بتاريخ 15/10/2014، أصدرت هيئة التشريع والاستشارات، بناءً على طلب وزير العدل، رأياً مفاده أن إبطال ثلاث مواد من قانون الإيجارات الجديد من قبل المجلس الدستوري يؤدي حكماً الى تعطيل عدد كبير من مواد القانون، وتالياً الى تعطيل العمل بالقانون بما يتصل بالإيجارات السكنية العادية. بالمقابل، رأت الهيئة أن القانون يبقى نافذاً بالنسبة للإيجارات الواقعة على الأبنية الفخمة والأماكن غير السكنية، فضلاً عن الأحكام المشتركة. وكان المجلس الدستوري قد أعلن في 6-8-2014 إبطال ثلاث مواد من القانون الجديد، من دون أن يبدي أي ملاحظة بشأن المواد الأخرى، الأمر الذي فتح باباً واسعاً للتأويل بشأن مدى نفاذ القانون.

وعند التدقيق في رأي الهيئة، لا يمكن إلا أن نسجل تناقضاً لافتاً:
فبشأن الإيجارات السكنية العادية، رأت الهيئة أن القانون الجديد قد أنشأ آلية إدارية للحؤول دون الوقوع في أزمة اجتماعية نتيجة للزيادات الطارئة ولتحرير إبرام عقود الإيجار. وهذه الآلية تكمن في إنشاء صندوق خاص يهدف الى مساعدة المستأجرين ذوي الدخل المحدود. وتالياً، يقتضي اعتبار الأحكام المتصلة بهذه الإيجارات معلقة، ما دام القانون قد أناط باللجنة (التي تم إبطال مواد إنشائها) مهمة تحديد الأوضاع الاجتماعية للأشخاص الراغبين بالاستفادة من الصندوق. وبذلك، ترتبط الأحكام التي ترعى إنشاء اللجنة ارتباطاً غير منفصل بباقي المواد التي ترعى عقود إيجار هذه الأماكن. وقد دعمت هذا الموقف بعدما بيّنت الهيئة استحالة ممارسة مهام هذه اللجنة من قبل أي هيئة قضائية.  

بالمقابل، رأت الهيئة أن المواد المتصلة بالإيجارات الواقعة على الأبنية الفخمة تكون نافذة. وقد بنت الهيئة هذا الموقف على حجة وحيدة مفادها أن المشرّع لم يعط مستأجري الأبنية إمكانية الاستفادة من دعم الصندوق. والواقع أن هذه الحجة غير كافية إذ تبقى الإيجارات الواقعة على الأبنية الفخمة مرتبطة رغم ذلك باللجنة. فرغم استثناء الأبنية الفخمة من مساعدات الصندوق، إلا أنه حافظ له على تعويض جزئي عند استرداد المأجور، ووفقاً لشروط محددة، ويجب أيضاً أن يمر باللجنة التي أبطلت وأصبحت غير موجودة. كما أن اللجنة تتولى تحديد قيمة بدل المثل بالنسبة لمجمل الأماكن السكنية بما فيها الأماكن الفخمة، عند حصول اختلاف بين المالك والمستأجر. وبالتالي، هنا أيضاً، يصبح تحديد بدل المثل للمأجور بما فيها الأماكن الفخمة مستحيلاً، بعد القرار الدستوري بإبطال المواد الآيلة الى إنشاء اللجنة. كما يصبح احتساب التعويض في حال الاسترداد على أساس بدل المثل المذكور مستحيلاً للسبب نفسه. وتالياً، تكون اللجنة بتمييزها بين الأماكن العادية والأماكن الفخمة قد أوقعت نفسها في حال تناقض، ما دام القانون كان قد أعطى للجنة المنشأة في الحالتين دوراً أساسياً في تطبيق القانون الجديد.

الخطأ نفسه نسجله بشأن الأحكام المشتركة التي تطبق على جميع الأماكن السكنية وغير السكنية، والذي برأي هيئة الاستشارات والتشريع هي قابلة للتطبيق. وهنا أيضاً ارتكبت الهيئة خطأً إذ سهت عن الرابط بين تفعيل اللجنة المبطل إنشاؤها وتطبيق الأحكام المشتركة. فالمواد المتصلة بدفع بدلات الإيجار وتعويض الاسترداد وبتحديد قيمة النفقات المشتركة (لا تتجاوز مساهمة المالك 5% من مجموع بدلات الإيجار)، مستحيلة التطبيق، بعد إبطال المواد المنشئة للجنة التي هي وحدها الهيئة المختصة لتحديد كل ما تقدم.

وتالياً، يظهر أن جميع مواد قانون الإيجارات السكنية متصلة بعضها ببعض، ولا يمكن تنفيذها بعد إبطال المحرّك الرئيسي للقانون وهو اللجنة.
هذا مع العلم أن أربع كتل نيابية كبيرة تقدمت كل منها بمشروع تعديل مستقل لقانون الإيجارات لتعديله في كليّته، استناداً لتوجيهات وقرار المجلس الدستوري الذي أوجب حماية حق السكن، ومن ضمنها الإنماء المتوازن ووضع خطة إسكانية. وعلى القضاء اللبناني الأخذ بقرار المجلس الدستوري والتريث بتطبيق القانون بكليته الى حين إيجاد ضمانات وافية لحق السكن.
 
 نشر في العدد الثاني و العشرين من مجلة المفكرة القانونية