في 3-10-2014، صدر التقرير السنوي للجنة مناهضة التعذيب في الأمم المتحدة. ويهدف التقرير الى تحديد مدى تنفيذ اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة او العقوبة القاسيةأو اللاإنسانية أو المهينة. وقد شمل التقرير بلدانا عدة من ضمنها لبنان. وقد أتى نتيجة لتحقيقات سرية أجرتها اللجنة منذ شهر أيار 2012 لغاية شهر نيسان 2013 عقدت خلالها لقاءات عدة جمعتها بمسؤولين رسميين بالإضافة الى ممثلين عن جمعيات المجتمع المدني وبعض المحتجزين وبعض ممن تعرضوا للتعذيب على ايدي الأجهزة الأمنية اللبنانية. وقد أعربت السلطات اللبنانية عن "ذهولها لاستنتاجات اللجنة" وأكدت رفضها لما وصفته اللجنة على ان التعذيب ممارسة ممنهجة. تنشر المفكرة حلقات حول هذا التقرير، وقد سبق هذه الحلقة المخصصة لأنواع التعذيب، حلقتان:الأولى اتصلت بمدى تعاون الدولة مع اللجنة، والثانيةاتصلت بالجهات المتهمة بممارسة التعذيب. 
 
تطرقت اللجنة في تحقيقاتها وتقريرها الى أساليب التعذيب التي تلجأ اليها مختلف الأجهزة الأمنية في لبنان. وتبينت اللجنة ان أساليب التعذيب "تتراوح بين الضرب وأساليب التعذيب الأكثر شدة وتعقيدا مثل "البالانكو" (تعليق المحتجز من معصميه المربوطين خلف ظهره)، والفروج (التعليق من الارجل مع ربط اليدين بقضيب حديدي تحت الركبتين)" وان هذين الاسلوبين هما الأكثر شيوعاً في لبنان. وأشارت اللجنة الى قلقها من اللجوء الى "الحبس الانفرادي في المراكز التابعة لقوى الامن الداخلي ومخابرات الجيش". كما أشارت الى  وجوب الامتناع عن عصب العينين والرأس خلال التحقيقات، مما يشير أيضا الى عدم تردد الأجهزة الأمنية من اللجوء الى هذا الأسلوب،وهذا ما كنا أثبتناه في مقابلة مع المفكرة: "ست ساعات عند المخابرات اللبنانية للكشف عن جريمة: "هل تفضل النساء أم الرجال؟"). وكان لافتاً إشارة اللجنة الى افتراض الكثير من المحتجزين أن العنف اللفظي والبدني مسألة عادية لا بل "إجراء عادي في التعامل مع(هم)". كما اشارت اللجنة الى شعورها بوجود "خوف عام (لدى المحتجزين) من التعرض للتعذيب أو سوء المعاملة في جميع اماكن الاحتجاز التي زارتها، مما يؤدي الى إجهاد نفسي دائم للمحتجزين".
 
ركزت اللجنة اهتمامها على وضع السجناء الذين تم توقيفهم اثناء مواجهات مخيم نهر البارد في العام 2007، والذي ادعى عدد كبير منهم تعرضهم لتعذيب شديد ومبرح على أيدي محققي قوى الامن الداخلي او الجيش، علما أن بعضهم ادعى انه لا يزال يعاني "الماً مرتبطاً" بنوع التعذيب الذي خضع له.
 
غرف التحقيق في مراكز الأجهزة الأمنية: كراسي مثبتة في الأرض وصناديق لتوصيل الكهرباء
تصف اللجنة ما شاهدته خلال زيارتها للطابق السابع في مركز فرع المعلومات (الواقع في المديرية العامة لقوى الامن الداخلي). الوصف وحده كفيل بإعطاء فكرة او تصور عن شدة التعذيب الذي يلجأ اليه محققو الفرع. تقول اللجنة انها شاهدت خمس غرف مخصصة للتحقيقات، داخل كل واحدة منها "كرسي تحقيق مثبت بالأرض وحلقات على الأرض الى جانبه، وصناديق لتوصيل الكهرباء مثبتة بالأرض، وعدة حفر صغيرة في الأرض والسقف، بين أشياء أخرى". يشير التقرير الى ان ما شاهدته اللجنة مطابق للوصف الذي ورد في إفادات الأشخاص الذين قابلتهم والذين تعرضوا للتعذيب على أيدي عناصر فرع المعلومات.

كما وجدت اللجنة في غرفة التخزين، أيضا في مركز فرع المعلومات، "كرسيا حديدياً منخفضاً جداً وله مسند للرأس بشكل الحرف C". واللافت كان في إدلاء موظفي قوى الامن الداخلي الذين أفادوا ان الكرسي هذا يستخدم لالتقاط صور للمحتجزين، غير أن اللجنة اشارت الى تطابق مواصفات الكرسي مع "الوصف الذي قدمه أحد الضحايا المزعومين الى البعثة، وكذلك المعلومات التي قدمتها منظمة الكرامة في بلاغها الأول عن كرسي معدني يستخدم لشد العمود الفقري ويتسبب بضغط كبير على رقبة الضحية وساقيه".

هذا وتبين للجنة خلال زيارتها لسجن مديرية المخابرات العسكرية في مقر وزارة الدفاع في اليرزة وجود "بطاريات سيارات على الأرض في غرفة التسجيل الملاصقة لغرفة الاستجواب في القبو المؤلف من طابقين". كما وجدت "كرسيا متحركا مطويا وموضوعا على طرف أحد الممرات ويستخدم هذا الكرسي بحسب التفسيرات التي قدمها العسكريون المناوبون "لنقل الأشخاص ذوي الإعاقة" (ويمكن للمرء ان يستنتج ان الكرسي يستخدم لنقل المحتجز الذي أنهي التحقيق بعد شدة التعذيب الذي يكون قد تعرض له). وأشارت اللجنة الى أنها وجدت "مقعدين طويلين منخفضين وقضيبا خشبيا مكسورا لكن لم يستطع أحد توضيح طبيعة استخدام هذه الأدوات".

تشير اللجنة الى انه اثناء زيارتها مركز فرع المعلومات، صودف احتجاز شخصين في الزنزانات، "أحدهما تعرض لسوء معاملة أثناء عملية التوقيف وأخذ الى المستشفى لمعالجة اصابته". وتتوقف اللجنة الى أمر بالغ الأهمية، يكمن في اكتشافها (خاصة في ظل تواجد طبيب شرعي بين أعضاء اللجنة)، ان السجل الطبي التابع لمحتجزي فرع المعلومات "لم يكن حقيقياً، ما جعلهم يعتقدون (أعضاء البعثة) أنه أعد خصيصا لهذه الزيارة". ووصلت اللجنة الى الاستنتاج عينه فيما يتعلق بالسجل الطبي التابع لسجن المخابرات العسكرية، حيث اعتبرت ان "مسك السجل غير سليم وأن طبيب السجن غير مطلع على بروتوكول إسطنبول".
 
الفحوصات الشرجية: تعذيب يمارس كذلك فحوصات العذرية
أشارت اللجنة في تقريرها الى معلومات تلقتها تشير الى "اللجوء لفحوص الشرج القسرية للرجال الموقوفين بتهم ممارسة "مجامعة مخالفة للطبيعة". وأوصت اللجنة بوجوب حظر هذه الفحوصات ضماناً "الاحترام الكامل لكرامة الانسان". وفي هذا الإطار أوصت اللجنة بوجوب حظر "فحوصات البكارة للنساء"، علما أن الإشارة الوحيدة الى ما تتعرض له النساء من تعذيب، اتى عند ذكرها زيارتها لسجن بعبدا للنساء. وكان مصدرها الموظفون الطبيون في السجن "أشار الموظفون الطبيون (...) الى ان الفحوصات البدنية أجريت في مناسبات عدة في تلك المؤسسة كشفت علامات تعذيب واضحة، بما فيها العنف الجنسي. وأبلغت البعثة بأن الفحص البدني في إحدى الحالات اظهر وجود جروح سطحية على الجلد يمكن أن تكون ناتجة عن تعريض قدمي السجينة للتيار الكهربائي". (يراجع في هذا الصدد "فحوصات العار" تستمر في "جمهورية العار": حين يصبح القانون والطب مجرد أدوات للإذلال والتخويف"وتقرير منظمة هيومن رايتس وتش "جزء من عملنا، إساءة معاملة وتعذيب الفئات المستضعفة في مخافر الشرطة اللبنانية")
 
ظروف الاحتجاز: تصل الى حد التعذيب
اعتبرت اللجنة أن ظروف الاحتجاز التي عاينتها في مختلف أمكنة الاحتجاز التي زارتها، "تثير قلقاً بالغاً ويمكن وصفها بانها أوضاع قاسية ولا إنسانية ومهينة، لا بل يمكن اعتبارها بمثابة اعمال تعذيب في بعض الحالات". وشددت اللجنة الى ان ظروف الاحتجاز في نظارة الامن العام أسوأ بكثير من بقية السجون (لافتة الى ان "المحتجزين في هذا المركز لم يرتكبوا أي فعل إجرامي بل مجرد مخالفات للوائح إدارية"). وفيما اشتركت نظارة الامن العام مع باقي السجون واماكن التوقيف في لبنان لجهة قلة النظافة والاكتظاظ، وعدم كفاية الخدمات الطبية والرعاية الصحية المناسبة، تميزت عنها ب"رداءة الصرف الصحي في الزنزانات التي تغزوها الحشرات". علاوة على ذلك يضطر المحتجزون بالبقاء في زنازينهم المكتظة على مدار الساعة (بسبب غياب أي مكان مخصص للتنزه كون النظارة هي موقف سيارات مؤلف من أكثر من طابق تحت الأرض تم تحويله الى مكان احتجاز بعد تشييده) "دون تهوية مناسبة أو ضوء طبيعي". كما وصفت ظروف الاحتجاز في كل من مخفر حبيش ونظارة قصر عدل بيروت بالمريعة".