خلال شهر حزيران من العام الجاري، أصدرت رابطة كاريتاس – مركز الأجانب - في لبنان تقريراً عن الخدمات القانونية التي قدمتها للعاملات في الخدمة المنزلية واللواتي كن عرضة للاستغلال. وقد أعد التقرير أليكس نصري ووسام طنوس باللغة الفرنسية تحت عنوان “accèsà la justice des travailleurs domestiques migrants au Liban”، وهو عمل مشترك مع مكتب منظمة العمل الدولية. يهدف التقرير الى عرض مدى قدرة ولوج العاملات في الخدمة المنزلية الى القضاء لتكريس حقوقهن في لبنان عبر التدقيق في القرارات الإدارية والقضائية المتخذة في الحالات التي شملتها المساعدة القانونية للرابطة منذ 2007. وفيما بلغ عدد الحالات المسجلة لدى الرابطة 1146 حالة عاملة من الجنسية الإثيوبية، غير أن التحليل اقتصر على 730 حالة فقط وردت بشأنها معطيات حول علاقة العمل وظروفه. بالإضافة الى إجراء عدد من المقابلات مع قضاة تحقيق وقضاة نيابات عامة ووزارة العمل وضباط من المديرية العامة للأمن العام والقنصلية الإثيوبية في بيروت. كما تمت مراجعة 24 حكماً صادراً عن محاكم مختلفة من أجل تسليط الضوء على تطور العمل القضائي بين الأعوام 2000-2013.

هذا وقد أشار التقرير الى أبرز العوائق التي تحول دون وصول العاملة أمام القضاء، ومنها صعوبة حصول العاملة على  إثباتات على الانتهاكات المرتكبة ضدهن، وتقاعس القضاة، ولا سيما النيابات العامة، عن ملاحقة أصحاب عمل وردت بشأنهم إفادات على إقدامهم على التعرض بالضرب للعاملات، فضلاً عن سقوط إقامتها عند تركها لعملها.

ولعل أهم ما تضمنه هذا التقرير، الى جانب نشره بعض المعطيات عن المساعدة القانونية المقدمة من رابطة كاريتاس، هو التأكيد على وجود ممارسة – تناولها التقرير من دون أي انتقاد - كانت المفكرة القانونية قد سبق وحذرت منها كإحدى نتائج نظام الكفالة، ألا وهي التسويات التي تعقد بين العاملة وصاحب العمل، غالباً لمصلحة هذا الأخير، وعلى نحو يحول دون وصول العاملة الى القضاء لتكريس حقوقها المنتهكة[1]، مهما بلغت خطورتها. وبالنظر الى أهمية الأرقام المنشورة فيه بشأن هذه الممارسة، فإننا سنحصر ملاحظاتنا في هذا المكان عليها وحدها. 

التسوية: 65.52%
فقد تضمن التقرير أرقاماً جد معبرة تثبت الانتشار الواسع لهذه الممارسة. فمن عيّنة الـ1146 حالة المسجلة في قاعدة بيانات رابطة كاريتاس، تابعت الرابطة 1279 قضية مرتبطة بها (يمكن أن تكون للحالة أكثر من قضية)، ومن هذه القضايا تم إنهاء 838 منها عبر تسوية خارج المحاكم والقضاء، أي ما نسبته 65.52% من مجموع القضايا.[2] بينما تقتصر القضايا التي تابعتها الرابطة أمام المحاكم على 441 قضية، كانت العاملة هي الطرف المدعي في 45 منها فقط.

ويكشف التقرير لاحقاً عن أرقام أكثر تفصيلاً، فقداعتُمدت الوساطة في 244 حالة امتنع صاحب العمل فيها عن تسديد أجور العاملات المستحقة، وقد توصلت في 36% منها الى حل النزاع عبر التسوية.

ويشير التقرير الى أنه عند نشوء خلاف بين العاملة وصاحب العمل ورفض هذا الأخير تسديد الأجور المتوجبة لها، تحيل رابطة كاريتاس الملف الى دائرة التحقيقات في المديرية العامة للأمن العام التي تجري تحقيقاً أولياً بصفتها ضابطة عدلية. وتبعاً لذلك، يتم استدعاء صاحب العمل والعاملة للتحقيق معهما بشأن المبالغ المالية المطالب بها (“ dans un premier cas de figure le travailleur accepte d’être rembourse un montant moins élevé que ce qui lui est du par l’employeur afin d’accélérer la procédure de déportation dans son pays”). وللعاملة إما القبول بمبلغ أقل بما تطالب به، أو لها أن ترفض التسوية المعروضة عليها.

إذا رفضت العاملة التسوية المعروضة عليها،تبلّغ المديرية العامة للأمن العام النيابة العامة التي تعطي أحياناً إشارة شفهية لضباط الأمن العام بإعطاء مهلة لصاحب العمل لتأمين الأجور المتوجبة وتذكرة سفر. وإذا تمنع صاحب العمل عن تسديد الأجور و/أو تأمين تذكرة السفر، يجب من حيث المبدأ على المديرية العامة للأمن العام أن تلاحق صاحب العمل على قاعدة فسخه التعهد الموقع منه أمام كاتب العدل بتحمل تلك الأعباء. غير أن التقرير يشير الى أن الأمن العام غالباً ما يعتكف عن الملاحقة، فيسعى أصدقاء العاملة أو قنصليتها الى تأمين تذكرة السفر. ويبقى مستغرباً أن تعطي النيابة العامة صاحب العمل مهلة للتسوية من دون التحقق في ما إذا كان عدم تسديد الأجور يشكل عملاً قسرياً بمفهوم قانون الاتجار بالبشر[3]. وتكون النيابات العامة، باعتمادها هذا المسار، ولو بشكل غير مباشر، تساهم في التضييق على العاملة للموافقة على تسوية تنتقص من حقوقها. بالمقابل، يعلم صاحب العمل أن العاملة مستعدة للتخلي عن قسم كبير من حقوقها، وربما كل حقوقها لحاجتها الى تنازله عن كفالته لها إذا قررت البقاء في لبنان، كما يعلم أنه في حال عدم تسوية النزاع حبّياً، فإنه يتم ترحيلها، ما يؤدي الى تغييبها تماماً عن أي دعوى باشرتها أو تعتزم مباشرتها بمساعدة منظمة كاريتاس أو غيرها ممن يقدم مساعدة قانونية. وتالياً، وفي ظروف مماثلة، يبقى الضغط على صاحب العمل لحمله على الموافقة على التسوية في حده الأدنى.

تسوية، مقابل ماذا؟
لا يعطي التقرير أمثلة عن التسوية وما ينتج منها على صعيد حقوق العاملة عند مطالبتها بأجورها المستحقة إلا بخصوص حالات ثلاث ورد ذكرها في الهامش رقم 22 منه. الحالة الأولى هي حالة عاملة إثيوبية تمنّع صاحب العمل عن تسديد أجرها 13 شهراً أي ما بلغ مجموعه 1950 د.أ. قبلت العاملة بمبلغ 500 د.ا. (أي أنها قبلت بمبلغ يعادل أجر ثلاثة أشهر عمل بدل 13 شهراً)، الحالة الثانية، تمنّع صاحب العمل عن دفع أجر 9 أشهر عمل (لم يحدد التقرير المبلغ المطالب به)  قبلت العاملة بـ400 د.ا. أي أجراً يقل عن 45 دولاراً للشهر الواحد، أما في الحالة الثالثة، فقد تمنّع صاحب العمل عن تسديد أجور العاملة البالغة 1550 د.أ (لم يحدد التقرير مدة العمل)، قبلت العاملة بمبلغ 500 د.ا. ويبدو واضحاًأن نجاح التسوية غالباً ما يتطلب تنازل العاملة عن نسبة كبيرة من حقوقها قد تصل الى 75% أو حتى 80%. وبما لا يقل أهمية عن ذلك، هو أن التسوية تؤدي الى منع المحاكمة في هذه الانتهاكات والى إفلات صاحب العمل من العقاب من جرائها. ويسجل على التقرير أنه لم يتوقف عند خطورة الممارسة، فلم يعرض جانباً أساسياً من التسوية المتمثل في حالة العاملة التي تود البقاء في لبنان وجل ما تطلبه هو تنازل صاحب عملها عن كفالته والتي تضطر نتيجة لذلك الى القبول بالتسوية – وحتى أحياناً أن تدفع مبلغاً مالياً لصاحب عملها مقابل تنازله. يضاف الى ذلك أن التقرير أشار الى هذه الفرضية إشارةً موجزة ومقتضبة دون عرض نسبة الحالات التي ترغم بها العاملات على القبول بالتسوية مقبال تنازل صاحب/ة العمل عن كفالته/ا.

تجدر الإشارة الى أن التسويات التي تجري على حساب حقوق العاملة لا تقتصر فقط على قضايا الأجور المتوجبة، بل تتعداها الى قضايا ترشح عن خطورة جرمية أكبر (بعضها جنايات)، تمنع من حيث المبدأ التسوية بشأنها لتعلقها بالحق العام. ومن أبرز هذه القضايا، القضايا التي تكون فيها العاملة ضحية اغتصاب أو عنف جسدي. فيشير التقرير الى أن الرابطة أشرفت على 110 وساطات في قضايا عنف جسدي مورس على العاملة وأكثر من 20 وساطة في قضايا اعتداءات جنسية على العاملة وبين الـ10 والـ15 وساطة في قضايا كانت تحرم بها العاملة من الطعام ـو يقدم لها منه ما لا يكفي لقوتها. ويستطيع الشخص أن يتساءل حول ماهية التسوية التي تمت بالنسبة لقضايا العنف الجسدي الـ100 التي وقعت ضحيته عاملات في الخدمة المنزلية. على ماذا وافقن؟ ومقابل ماذا؟ فوفق ما وثقه الحكم الصادر عن القاضية المنفردة الجزائية في جونيه دينا دعبول في 31/10/2013، في قضية تقدمت بها عاملة في الخدمة المنزلية بوجه صاحب/ة العمل بسبب تعرضها للضرب المبرح من هذا/ه الأخير/ة بالإضافة الى تمنع صاحب/ة العمل عن دفع أجور العاملة المستحقة. وقد ورد في الحكم عبارة "برّأت العاملة ذمة صاحبة العمل أمام الأمن العام"وهي مأخوذة من محضر التحقيق الذي أجرته المديرية العامة للأمن العام مع العاملة ووفق المفتش الممتاز الذي استدعته المحكمة، فالمقصود ببراءة الذمة أن العاملة تنازلت أيضاً عن شكوى الضرب، أي أنها أسقطت حقوقها الشخصية. وتؤشر هذه الوثيقة الى العادة المتبعة في تسويات مشابهة تتنازل بموجبها العاملة عن حقها الشخصي في جرائم مرتكبة ضدها تصل الى حد العنف الجسدي والاغتصاب (أي ما يقارب 120 قضية في العينة التي خضعت للتسوية).

رغم ملاحظاتناعلى بعض ما ورد في التقرير من تحليل ومقاربات قد تبحث في مكان آخر، يسجل له أنه قدم دليلاً قيّماً على انتشار ممارسة التسوية التي من شأنها زيادة تهميش العاملة. وبالطبع، الانتشار الواسع لهذه الممارسة لا يشكل نتيجة طبيعية لنظام الكفالة الذي تكون بموجبه العاملة مرغمة على ترك لبنان إذا رفض الكفيل التنازل عن كفالته عنها وحسب[4]، بل أيضاً عاملاً لضمان استمراره. فحظوظ الظلم (نظام الكفالة) بالاستمرار تقوى طبعاً بقدر ما تنجح الجهات التي ترعاه في إبقائه بمنأى عن المحاكم.

٭باحثة في القانون، من فريق عمل المفكرة القانونية
 
نشر في العدد العشرين من مجلة المفكرة القانونية

[1]سارة ونسا، حكم جزائي يرفض تهميش دور القاضي في حماية حقوق عاملات المنازل، ويبطل مقايضة تنازل "كفيل" عن عاملة منزلية بتنازلها عن حقوقها، المفكرة القانونية، العدد 12، تشرين الثاني 2013.
[2]جدول رقم 1 من تقرير رابطة كاريتاس،ص. 28
[3]نصت المادة 586 من قانون العقوبات المعدلة وفقا للقانون 164/2011، على انه "يعتبر استغلالا وفقا لاحكام هذه المادة إرغام شخص على الاشتراك في أي من الافعال التالية : (...) و9 العمل القسري أو الالزامي (...) "
 
[4]مما يضع العاملة أمام ضغط كبير بقبول ما قد يعرض وربما بالتنازل عن كل حقوقها مقابل تنازل الكفيل عن كفالته لها.