن شأن توصيف هذا السلوك بأنه عنف، محاربة سلوك اجتماعي يشكل دون ادنى شك أداة ابتزاز شديدة الفعالية في النزاعات العائلية والزوجية وهي أداة لا تزال حتى تاريخه تحتل المركز الاول من بين سبل الإخضاع والتخويف.

ويعيد هذا القرار الى الساحة معضلة ربط الحضانة والحراسة القانونية للولد القاصر بعمر معيّن في القوانين العائلية الطائفية من دون اعتماد قاعدة مصلحة الطفل العليا. فالقول بأن حرمان أحد الوالدين من مشاهدة ولده يشكل وجهاً من اوجه العنف المعنوي ومساً بكرامة الانسان وسلامته الجسدية والمعنوية والنفسية، وتدخل القضاء لوضع حد لهذا الواقع، انما يلتقي تماما مع اجتهاد الهيئة العامة لمحكمة التمييز وقضاة الاحداث والآيل الى "تكريس نظام ملزم للطوائف"[3] يحدّ من شمول صلاحياتها لتتوقف عند ضرورة احترام الهوية والخصوصيات الطائفية من دون المساس بسلامة الانسان وكرامته. وبكلام آخر، يؤشر هذا القرار الى تلاق بين مجالي التدخل المتاحين للقضاء المدني في المجال الأسري، وهما مجال التدخل عند توفر شروط العنف الأسري ومجال التدخل عند وجود طفل في حال الخطر، على أمل أن يشكلا معا لبنة لبناء نظام عام عابر للطوائف من خلال القضاء.    

٭ محامية متدرجة في بيروت، وهي تعدّ الدكتوراه في القانون، عضو في المفكرة القانونية

نشر في العدد العشرين من مجلة المفكرة القانونية

للإطلاع على النص مترجما الى اللغة الإنكليزية يمكنك الضغط هنا
 


[1]يمنى مخلوف، قاضي الأمور المستعجلة يثابر: مبدأ سلامة الانسان على رأس هرم المنظومة القانونية اللبنانية، المفكرة القانونية، المفكرة القانونية، عدد 15، آذار 2014.
[2]نزار صاغية، أول تطبيق لقانون حماية المرأة من العنف الأسري في لبنان: أو حين اجتهد القاضي تصحيحا لقانون مبتور، المفكرة القانونية، 9 حزيران 2014
[3]نزار صاغية، الطفل في حال الخطر، القضاء يكرس نظاما ملزما للطوائف، الأخبار، 13-8-2009