في أيلول 2014، تقدم عدد من الشخصيات السياسية[1] بمراجعتين إلى مجلس شورى الدولة، مطالبين اياه بتشكيل هيئة قضائية للإشراف على إدارة المال العام وفرض الضرائب والاستدانة، وتاليا بفرض ما يشبه الحراسة القضائية على الدولة[2]. وقد استندت هاتان المراجعتان على تقاعس السلطات الحاكمة عن القيام بواجب دستوري وطني منذ قرابة عشر سنوات وهو اقرار موازنات عامة سنوية، وعلى استمرار هذه السلطات بالعمل بقانون موازنة يعود لسنة 2005، مع اضافات هائلة يتخذونها بقوانين وقرارات منفصلة. وتوضح المراجعتان أن صلاحية هذا القانون قد انتهت دستوريا منذ 1-2-2006 وأن كل عمليات الجباية والانفاق والاستدانة الجارية منذ ذلك الحين والتي بلغت قيمتها مليارات الدولارات هي غير شرعية. ومن هذه المنطلقات، طلب المستدعون من القضاء، الذي وصفوه بالملاذ الوحيد والأخير، التدخل لوضع حد لهذا الواقع الشاذ والمتمادي بما له من انعكاسات على وظائف الدولة الحيوية والنظام السياسي ككل. وقد غمز هؤلاء أن من شأن استمرار التسيب في المال العام أن يؤدي الى ترسيخ نظام الزعماء على حساب ما تبقى من المواطنة ومن نظام ديمقراطي. وتبعا لذلك، طالبوا القضاء باتخاذ قرار انقاذي يعيد ترسيخ مفهوم الدولة الدستورية (الجمهورية) ومقتضياته، في مواجهة وضع يؤدي عمليا الى حصر الحياة العامة في أيادي حفنة من الأشخاص.        
ومهما تكن نتائج هاتين المراجعتين، فان تقديمهما من قبل سياسيين في هذا التوقيت يبقى بالغ الأهمية. فهو يضيئ مجددا على أهمية القضاء كمنبر لابراز القضايا الاجتماعية بما فيها القضايا ذات الأبعاد السياسية. والى ذلك، هو يشكل دعوة الى الرأي العام والى القضاء لتعميق التفكير بما يُنتظر أو يُتوقّع من الوظيفة القضائية في الظروف الاجتماعية والسياسية الحاضرة.    
 
 
 
القضاء كمنبر
السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: ما الذي دفع شخصيات سياسية الى طرح مسألة حيوية مزمنة كهذه من خلال القضاء؟ لماذا آثرت هذه الشخصيات اللجوء الى القضاء الذي قلما خبرته على مجمل وسائلهم السياسية والاعلامية التي دأبت على استخدامها طوال عقود، فوصفته بالملاذ الأخير قبل اللجوء الى أي من هذه الوسائل؟ ففيما شهد التقاضي الهادف الى وقف ممارسة معينة أو تكريس حق معين (أو ما بات يسمى بالتقاضي الاستراتيجي) تقدما في السنوات الأخيرة في لبنان، فهو بقي حتى الآن محصورا في فئات اجتماعية تعاني من غبن أو تهميش اجتماعيين. وكان ذوو المفقودين قد نجحوا في 4-3-2014 في انتزاع قرار من مجلس شورى الدولة بتكريس حقهم بمعرفة مصائر المفقودين كحق طبيعي لا يقبل أي استثناء أو انتقاص[3]. أما أن تلجأ شخصيات سياسية اليوم الى أشكال مشابهة من التقاضي، فذلك أمر يسترعي انتباها مضاعفا لما له من مؤشرات على ضيق المساحة السياسية أو عقمها. ومن شأن ذلك أن يزيد من الطابع الملح للاسئلة المطروحة في هذا المكان. وهذا ما سأحاول مناقشته هنا من خلال تقديم عدد من الاجابات الممكنة:

الاجابة الأولى: أن موضوع النزاع يفرض على مقدمي المراجعة اللجوء الى القضاء كمرجع طبيعي. فمن البدهي أمام حجم المخالفة أن يصرّ هؤلاء على أن يصوروا خلافهم مع السلطة الحاكمة، على أنه قبل كل شيء خلاف دستوري قانوني،وأن المواجهة التي هم بصددها ليست بحال من الأحوال منازلة سياسية، انما هي بالدرجة الأولى ممانعة يقوم بها مسؤولون حريصون على حقوق الدولة والمواطنين ضد سلطة متهمة بالفساد والاعتداء على أسس الدولة ومقوماتها بشكل منهجي، وعلى نحو لم يعد من الممكن معه الاستمرار في أعمال المجاملة والمناقشة أو الانتظار. ولتبيان ذلك، حرصت المراجعة على وضع القرار المطعون فيه في اطار أوسع. فهو ليس قرارا منعزلا مخالفا للقوانين والدستور وحسب، بل "هو نتيجة حتمية لسلسلة من القرارات والمراسيم غير القانونية، (التي) ما كان من الممكن ولا من المبرر صدوره دونها، والتي شكلت، بمجملها، عملا منهجيا يترجم قرارا ثابتا وأكيدا، وإن ضمنيا ومغلفا بحجج باطلة، يسعى لتعطيل الأسس الدستورية والقانونية لإدارة المال العام" في اتجاه "تقويض الانتظام العام واستباحة الأموال العامة" (العبارات بين قوسين مأخوذة حرفيا من المراجعة). لا بل ذهب مقدمو المراجعة الى القول بأن تعطيل الموازنة لعقد من الزمن يشكل احدى الآليات الأساسية التي يقوم عليها النظام الحالي واحدى النتائج التي يؤول اليها. ف"هذه الآلية تفترض حكماً عدم وجود أي قيد مسبق وأية رقابة لاحقة على استخدام المال العام. الموازنة، بوصفها قيدا مسبقا، والحسابات المدققة للمالية العامة، بوصفها أداة الرقابة اللاحقة، هما بالتحديد ما يجري إلغاؤه".

وتبيانا لذلك، أسهبت المراجعة في تفصيل جميع مواد الدستور والقوانين التي تم خرقها طوال عقد كامل ولا سيما لجهة سنوية الموازنة، مذكرة أن قانون موازنة 2005 (الموازنة الأخيرة) انتهى مفعوله ابتداء من 1-2-2006 وأن كل الأعمال التي استندت وتستند اليه هي باطلة وغير شرعية. كما أسهبت في تعرية التقنيات القانونية المستخدمة للتحايل على القانون وفي فضحها، وفي مقدمها سوء استعمال متماد للقاعدة الاثني عشرية، أي القاعدة التي تسمح للحكومة بتطبيق موازنة السنة المنتهية على السنة اللاحقة في حال تأخر اقرار الموازنة الخاصة بها وبانتظار ذلك. ففيما يسمح الدستور باللجوء الى هذه القاعدة فقط خلال الشهر الأول من السنة اللاحقة (وبما يعنينا اذا شهر كانون الثاني 2006)، فان الحكومات المتعاقبة عمدت الى تطبيقها منذ ذلك الحين حتى تاريخه. فضلا عن ذلك، اسهبت المراجعة في تبيان المخاطر الناتجة عن ذلك، بالأرقام (حجم الانفاق والجباية غير الشرعيين).

وختاما على هذا الصعيد، تجدر الاشارة الى أمرين اضافيين يعززان ما تقدم:

الأول، أن المراجعة تجاهلت تماما التشخيص التقليدي الذي يصف النظام السياسي في لبنان بأنه "نظام طائفي"، واصفة اياه بأنه نظام زعماء. ففيما يحتمل القول بوجود نظام طائفي أن المحاصصة هي محاصصة بين مجموعات اجتماعية تؤلف النسيج الاجتماعي مما يؤدي عمليا الى تعميم المسؤولية وتاليا الى تجهيل الفاعل، فان وصف النظام على أنه نظام زعماء يعيد تظهير المخالفة على أنها عملية سطو على الدولة من بعض هؤلاء.

والثاني، أن المراجعة سعت الى الربط بين مسألة الموازنة وتطور نظام الزعماء. فأتى انعدام الموازنة كدليل على انعدام الدولة. وهذا ما نقرؤه في مطالعة شربل نجاس التي قدمها في نقابة المحامين في 15-10-2014: "ورثنا عن الدولة المنتدبة المستعمرة دستورا برلمانيا منسوخا عن دستورها، أوكل إلى "ممثلي الشعب" مهمة منح السلطة الإجرائية صلاحية الإنفاق والجباية والاستدانة، سنة فسنة، بعد مراقبة حسابات السنوات السابقة والموافقة عليها. تدرّج أداء هذه المهمة تراجعا بموازاة تراجع انتظام الدولة. حتى أيام الحرب، كان لدينا دولة، وإن ضعيفة، وكانت تضع موازنات وحسابات. خلال مرحلة الوصاية السورية، كان لدينا شبه دولة، وكان شبه الدولة يضع شبه موازنات وشبه حسابات. وأما بعد ذهاب الحَكم السوري، فلم يعد لدينا دولة وتفلتت الإقطاعات من عقالها، وساد منطقا الملك والسلب، فلم تعد اللادولة تضع لا موازنات ولا حسابات".

وفي خلاصة سرد كهذا، يدرك القارئ أنه يتعين حكما على مقدمي المراجعة أن يعتمدوا خطاب قطيعة وادانة اثباتا لانسجامهم مع أنفسهم، وهو الخطاب الذي يجد طبعا مكانه الأكثر ملاءمة داخل القضاء.  

الاجابة الثانية: أن القضاء بدا لهم الملاذ المؤسساتي الوحيد في ظل تعطيل مؤسسات الدولة والحراك العام.ويتحصل ذلك بالدرجة الأولى من التشخيص الذي أجراه مقدمو المراجعة للواقع السياسي والاجتماعي وفق ما سبق بيانه. وقد خلص هؤلاء الى نتيجة مفادها أنه تم استبدال "نظام الدولة الدستوري.. بنظام صفقات منفصلة ومتبادلة يجريها عدد محدود من الزعماء مع الحرص على تفصيل آليات النقض المتقابل لكل منهم، ضمن هيئتين قائمتين شكليا هما مجلس نواب ومجلس وزاراء، وذلك بحجج مختلفة من نصاب وجدول أعمال وحق توقيع". وهذه الفقرة انما تعني أن الزعماء باتوا يتحكمون بمؤسسات الدولة وأن السلطتين التنفيذية والتشريعية باتتا مجرد أداتين تقرّان شكليا ما يكونون قد اتفقوا عليه، من دون أن يكون لهما أيّ سلطة ذاتية. وبذلك، "يصبح السبيل الوحيد لتمرير أي قرار أو انتخاب أو تعيين هو المساومة على مضامينها وتوسيع المنافع التي توفرها لكل من الزعماء وللزبائن". وبالطبع، شكل تمديد ولاية المجلس النيابي وتهيؤ المجلس لتمديد ثان حجة اضافية في هذا المجال طالما أنه أدى ويؤدي الى ضمان استمرار الطبقة السياسية في مناصبها مع اغلاق أي مجال للاحتكام الى الهيئات الناخبة.  

الاجابة الثالثة: أن المقاضاة على اساس القانون بدت بالنسبة لمقدمي المراجعة السلاح الأكثر فعالية وملاءمة في مواجهة سلطة باتت تتحكم بموارد هائلة.

وهذا ما ينتج عن واقع النظام الذي قاموا بتشخيصه والذي يؤدي حكما الى اعطاء الزعماء قوة هائلة من خلال  الموارد التي يتحكمون بها وقاعدة الزبائن التي نجحوا وينجحون في بنائها بفعل هذه الموارد، فضلا عما تتيحه لهم الكاريسما والعصبية من شعبية. وأمام واقع كهذا، وبقدر ما يجد معارضو النظام صعوبة في تكوين قوة شعبية في مواجهته، بقدر ما يجدون مصلحة أكيدة في نقل المواجهة الى حلبة القضاء، والتي يفترض بها أن تكون حلبة محايدة، وأن تكون فيها المرجعية للقانون والغلبة للحجج القانونية الصائبة وليس لما تفرضه موازين القوى المعنية بهذه المواجهة. فضلا عما تتيحه هذه الحلبة من مضاعفة للاهتمام الاعلامي. وبالطبع، لا ينفي هذا الكلام ان يكون القضاء منحازا أو أداة أخرى من أدوات السلطة، لكن يكون ملزما في أسوأ الحالات أن يصدر قراره في المراجعة وأن يبني قراراته على تعليل قانوني، يسهل في حالات كحالة الدعوى الحاضرة تحليله ونقده. ولكن، بالطبع، يفترض هذا الأمر أن يكون القضاء مختصا. وهذا ما ينقلنا الى الجزء الثاني من هذا البحث والذي سنتناول فيه انعكاسات هذه المرجعة على وظيفة القضاء كصاحب قرار، كسلطة. 
 
القضاء كسلطة:
من يمعن في نصّ المراجعة، سرعان ما يتبين ضخامة القرارات التي يُطلب من القضاء اتخاذها.
فما يطلب من القضاء ليس التصدي لمخالفة بسيطة كما سبق بيانه، انما لممارسات منتظمة ومنهجية معزوة للسطتين التنفيذية والتشريعية وباتت تشكل جزءا من السمات الرئيسة للنظام السياسي الحالي. ومن هذه الوجهة، لا نبالغ اذا قلنا أن القرارات المطلوبة من القضاء تشكل في عمقها مدماكا ومنطلقا لاعادة تأسيس النظام السياسي والاجتماعي مع ما يرشح عنه ذلك من مفاعيل تصادمية مع السلطات السياسية بل ربما انقلابية عليها. وهذا ما عبرت عنه المراجعة من خلال القول بأن ما تطمح اليه يشكل "الملاذ الوحيد المتاح لإعادة تثبيت المبادئ الأساسية لوجود الدولة وانتظامها، ولاستبدال الأشكال الابتزازية للضغط المتبادل التي تمارس حالياً والصيغ الشاذة التي تبتدع حالياً بشكل ضغط مؤسسي وبنّاء". وبالطبع، تبلغ الأمور أوجّها مع مطالبة مجلس شورى الدولة بتعيين هيئة قضائية تشرف على حسابات الدولة. فهذا الطلب يؤول ليس فقط الى وقف المخالفة، انما ايضا الى اخضاع الصلاحيات المالية للمؤسسات الحاكمة لسلطة القضاء، مع ما يستتبع ذلك حكما من تهويل ازاء حكم القضاة أو انشغالهم في السياسة. وقد حرص مقدمو المراجعة على التخفيف من ذلك من خلال وصف القرار المطالب به بتعيين مفوضي رقابة بأنه قرار مؤقت بطبيعته وتحفيزي. فالقصد الأساسي من المراجعة ليس احلال القضاء محل متولي المسؤوليات العامة انما دفع هؤلاء للقيام بالإجراءات الكفيلة بعودة تطبيق هذه النصوص، بحيث ينتهي مفعول القرار المطالب به فور حصول ذلك.   

ومن جهة أخرى، تزداد المراجعة ثقلا من منطلق أن مقدميها طالبوا بتطبيق الأصول الموجزة خارج الحالات التي يسمح بها القانون. وقد برر هؤلاء ذلك باستحالة التطبيق الحرفي والفوري لأي من النصوص القانونية الإجرائية القائمة لوضع الصيغة الضرورية ضمانا لاستمرار الوظائف الحيوية للدولة وصيانة المال العام. وقد بدت المراجعة هنا وكأنها تستند الى مبدأ أن "للضرورة أحكامها". فالوضع القائم غير مسبوق، وقد "أطاحت الممارسات الشاذة والمتمادية الآليات المرجعية التي لحظها الدستور والانتظام العام في نصوصه الأساسية"، وليس هنالك هنا أي طريقة لتسوية الوضع من ضمن القوانين في القريب العاجل: "فحتى لو توافرت النية لدى جميع متولي المسؤوليات العامة، في المجلس النيابي وفي مجلس الوزراء، لإعادة قطار المؤسسات الدستورية والإجراءات القانونية الناظمة لإدارة المالية العامة إلى سكّته، وبذلت لهذه الغاية أقصى الجهود، وأقر مشروعا موازنة 2014 و2015 في مجلس الوزراء، وأقرا في مجلس النواب، وتمت المصادقة على قطوع حسابات المالية العامة عن كل السنوات حتى سنة 2013 ضمنا، ونشر قانونا الموازنة، فإن المهلة اللازمة لتنفيذ ذلك أطول بكثير من الآجال التي تفرضها ضرورات تأمين استمرار الجباية والإنفاق على الخدمات الحيوية والأساسية للدولة. ولا بد بالتالي من إجراء يواكب هذا العمل التصحيحي".

وانطلاقا من ذلك، وأمام هذا الواقع غير المسبوق، يتحتم على المجلس (الملاذ الوحيد) اتخاذ قرارات غير اعتيادية وبطرق غير مسبوقة، من شأنها أن تسبغ قرارات الانفاق والجباية والاستدانة بالشرعية (ولو لم تكن موافقة لأحكام الدستور)، بانتظار أن تعاود المؤسسات العمل بهذه الأحكام.
والسؤال الذي يطرح اذ ذاك: ماذا ينتظر حقيقة من مجلس شورى الدولة في قضية كهذه؟ فاذا كان من المعقول نظريا أن يتخذ قرارات شجاعة في مواجهة نظام متصلّت (وهذا ما فعله مثلا في قضية ذوي المفقودين المشار اليها اعلاه)، فهل تشكل ضخامة المخالفة وضرورة وضع حد لها ظروفا كافية لخرق الاجراءات الاعتيادية المعمول بها تمهيدا لاخضاع الصلاحيات المالية للسلطة التنفيذية لرقابة القضاء؟ وألا يخشى أن يتهم القضاء والحالة تلك باتخاذ منحى ثوري انقلابي وبتجاوز القانون والأصول القضائية ومعها مبدأ فصل السلطات؟ ثم، ألا يخشى في السياق نفسه أن تشكل تعقيدات المهمة المناطة بمفوضي الرقابة الذين يتم تعيينهم وربما تجاوزاتهم في حال حصولها عبءا على سمعة القضاء برمته، وربما ضررا قد يتجاوز حجمه الضرر الناتج حاليا عن اجراءات النظام السائد؟ وبالمقابل، في حال رد المراجعة، ألا يخشى أن يتهم القضاء بالتقاعس ازاء خطر هائل على الصالح العام وعلى الدولة برمتها؟ وازاء هذه الأسئلة، ومن دون استباق ما قد تؤول اليه المراجعة، أود ابداء ملاحظتين اثنتين:

أولا، أنه وعلى نقيض الاسهاب الذي تميزت فيه المراجعة عند شرح حجم المخالفة المرتكبة وأبعادها، فانها بقيت في هذا الصدد جدّ مقلة، فاكتفت بتذكير المجلس بمسؤوليته الوطنية وبضرورة تدخله في ظل غياب أي مرجعية صالحة أخرى. وبذلك، بدا أصحاب المراجعة وكأنهم يستصغرون أو يتجاهلون حجم الخطوة التي يطلبون من المجلس اتخاذها وانعكاساتها الفائقة على صعيد الوظيفة القضائية وحدودها، أو كأنهم بأقل تقدير يتركون له مهمة البحث في ذلك بعدما قاموا هم بمهمتهم الأساسية بعرض المشكلة الاجتماعية أمامه في أبعادها كافة. ومن هذه الزاوية، يؤمل أن تشكل هذه المراجعة مناسبة لاطلاق نقاش حقيقي في هذا الشأن تتعدى أهميته اطار القضية موضوع هذا التعليق. فمن المتوقع في ظل استمرار النظام الحالي وضيق المساحة السياسية، أن يصبح التقاضي الاستراتيجي في السنوات القادمة متنفسا أساسيا لأي حركة اصلاحية مواطنية، وهو أمر يستدعي لزوما نقاشا مماثلا. وفي هذا الاطار، ومهما يكن توجه مجلس شورى الدولة بخصوص هذه المراجعة، فانه يبقى مدعوا الى ابداء أفكاره في هذا الشأن في متن قرراه وتبريرا لما يتوصل اليه من قرارات. فتتحول هذه الأفكار الى مادة غنية لاطلاق نقاش عام واسع حولها. وبالطبع، للوظيفة المرتقبة من القضاء نتائج عملية بالغة الأهمية على مواصفات القضاة المراد تعيينهم وعلى المؤهلات العلمية والشخصية التي يقتضي تمتعهم بها، بقدر ما يكون لها نتائج عملية على توجهات الحراكات الاصلاحية الاجتماعية وخياراتها مستقبلا. ولا نبالغ اذا قلنا أن من المحتمل أن يتحول مفهوم الوظيفة القضائية في القريب العاجل الى احدى أهم عناوين المواجهة بين النظام السائد والقوى المجابهة له.

ثانيا، أنه يقتضي بأية حال التمييز في خصوص المراجعة بين أمرين: الأول، تثبيت المخالفة بحدّ ذاتها، والثاني، الاجراءات المطلوب اتخاذها لوقفها. وسبب التمييز هو أن هذين الأمرين لا يطرحان الاشكاليات نفسها على صعيد حدود الوظيفة القضائية.

فالمقصود بالأمر الأول، هو أن يكتفي المجلس بتثبيت حجم المخالفة المتمثلة في تقاعس السلطات الحاكمة عن وضع قانون للموازنة العامة منذ قرابة عقد وعلى أبعادها الخطيرة على المستويين السياسي والاجتماعي من دون أن يتخذ بالضرورة أي من الاجراءات المطالب بها في متن المراجعة. وهذا ما يمكن حصوله مثلا في حال اعتبر المجلس نفسه غير صالح لاتخاذ اجراءات مماثلة، حيث يكون له أن يتثبت في كل حال من المخالفة. وقراره من هذه الزاوية يظهر بمثابة شهادة للحق وبكلام أوضح شهادة ضد التعرض للدولة ولصالح المواطن. وبالطبع، يبقى المجلس في هذه الحالة ضمن صلاحياته القانونية. فموقفه هذا لا يقبل أي اتهام بالمس بصلاحيات أي من السلطتين التشريعية او التنفيذية، أو بالخروج عن الأصول القانونية أو بافتعال انقلاب أو بارساء حكم القضاة، وذلك بخلاف ما قد يؤدي اليه الأمر الثاني أي اتخاذ الاجراءات المطلوبة في متن المراجعة. بل أن أقسى ما يمكن انتقاد المجلس به في هذه الحالة هو خروجه عن "موجب التحفظ" من خلال توجيه انتقادات قاسية للسلطات العامة من خلال قراراته القضائية. لكن، هذا الانتقاد يكون مردودا لثلاثة اعتبارات: الأول، أن من واجب أي موظف عمومي ومن باب أولى أي قاض أن يتثبت من اي مخالفة جزائية تمهيدا لاحالتها الى النيابة العامة المختصة للتحرك ضد الأشخاص المتورطين، وهذا ما يحصل في حال حصول عمليات انفاق أو جباية او استدانة خلافا للقانون؛ الثاني، أن المجلس بقي ملتزما بالقانون وتحت سقفه طالما أن المخالفات التي تثبت منها هي في مجملها مخالفات للدستور وللقانون، والثالث، أن موجب التحفظ في انتقاد السلطات الحاكمة هو موجب نسبي يخضع لمبدأ التناسب والملاءمة، وهو يسقط حكما أمام واجب أكبر هو وجوب كسر الصمت في قضية باتت تشكل مصرعا لما تبقى من الدولة والمواطنة. ولا نخطئ اذا قلنا أن لزوم المجلس الصمت في هذا المجال انما يستتبع حكما تشكيكا حول مدى استقلاليته او على الأقل مدى تحسسه للصالح العام وولائه للمجتمع. ومن الطبيعي أن من شأن تثبيت المجلس لهذه المخالفات أن يضاعف من أهمية النقاش العام الذي أثارته المراجعة المذكورة وأن يحفّز مقدمي المراجعة والمواطنين الى اتخاذ خطوات قضائية أخرى على هذا الصعيد، في حراك تراكمي يؤمل ان يؤدي في منتهى المطاف الى غاياته.             

أما الأمر الثاني (أي مدى اختصاص المجلس في قبول طلب اتخاذ الاجراءات موضوع المراجعة)، فتلك قضية شائكة، قضية تطرح اسئلة كبرى حول الوظيفة القضائية، تتجاوز مؤكدا حدود القضاء اللبناني. قضية شائكة أؤثر ارجاء مناقشتها الى ما بعد اصدار المجلس لقراره. 
 
نشر في العدد الثاني و العشرين من مجلة المفكرة القانونية

للإطلاع على النص مترجما الى اللغة الإنكليزية يمكنك الضغط هنا


[1] المراجعة الأولى تقدم كلا من رئيس المجلس النيابي السابق حسين الحسيني، والوزير السابق الياس سابا والنائب غسان مخيبر، والمراجعة الثانية تقدم بها كلا من الوزير السابق شربل نحاس، والنائب السابق نجاح واكيم والسيدة غادة اليافي. والمراجعتان متطابقتان.
[2] ومن الطلبات الأخرى، إبطال قرار مجلس الوزراء تاريخ 24 تموز 2014 الذي هدف إلى تأمين الاعتمادات المطلوبة للرواتب والأجور وملحقاتها من احتياطي الموازنة العامة على خلفية أن هذا القرار استند الى موازنة انتهى العمل بها.
[3] غيدة فرنجية، شورى الدولة يكرس حقا طبيعيا لذوي المفقودين بالمعرفة، المفكرة القانونية، العدد 15، آذار 2014.