يشكل صدور كتاب[1] طلال الحسيني حول الزواج المدني لحظة مهمة في تشكل وعي قانوني جديد في لبنان. فأهمية الكتاب المذكور لا تنحصر في النتائج الجريئة التي خلص إليها بل هي تكمن أيضاً في المنهجية المبتكرة التي اتبعها المؤلف من أجل التدليل على صحة دعواه في جواز عقد الزواج المدني وفقاً للنصوص القانونية المعمول بها اليوم.

ولا شك بأن فرادة الكتاب تكمن في الطريقة التي تمكن خلالها المؤلف من تخطي الدراسات القانونية التقليدية السائدة في لبنان، والتي يهيمن عليها تيار المدرسة الوضعية  (positivisme)،حيث ينحصر البحث بتحليل النصوص القانونية والاعتماد على اجتهادات المحاكم وكتب الفقه. ويشير الحسيني صراحة إلى هذا الواقع فيقول إن العقلية الطائفية الراسخة في المجتمع اللبناني "استلزمت معالجتها (أي الحق بالزواج المدني) الكثير من التفصيل والاستعانة بمعارف لغوية ومنطقية وتاريخية"[2]. ويظهر هذا الأمر بالكم الكبير من الشواهد التي اقتبسها المؤلف من مفكرين إما لا علاقة لهم مباشرة بالحقوق كالقديس أوغسطين والقديس توما الأكويني والفيلسوف برتراند رسل، أو بقانونيين اهتموا بالنظرية القانونية وابستيمولوجيا القانون كالنمساوي هانس كلسن والألماني كارل شميت. فتخطي العقلية الطائفية لا يمكن أن يتم إذا اقتصر الباحث على الطريقة التقليدية المتبعة لدراسة القوانين، بل الأمر يتطلب مقاربة جديدة تسمح بكنه روح النص واختراق الغشاوة الكثيفة التي فرضها النظام السياسي اللبناني بغية الإبقاء على التأويل المحافظ للقانون. وهذا ما سنحاول تبيانه قدر الإمكان خلال مراجعة الكتاب.

عرض القضية
يتمحور الكتاب حول دراسة وتحليل الفقرة الثانية من المادة العاشرة من القرار 60 ل.ر. الصادر بتاريخ 13 آذار 1936 عن المفوض السامي الفرنسي والتي تنص على التالي: "يخصع السوريون واللبنانيون المنتمون إلى طائفة تابع للحق العادي وكذلك السوريون واللبنانيون الذين لا ينتمون لطائفة ما للقانون المدني في الأمور المتعلقة بالأحوال الشخصية".

والملاحظة التي تفرض نفسها هنا هي أن هذا النص يخضع شريحة معينة من اللبنانيين إلى قانون مدني ما بخلاف سائر اللبنانيين الذين يخضعون في أحوالهم الشخصية إلى القوانين التي ترعى شؤون طوائفهم. والسؤال البديهي هو: هل لهذا القانون المدني المشار إليه في النص من وجود ما؟ وفي حال الإيجاب ما هو هذا القانون وكيف يمكن تحديده؟ وفي النهاية، ما هي الجهات المدنية المخولة المشاركة في تنظيم عقد الزواج هذا؟

برهان منطقي
يعمد الكاتب، دون أن يشير الى ذلك صراحة، إلى استخدام قياس يُعرف في علم المنطق بقياس الخلف (بضم الخاء وأجاز الغزالي فتحها) كي يبرهن على ضرورة وجود قانون مدني في لبنان يرعى شؤون تلك الفئة من المواطنين التي لا تنتمي إلى إحدى الطوائف الوارد ذكرها في ملحق القرار 60 ل.ر. وقياس الخلف هو "أن تأخذ مذهب الخصم وتجعله مقدمة. وتضيف إليه مقدمة أخرى ظاهرة الصدق، فينتج من القياس نتيجة ظاهرة الكذب، فتبين أن ذلك لوجود كاذبة في المقدمات"[3]. ومثال ذلك قولنا:

·  الإنسان خالد لا يموت (مقدمة صغرى)

·  أرسطو إنسان (مقدمة كبرى)

·  أرسطو خالد لا يموت (نتيجة)

ومن البين أن نتيجة القياس كاذبة. وبما أن المقدمة الكبرى ظاهرة الصدق نستنتج حكماً أن المقدمة الصغرى كاذبة بحيث يكون نقيضها هو الصحيح، أي أن الإنسان ليس بخالد وهو سيموت حتماً.

والقياس نفسه يمكن أن يصلح أيضاً لمعالجة موضوع وجود القانون المدني على الشكل التالي:

·  لا وجود لقانون في لبنان ينظم الزواج المدني (مقدمة صغرى)

·  الأفراد الذين لا ينتمون إلى طائفة ما يعقدون زواجهم حسب القانون المدني القائم (مقدمة كبرى)

·  الأفراد الذين لا ينتمون إلى طائفة ما لا يمكنهم الزواج في لبنان (نتيجة)

والنتيجة كاذبة لا محالة لأنها تحرم فئة معينة من المواطنين من حق أساسي يكرّسه الدستور والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ما يوجب "تأديته حالاً". ولما كان وجود أفراد لا ينتمون إلى طائفة إدارياً هو أمر ثابت وأكيد ويظهر بوضوح في سجلات وقيود الأحوال الشخصية، نستطيع أن نستنتج أن المقدمة الصغرى كاذبة بينما نقيضتها هي الصادقة أي "في لبنان قانون ما ينظم الزواج المدني".

ويتابع الكاتب شارحاً أن الدولة اللبنانية لا يمكنها بأي شكل من الأشكال التنكر لهذا الحق بحجة إمكانية السفر للخارج والزواج حسب القانون المدني المعمول به في هذه الدولة أو تلك، كون ذلك "يعادل الحكم على صاحبي الحق بالنفي غير المشروع"[4]. وكذلك الأمر لا يمكن طلب تأجيل الزواج ريثما يصدر قانون مدني لبناني أو حتى الانتماء إلى أي طائفة معترف بها بغية عقد الزواج وفق أحوالها الشخصية كون الحل الأول غير واقعي لأنه يرهن حق الزواج بوعد مستقبلي غير مضمون النتائج أصلاً، أما الحل الثاني فهو يخالف حرية المعتقد المصانة في الدستور.

بحث تاريخي
بعدما بيّن طلال الحسيني الضرورة المنطقية لوجود آلية قانونية ما تسمح بعقد الزواج المدني على الأراضي اللبنانية، يحاول الآن شرح السياق التاريخي الذي دفع بسلطات الانتداب لإصدار القرار موضوع البحث. ففهم الطبيعة القانونية للقرار والغاية منه هما في حقيقة الأمر شرطان جوهريان ليس فقط لتحديد مفاعيله على أرض الواقع بل أيضاً لتوضيح العلاقة القائمة بين الأفراد والطوائف.

يبدأ الكتاب بمحاولة تحديد الوضع القانوني للأراضي الواقعة تحت الانتداب. وبعد تعريفه للانتداب كنظام دولي تتولى فيه دولة "متمدنة" حكم مناطق غير "متمدنة" بغية البلوغ بها إلى حالة من التمدن، يطرح الكاتب السؤال الذي يشكل جوهر القضية: ما هي الجهة التي تتمتع بالسيادة في نظام الانتداب؟ هل هي سلطة الانتداب أو البلد موضع الانتداب؟ فتحديد صاحب السيادة يسمح لنا أولاً بفهم الصفة التي سمحت للمفوض السامي بإصدار القرار 60 ل.ر. وثانياً بتحديد الطبيعة القانونية للقرار المذكور.

يلاحظ الحسيني أن هذا القرار أصدره المفوض السامي بحيث يشمل جميع الدول الواقعة تحت الانتداب الفرنسي، وهو في أي حال "غير محدود بمبدأ السيادة للدولة اللبنانية، حيث لا سيادة بل لا وجود تاماً لهذه الدولة في ذلك الوقت"[5]. فنظام الانتداب يجعل من الدولة المنتدبة ممثلة بالمفوض السامي صاحبة السيادة الحقيقية على كل الأراضي الخاضعة لها بموجب صك الانتداب. نستنتج بالتالي أن القرار 60 ل.ر. صادر عن جهة مخولة بإصدار تشريعات ملزمة لها القوة الضرورية لإنتاج مفاعيل قانونية أكيدة.

وبعد عرضه لمضمون القرار بإسهاب والتعديلات التي لحقته بموجب القرار رقم 146 ل.ر. الصادر سنة 1938، يعرض الكاتب الهدف الذي توّخته السلطة المنتدبة من خلال إصدارها له. وتحقيقاً لهذه الغاية ينشر الكاتب وثيقة فرنسية مهمة جداً وهي عبارة عن مذكرة تحضيرية وضعها المفتش العام للأوقاف سنة 1934 بناءً على توجيهات المفوض السامي، إذ يتبين منها بوضوح أن هدف القرار هو تنظيم شؤون الطوائف دون المس بحرية الأفراد مع التأكيد على هوية الدولة المدنية وسيادة السلطة المدنية على الطوائف[6]، وذلك وفقاً لروحية المبادئ التي تقوم عليها الجمهورية الفرنسية. فالقانون المدني في الأحوال الشخصية هو إذاً القانون العادي بينما الأنظمة الطائفية هي قوانين استثنائية يشترط لتطبيقها احترامها للنظام العام والآداب الحميدة ودستور الدولة وقوانين سائر الطوائف الأساسية. 

والأمر يصبح أكثر وضوحاً مع المادة 11 من القرار التي تنص صراحة على أن "كل من أدرك سن الرشد وكان متمتعاً بقواه العقلية يمكنه أن يترك أو أن يعتنق طائفة ذات نظام شخصي معترف بها...". فحقوق الطوائف لا تلغي حقوق الأفراد الذين يتمتعون بحرية تامة في علاقتهم مع تلك الطوائف. وانسجاماً مع هذه الحقيقة يخصص الكاتب فقرة للرد على المفكر إدمون رباط الذي اعتبر أن فئة اللبنانيين الذين لا ينتمون إلى طائفة "يمثل خيالاً لا علاقة له ولا إمكان علاقة له بالواقع الملموس" رغم سجلات النفوس التي تشير صراحة إلى وجود آلاف من هؤلاء في لبنان. 

وفي سياق نقده لإدمون رباط، يثير طلال الحسيني مسألة مهمة جداً تتعلق بالتفريق الذي أوجده القرار 60 ل. ر. بين الطوائف ذات النظام الشخصي والطوائف التابعة للقانون العادي. فقد أشار رباط الى أن طوائف الحق العادي هي "بدعة أنشأها الانتداب" الأمر الذي يستغربه الكاتب مذكراً بواقع الطائفة البروتستانتية التي لم تكن في عداد الطوائف التاريخية المحددة في ملحق القرار وهي لم تحصل على الاعتراف إلا سنة 1938، والأمر ذاته بالنسبة للطائفة القبطية التي لم تحصل على الاعتراف إلا سنة 1996. ومن مراجعة أحكام القرار 60 ل. ر. يلفت الكاتب الانتباه الى نقطة بالغة الحساسية غالباً ما يتم إغفالها عمداً أو سهواً هي عدم اشتراط هذا القرار الاعتراف[7] بطائفة الحق العادي بغية وجودها. فالاعتراف يمنحها بعض الامتيازات كأهلية الحصول على "العقارات والأملاك اللازمة للقيام بشعائرها الدينية أو إيواء خدمتها". لكن عقود الزواج التي تنظمها طائفة الحق العادي غير المعترف بها تظل صحيحة شريطة احترامها لبعض القواعد التي يحددها القرار وهي خاضعة في مطلق الأحوال للقانون المدني.

وفي سياق بحثه التاريخي ورده على رباط، يثير طلال الحسيني مسألة حرية المعتقد مؤكداً أن حد الردة (أي عقوبة القتل التي تلحق بمن يترك الإسلام) أُسقط سنة 1856 بأمر من السلطان العثماني. وهدف الكاتب هو التأكيد على أن تعليق العمل بالقرار بالنسبة للمسلمين سنة 1939 ليس من شأنه التأثير على حرية المسلم بترك دينه لأن إلغاء حد الردة قد تم قبل ذلك بكثير. ولا شك بأن هذا الموضوع شائك ويحتاج إلى مزيد من التمحيص كون إلغاء عقوبة قتل المرتد هو أكبر من مجرد قرار إداري تتخذه السلطة السياسية في دولة ما. فالسلطة السياسية المتمثلة ليس فقط بالسلطان العثماني بل حتى في الخليفة نفسه لا تملك حسب التصور السني السلطة التشريعية التي تخولها تعديل أحكام الشريعة[8]. فالمشرّع هو الله وحده ودور علماء الدين ينحصر باستنباط الأحكام الشرعية من مصادر الحكم المتمثلة بالقرآن والسنة والإجماع والقياس. ومن المعلوم أن التاريخ قد يشهد بخلاف ذلك ويبين في مواضع متعددة كيف تكيّفت النظرية الفقهية مع الواقع، لكن جوهر المشكلة يكمن تحديداً في عدم اعتراف المؤسسة الدينية الرسمية بتاريخية الدين. فالقتل يبقى الحكم الشرعي بالنسبة للإسلام الرسمي حتى لو أسقطت العقوبة من الناحية الإدارية والقانونية في هذه الدولة أو تلك. فهذا الإلغاء قد يفسر كتعليق للعقوبة نظراً لحكم الوقت بينما أصل العقوبة يظل قائماً ويمكن تطبيقه إذا تغيرت الظروف[9].

وفي مطلق الأحوال، ودون الدخول في تشعبات هذا الموضوع التي تخرج عن نطاق هذا البحث، تبقى النقطة الأساسية المتعلقة بمبدأ حرية المعتقد الذي يقوم على وجود الفرد المستقل. وكي تكتمل دائرة البحث يقوم طلال الحسيني بتحليل معنى الانتماء إلى طائفة ما. فالاعتقاد بالمعنى الديني يختلف عن الانتماء بالمعنى الإداري: فقد ينتمي الشخص إدارياً إلى طائفة معينة لكنه في الوقت نفسه يكون غير معتنق لعقائدها أو حتى لا يشعر بالتدين أي بالانتماء إلى جماعة دينية محددة من الناحية الاجتماعية. لذلك كان من حق الفرد البديهي ليس فقط حرية المعتقد والضمير بل أيضاً حرية التصريح أو لا بهذا المعتقد. وقد لجأ الكاتب إلى تحليل منطقي ممتع وعميق لا يمكن الخوض في كل تفاصيله هنا.

أي قانون مدني؟
رأينا أن المادة العاشرة من القرار 60 ل.ر. تخضع الذين لا ينتمون إلى طائفة "للقانون المدني". والسؤال الذي يطرح نفسه هو هل هذا القانون موجود وكيف يمكن تحديده؟

لقد ساعدنا قياس الخلف على إثبات ضرورة وجود قانون مدني من الناحية المنطقية، ويضيف الكاتب أيضاً برهاناً جديداً. فالقرار يخضع فئة معينة من اللبنانيين إلى القانون المدني، ففي حال عدم وجود قانون كهذا تفقد المادة العاشرة المذكورة معناها، إذ تصبح عبثاً كونها تتكلم عن خضوع لشيء غير موجود. ومن المعلوم أن القانون، أي قانون، بما أنه فعل تشريعي فهو يتمتع بقيمة معيارية (normative) وهو بالتالي لا يصف الواقع كون ذلك ليس من شأنه بل هو ينشئ هذا الواقع بإحداثه وضعية ذات نتائج أكيدة. فعلاقة الخضوع التي تنشئها المادة المذكورة تصبح غير ذات معنى إذا لم يكن للقانون المدني من وجود. والذي يؤكد هذا الأمر هو أن المادة العاشرة تتكلم عن "القانون المدني" وكأنه شيء موجود ومعروف ولا تقرن ذلك بضرورة صدور القانون لاحقاً في المستقبل كما هي الحال بالنسبة إلى القوانين الخاصة بالطوائف التاريخية والعادية التي يؤكد القرار صراحة ضرورة تدخل السلطة التشريعية كي تنال الاعتراف المطلوب.

بعد الجزم بوجود القانون المدني، تبقى مسألة تحديد ما هو هذا القانون وما هي أحكامه. وللإجابة عن هذا السؤال يعمد الباحث طلال الحسيني إلى دراسة المادة العاشرة من القرار 60 ل.ر. من الناحية اللغوية، وهو يخصص فقرة مهمة لتحليل "ال" التعريف الواردة في عبارة "القانون المدني" لفهم دلالة النص. ولكي يدرك القارئ عمق البحث المذكور سنحاول أن نشرح ما قاله الكاتب ونضيف بعض التفاصيل كي نعرض لفكرته حسب فهمنا لها.
وفقاً لإبن هشام[10]، اللام تأتي على ثلاثة أوجه:

·  اسم موصول بمعنى الذي وهي لا علاقة لها بموضوعنا.

·  حرف تعريف وتعرف بلام العهدية وهي ثلاثة أقسام: 1) تشير إلى معهود سبق ذكره مثال: "زارني ضيف، أكرمت الضيف" فلام التعريف في كلمة الضيف الثانية هنا تشير إلى الضيف الأول الذي سبق ذكره في السياق. 2) تشير إلى معهود في الذهن مثال: "جاء الملك" فالفكر ينصرف إليه بمجرد نطق الكلمة كون الجميع من المفترض به أن يعلم من هو الملك. 3) تشير للعهد الحضوري وهو ما يكون مصحوبها حاضراً مثال: "ذهبت اليوم" أي اليوم الذي نحن فيه.

·  حرف تعريف أيضاً وتعرف بلام الجنسية وهي ثلاثة أقسام: 1) إما لاستغراق جميع أفراد الجنس مثال: "خلق الإنسان ضعيفاً" فلام التعريف هنا تشمل جميع أفراد جنس الإنسان. ويصح أن يحل محل لام الاستغراقية "كل" فيقال "كل إنسان خلق ضعيفاً". 2) إما لاستغراق خصائص الأفراد مثال: "أنت الرجل" أي الكامل في هذه الصفة بمعنى أن جميع صفات الرجولة اجتمعت فيك. 3) إما لتعريف الماهية مثال: "الإنسان حيوان ناطق" وهي تهدف لبيان الحقيقة وتشبه الحد في علم المنطق.

ولام العهدية تدل على معين فينتج منها معرفة دالة على فرد محدد بينما لام الجنسية لا يراد بها معيّناً بل هي تحيط بمجموع الأفراد دفعة واحدة. يقول سيبويه شارحاً ذلك: "وأما الألف واللام فنحو الرجل والفرس والبعير وما أشبه ذلك. وإنما صار معرفة لأنك أردت بالألف واللام الشيء بعينه دون سائر أمته، لأنك إذا قلت: مررت برجلٍ، فإنك إنما زعمت أنك إنما مررت بواحدٍ ممن يقع عليه هذا الاسم، لا تريد رجلاً بعينه يعرفه المخاطَب.وإذا أدخلت الألف واللام فإنما تذكّره رجلاً قد عرفه، فتقول الرجل الذي من أمر هكذا وكذا؛ ليتوهم الذي كان عهدهما تذكّر من أمره"[11].
 
فالمادة العاشرة لا تتكلم عن قانون مدني ما غير معروف بصيغة النكرة. ولام التعريف في المادة المذكورة قد يبدو أنها تشير إلى جنس القوانين المدنية أي ليس لقانون محدد بل لفئة معينة (القانون الفرنسي، القبرصي، السويسري...) لكن شرط لام الاستغراقية التي يمكن استبدالها بكل لا ينطبق عليها، إذ لا يصح القول بالخضوع لكل قانون مدني. والأمر نفسه بالنسبة لباقي أقسام لام الجنسية كون القانون المدني هنا لا يشير إلى الكامل في هذه الصفة ولا إلى ماهية غير محددة. لذلك يبقى أمامنا لام العهدية أي أن المادة تشير إلى قانون معين يعرفه المخاطب إن كان مستمعاً أو قارئاً فور النطق باسمه كونه معهوداً في الذهن. فالقانون الوحيد الذي كان يقصده المفوض السامي سنة 1936 هو القانون المدني الفرنسي الذي يعرفه الجميع. فلا مانع من هذا التأكيد كما يؤكد الكاتب.
 
وعلى الرغم من أن طلال الحسيني يقول ذلك لكنه يشير في نهاية الكتاب الى أن لام التعريف قد تشير إما إلى قانون مدني معين أو إلى جنسه أو ماهيته لكي يخلص الى أن "الاحتمال الأخير هو الاحتمال المختار" لأنه يسمح بالحفاظ على إرادة المشترع ووحدة القانون اللبناني وكونه لا يتعارض مع أنظمة الأحوال الشخصية للطوائف التاريخية المعترف بها. ويختم الكاتب بحثه بالتأكيد أن المرجع المدني الصالح لعقد الزواج وفقاً للنصوص القانونية المعمول بها حالياً هما المختار ومأمور النفوس ثم كاتب العدل عند الضرورة[12].
 
خاتمة
من خلال هذه المراجعة لكتاب "الزواج المدني"، يظهر لنا جلياً عمق البحث واستناده إلى أطر فكرية غير مألوفة في الدراسات القانونية في لبنان. ومن الواضح أن الكاتب ترك أموراً لم يتطرق لها في سياق بحثه وأراد فقط التركيز على قضية الزواج المدني وفقاً للقوانين اللبنانية المعمول بها. فهو مثلاً لم يعالج الموضوع من الناحية الفلسفية، ولا شك بأن الجانب الفلسفي مهم جداً لكنه غير كاف وحده كون الهدف هو الخروج بنتائج عملية تسمح للذين لا ينتمون إلى طائفة بعقد زواجهم في لبنان. لكن ذلك لا يعني انتفاء البعد الفلسفي عن العمل نظراً للأسس التي يحاول الكاتب البرهنة من خلالها على ضرورة وجود الزواج المدني. ومن أهم تلك الأسس دراسته لموضوع السيادة من خلال تأكيده على هوية الدولة المدنية وبرهنته على أن أنظمة الأحوال الشخصية هي الاستثناء. صحيح أن هذا الاستثناء تضخم مع الوقت لدرجة نسي معها الفرد بأنه مواطن قبل أن يكون منتمياً إلى طائفة ما، لكن التذكير بهذا المبدأ يعيد السيادة إلى مفهومها التقليدي. فالسلطة السيدة في لبنان تتجسد في اللبنانيين كأفراد يسبق وجودهم الدولة وليس في اللبنانيين كجماعات دينية تسبق فيها الطائفة الفرد. لذلك كان كتاب الباحث طلال الحسيني في حقيقة الأمر دعوة لإعادة إنتاج خطاب الشرعية من خلال التأكيد على أن ميثاق العيش المشترك هو أولاً بين أفراد أحرار وليس فقط تسوية بين طوائف تختزل الإنسان في هويته الدينية.
 
*مؤلف وكاتب وباحث في الفلسفة السياسية والقانون الدستوري.

نشر في العدد العشرين من مجلة المفكرة القانونية


[1]طلال الحسيني، الزواج المدني، الحق والعقد على الأراضي اللبنانية، دار الساقي، بيروت، 2013.
[2]المرجع السابق، ص. 9.
[3]الغزالي، معيار العلم في المنطق، دار الكتب العلمية، بيروت، 1990، ص. 147.
[4]طلال الحسيني، الزواج المدني، ص. 21-22.
[5]المرجع السابق، ص. 32.
[6]وقد رفضت الطوائف الاسلامية القرار 60 ل. ر. بعد موجة من الاحتجاجات الدينية والاجتماعية ما دفع المفوض السامي إلى تعليق تطبيقه على كل المسلمين بموجب القرار 53 ل.ر. الصادر سنة 1939 هذا علما أن الكاتب لم يتوسع في شرح تداعيات هذا الموضوع.
[7]الاعتراف يكون بصك تشريعي أي بقانون وليس بمجرد قرار إداري كما ذهب اليه الدكتور ادمون رباط.
[8]وقد كان ابن المقفع قد أدرك خطورة ترك التشريع بيد الفقهاء فطالب بحصرها بالسلطة السياسية المتمثلة بالخليفة المنصور آنذاك: راجع رسالة الصحابة لابن المقفع.
[9]راجع حاشية رد المحتار لابن عابدين، الجزء الرابع، كتاب الجهاد، باب المرتد :"واعلم أن كل مسلم ارتد فإنه يقتل إن لم يتب...".
[10]ابن هشام الأنصاري، مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، المكتبة العصرية، صيدا-بيروت، 1991، ص. 60-62.
[11]سيبويه، الكتاب، الجزء الثاني، مكتبة الخانجي، القاهرة، ص. 5.
[12]وقد نشر الكاتب في نهاية الكتاب كملاحق جميع الوثائق المتعلقة بقضية الزواج المدني من وثيقة الزواج بين خلود سكرية ونضال درويش إلى الاستشارات الصادرة عن هيئة التشريع والاستشارات والهيئة الاستشارية العليا.