في موازاة الحراك العربي، كان من اللافت ان يسمي الإعلام حراكين حصلا مؤخرا في لبنان بالإنتفاضة: انتفاضة السجون اي انتفاضة سجناء رومية، وإنتفاضة البناء والتي تمثلت في قيام مجموعات من الناس بالتعدي على الأملاك العامة والمشاعات عبر تشييد ابنية عليها من دون اي ترخيص مسبق. وفيما آلت الأولى الى المطالبة بـ"العفو العام"، وتاليا الى نقض مبدأ المسؤولية، آلت الثانية عمليا الى استباحة الملك العام، الذي اصبح بمثابة مال سائب بإمكان اي كان ان يضع يديه عليه وأن يعده غنما. وهكذا، وفيما كان الحراك العربي يدعو "سلميا" الى قيام "الدولة المدنية" والى التوحد الوطني (الشعب يريد) والى الكف عن نهب المال العام، كانت هاتان الإنتفاضتان ترميان الى العكس تماما: اسقاط المساءلة واستباحة الملك العام، وأهم من كل ذلك تكوين مجموعات هامشية تتوحد على هذه الشعارات في وجه الآخرين، مع ما يستتبع ذلك من تفتيت وفوضى. ولكن، ابعد من هذا التناقض الظاهر، وتماما كما حصل في الثورات العربية، بدا المواطن هنا ايضا في الواجهة، يطالب بحقوقه الأساسية في وجه "نظام" يمعن في اهانته وافقاره.
فلماذا يتوسع القضاة في توقيف المتهمين احتياطيا؟ ولماذا زاد المشرع فئات الجنايات التي لا تخضع لحد اقصى للتوقيف الإحتياطي عند النظر في مشروع القانون الآيل الى الغائها (نزار صاغية، بيداغوجيا المحكمة الدولية: تعديل المادة 108 نموذجا، الأخبار 13 تموز 2010)؟ ولماذا تستغرق المحاكمة سنوات عدة يبقى خلالها المتهم موقوفا وكأنما الحرية الفردية لا تعني احدا (في احصاء لمتوسط مدة دعاوى الاتجار بالمخدرات والترويج لها والتي صدرت احكام بشأنها في 2010، بلغ متوسط مدة المحاكمة 836 يوما، نزار صاغية، "الشرطي، القاضي والأشخاص الذين يتعاطون المخدرات: في قراءة تحليلية للملاحقات القضائية – 2010"، جمعية سكون، قيد النشر)؟ ولماذا يتحكم السجان بوتيرة المحاكم، فيسوق من يريد ومتى يريد الى جلسة المحاكمة، حسبه ان يعلل عدم السوق بعبارات عامة: "حاجات الخدمة" (نقص في السيارات)، فيدون القاضي عدم حصول السوق ويرجئ الجلسة الى تاريخ قد يبعد شهرا او اكثر، من دون ان يتخذ اي تدبير بحقه (اي بحق السجان)؟ ومن هم اصلا الأشخاص الذين تباشر النيابات العامة دعاوى بحقهم او تؤشر بتوقيفهم؟ فهل هي توقف المرأة التي عذبت عاملة المنزل لديها بإطفاء السجائر على جسدها او بالتجويع ام فقط العاملة اذا "فرت" من هذا التعذيب، على خلفية ان اقامتها باتت غير قانونية وكأنما خيارها ينحصر بين حبس مستخدمها وسجن "الأمة"؟ وهل هي تعنى بردع القوادين في "الدعارة الفاخرة" او "الدعارة شبه المنظمة" (الفنادق والسوبر نايت كلاب) ام ان الملاحقة تقتصر على بعض النساء وبعض صغار القوادين الذين ربما يتعدون على اسواق الغير؟ ومن بين الذين يلاحقون، ما هو موقف القانون ازاء الذي يتاجر بالبشر فيبيع نساء للغير وازاء ضحاياهم (النساء موضوع البيع)؟ وألا تتعامل المحاكم مع هؤلاء وكأنهم متساوون في الإجرام (المس بالآداب العامة) فيخضعون للعقوبات نفسها وتبقى الأبواب تاليا مشرعة امام الإستغلال بأبشع صوره؟ وهل يتم توقيف الثري الذي ادعي عليه بإرسال رجاله لإطلاق النار على آخرين احتياطيا ام تمنع المحاكمة عنه ويوقف ويحاكم فقط الرجال الذين ارسلهم لهذه الغاية؟ ثم لماذا يبقى رؤساء عصابات المخدرات بمنأى عن التوقيف فتتوالى الأحكام الغيابية الصادرة بحقهم فيما يتم توقيف المدمنين الذين يبيعون المادة لتأمين حاجاتهم لسنوات وتصدر أحكام بحقهم لا تقل عن خمس سنوات حبس؟ بل لماذا يوقف المدمن الذي يضمن القانون له وقف الملاحقة في حال تعهد بالعلاج؟ الأن الحكومة تقاعست عن تأمين مصحات مجانية، الأنها اعتدت على حقوقه المكفولة قانونا، الأسباب تخرج عن ارادته وتتصل بأخطاء الدولة؟ ولماذا يتم ابقاء الأجانب لسنوات بعد انتهاء عقوباتهم قيد التوقيف من دون اي سند قانوني وفق ما اكده القضاء في اكثر من قرار في 2010، وكأنما لا معنى لأيام الآخرين واشهرهم بل سنواتهم (عن هذا الأمر، جمعية فرانتيرز رواد، اللجوء الى التوقيف التعسفي، 2011)؟ وأهم من ذلك كله، لماذا يبقى المشرع ومعه القاضي اوفياء للعقوبة التقليدية (اي الحبس) فلا يوسعون اطر العقوبات البديلة للحبس وعلى رأسها القيام بأعمال ذات نفع عام؟ بل يبقى السجن بمثابة حظيرة يرمى فيه عدم المرغوب بهم، فتمر سنوات من دون ان يكتسبوا اي مؤهلات او معارف، الا الإحتكاك اليومي مع فساد السجان. وألا يجعل كل ذلك المسؤولية الجزائية والسجون بمثابة ادوات يستخدمها النظام لعزل الآخر والقضاء عليه أكثر مما هي ترمي الى اعادة تأهيله ودمجه، بمثابة منظومة صممت لمحاربة "الأعداء"، وبكلمة اخرى للتمييز ضدهم واقصائهم؟
وفي ظل ظروف مماثلة، تأخذ مطالب السجناء بالعفو العام منحى آخرا. فكأنما السجناء يخاطبون النظام بصوت واحد وفي جعبتهم الف مثل ومثل: "انت لا تعرف كيف تشرع، ولا تعرف كيف تحاكم ولا تعرف كيف تدير حبسا. وأنت تستخدم السجن ليس لفصل المواطن المخالف عن المواطن الصالح، بل بالدرجة الأولى لفصل المواطن المخالف الذي يعصاك او يتحرك من تلقاء ذاته عن المواطن المخالف الذي يتربع في احضانك فيحتكر غلال المخالفة (دعارة، اتجار بالمخدرات، تهريب الخ..). فبأي شريعة اذ ذاك تريد ابقائي سجينا؟ دعني أرحل". هكذا بكل بساطة ولا شيء اقل من ذلك! وهي تاليا انتفاضة ترمي ليس الى بناء دولة القانون، انما الى الاقرار بأن القانون ليس صالحا وبأن الأجدى هو الفوضى.
والتوجه نفسه نلمحه بشأن انتفاضة البناء على الأملاك العامة او المشاعات. فبعدما حصلت مخالفات عدة بتغطية تامة او شبه تامة من الزعماء حسبما نقلت الصحف سواء على سبيل الترضية او الرشوة الإنتخابية او الحزبية، بدا وكأن المواطنين عصوا هذه المرة زعماءهم فتحركوا تلقائيا ليستبيحوا مباشرة الملك العام. وهي بالطبع مخالفة ضد القانون، فالسؤال المطروح ليس "لماذا تستبيحون الملك العام؟" بل "لماذا تستبيحون الملك العام وحدكم؟" والمطلب ليس كف ذوي النفوذ عن الإعتداء على الملك العام، بل كف اياديهم عن ملاحقة اعتداءات أتباعهم عليه. ومن هذه الزاوية، تبدو انتفاضة البناء ذات دلالة كبرى: فعبرها، هدف هؤلاء الى التحرر من سطوة زعمائمهم، والى نقض مفهوم الملك العام الذي أصبح مجرد مرادف لإحتكار المغانم الناتجة عنه من قبل أسياد النظام. فكأنما المواطن يخاطب النظام: "انت لا تؤمن لي عملا، ولا سكنا، ولا الحد الأدنى من العيش الكريم، وانت تستبيح الملك العام وتخصخصه، وتستبيح الشطآن والشمس، وتنهب وتسرق، فدعني وشأني، دعني ادبر حاجتي مما بقي من ملك عام". والأمر أشبه بثورة عساكر في وجه قادتهم ضد الغبن الحاصل في توزيع الغنائم، فيسطون عليها لإقتسامها فيما بينهم ومن دون هؤلاء القادة: فتتغير قواعد اللعبة.
وختاما، بقي ان نتساءل عما اذا كان حصول هاتين الإنتفاضتين في هذا الزمن محض صدفة، ام انه يشكل مؤشرا لا يجوز الاستهانة به على السبل المتاحة امام المواطنين في ظل النظام الطائفي الإستقطابي لتحقيق مطالبهم وارضاء حاجاتهم المشروعة: احترام اللاقانون. 

نشر هذا المقال في العدد الاول من المجلة الدورية للمفكرة القانونية. بامكانكم الاطلاع على المجلة كاملة هنا.