في غضون شهر تشرين الأول 2014، قدم النائب فادي كرم من كتلة القوات اللبنانية شكوى ضد ناشطيْن لم تحدد هويتهما بعد، على خلفية أنهما رفعا شعار "128 حرامي" خلال تظاهرة نظمت في 1-10-2014 ضد التمديد لأعضاء المجلس النيابي. وإذ ادعى النائب كرم أن هذا الفعل يشكل قدحًا وذمًا، فإن موقفه لم يكن لا سبّاقًا ولا منعزلاً، بل هو بات يشكل إحدى سمات العمل البرلماني في 2014. فبتاريخ 11-4-2014، تقدم النائب هاني قبيسي بشكوى مع اتخاذ صفة الادعاء الشخصي أمام النيابة العامة التمييزية بوجه فرنسوا باسيل رئيس جمعية مصارف لبنان، وذلك على خلفية اتهامه للنواب والسياسيين بسرقة المال العام وغيرها من الاتهامات. وقد تم الرجوع عن هذه الشكوى تبعًا للاعتذار المقدم من باسيل.

وبعد هذه الحادثة بنحو شهرين، عبّر رئيس المجلس النيابي نبيه بري أثناء مناقشات الهيئة العامة حول مشروع قانون سلسلة الرتب والرواتب عن غضبه إزاء تصريح لرئيس هيئة التنسيق حنا غريب مفاده أن"المعركة اليوم ليست مع الرأسماليين بل مع الحرامية". ولم يجد حرجا في إيفاد وزير التربية الياس بو صعب ليطلب من غريب الاعتذار عما قاله تحت طائلة توقف الهيئة العامة عن النظر في مشروع القانون. وفي ذلك الوقت ولدت هاشتاغ  #حرامية_ونص المؤيدة لغريب بسرعة البرق عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وأمام هذه الظاهرة، ارتأت المفكرة القانونية مناقشة أسس هذه الشكاوى الترهيبية لئلا يتحول القضاء الى أداة لقمع أي تعرض للنواب، أو لتبييض صفحتهم التي تزداد سوادًا مع كل سنة تمضي من دون موازنة (المحرر). 

ما يوحّد الاتهامات التي اشتكى ضدها نواب أو هددوا بالتشكي ضدها في 2014 هو أنها كلها جاءت بصيغة اتهامات عامة ضد هؤلاء أو الطبقة السياسية عامة، من دون تضمينها اتهامات خاصة بأفعال معينة. ولعل الاتهام الأكثر شيوعاً هو اتهامهم بأنهم "حرامية". وانطلاقاً من ذلك، لا تعكس هذه الشكاوى رغبة بالدفاع عن الذات وعن فعل معين، بل عن الطبقة السياسية وضد أي حكم تقييمي، وتالياً عن النظام السائد برمّته. وتكون تالياً قابليتها للنجاح مؤشراً بليغاً على غلبة القيم الاستبدادية وتفلت الطبقة المذكورة من أي محاسبة شعبية. وهذا ما نقرؤه بوضوح من خلال اعتبارات ثلاثة وضعتها بوضوح كلي المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان ووجد بعضها صدى في أحكام صادرة عن القضاء اللبناني.
 
الاعتبار الأول، على السياسيين تقبل النقد بقدر ما يرغبون في تولي المناصب
هنا، نجد بوضوح الحكم الصادر عن القاضي جاد معلوف بتاريخ 16/7/2013 بالاستناد الى أحكام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان. وقد أتى هذا الحكم بمثابة مرافعة ضد "دولة المجاملة"، التي تفترض التضييق من هامش انتقاد الزعماء السياسيين. فقد وردت فيه حيثية بالغة الأهمية مفادها أن: "حرية التعبير والصحافة في الحالة الراهنة، تصح ليس فقط بالنسبة للأفكار أو الأقوال المقبولة أو المتوافق عليها وإنما وخاصة بالنسبة لتلك المنتقدة أو اللاذعة أو المخالفة لرأي الأكثرية أو لرأي شريحة معينة أو حتى التي قد تصدم الرأي العام أو شريحة منه وتصل الى حد من الاستفزاز في بعض الأحيان وفق ما أقرت به المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، على أن تبقى طبعاً ودوماً تحت رقابة القضاء وضمن أطر محددة بحيث لا يفهم مما تقدم أنه تفلت من القيود بل توسع وانفتاح أكثر على الرأي المخالف مع تفهم اللجوء الى بعض الانتقادات غير المقبول استعمالها بالنسبة للرجل العادي، عند  انتقاد رجال السياسة. وحيث إن من يتعاطى الشأن العام، ولا سيما من رجال السياسة يتعرض دوماً لانتقادات من معارضيه أو خصومه، وقد يكون البعض منها قاسياً وفي غير محله. إلا أن من يضع نفسه في الموقع المذكور يتخلى حكماً عن جزء من الحماية المتوافرة للأشخاص العاديين ويخضع لمراقبة الرأي العام بكل أفعاله، العامة منها والخاصة أحياناً، ولا بد من إظهار نسبة أعلى من التسامح والتقبل. وحيث إن بعض الآراء، التي تتبناها أيضاً المحكمة اعتبرت أن الحماية التي يتم توفيرها عبر التوسع بمفهوم انتقاد رجل السياسة ولا سيما النائب ضمن أطر حرية التعبير، توازن الحصانة الممنوحة لهذا الأخير والتي تمنحه مجالاً واسعاً في الانتقاد دون خشية الملاحقة".
 
الاعتبار الثاني: الأحكام العامة التقييمية  "jugement de valeur" تدخل ضمن حدود النقد المباح:
في إطار بحثها عن حدود النقد المباح، ميزت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بين إعلان واقعة  déclarations de faitsوإطلاق أحكام تقييمية jugements de valeur. فقد اعتبرت المحكمة أن إثبات حقيقة الأحكام التقييمية التي قد يطلقها المواطنون غير ممكن وهي تبقى تالياً مجرد انتقادات تقييمية تدخل ضمن إطار حرية التعبير.

وهذا ما ورد خاصة في قرارها CASE OF FLUX AND SAMSONالصادر ضد دولة مولدافيا بتاريخ 2008-01-23 والذي اعتبر فيه أن فرض "تبرير صحة انتقادات على شكل أحكام تقييمية "jugement de valeur" يعتبر انتهاكاً لحرية الرأي، الذي يدخل في حق التعبير المكرّس بالمادة 10 من المعاهدة الأوروبية لحقوق الإنسان".

وهذا ما ذهبت اليه أيضاً محكمة التمييز الفرنسية[1]. ففي قرارها الصادر بتاريخ 1986-12-16، رأت أن الانتقادات ذات الطابع النظري والعام تدخل ضمن حرية انتقاد مؤسسات الدولة، وأن هذه الحرية تزول عندما يصبح التعرض ذا طابع شخصي.
 
الاعتبار الثالث، عبارة "ارحل أيها الأحمق" تنم عن موقف سياسي مشروع
في قرارها الصادر في 14-3-2013، أدانت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان دولة فرنسا نتيجة انتهاكها للمادة 10 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان المتعلقة بحرية التعبير. وفي وقائع القضية، كانت المحاكم الفرنسية قد أدانت مواطناً فرنسياً بتهمة التعرض لرئيس الجمهورية الفرنسي نيكولا ساركوزي، بعدما حمل ورقة كتب عليها "ارحل أيها الأحمق"(casse-toipauvre con).  ولهذه الغاية، اعتبرت المحكمة الأوروبية أن الفعل الذي أقدم عليه هذا المواطن  له طابع سياسي. إذ "تعتبر المحكمة أن مقدم المراجعة، قصد توجيه انتقاد سياسي الى رئيس الجمهورية علناً. وبالتالي فإن المحكمة تذكر أن المادة العاشرة فقرة 2 لا تترك محلاً لأي استثناءات على حرية التعبير في مجال الخطاب والنقاش السياسي، حيث تتسم حرية التعبير بأعلى درجات الأهمية". لم تخف المحكمة الأوروبية أنه حرفياً، ما تفوّه به المواطن الفرنسي يعدّ تعرضاً لرئيس الجمهورية، إنما اعتبرت أن القضية يجب أن تُعالج في إطار أشمل.

نشر في العدد الثاني و العشرين من مجلة المفكرة القانونية


[1]Crim.,16/12/1986, Bull.1986, n° 374