في تشرين الأول، نشرت لجنة مناهضة التعذيب في الأمم المتحدة موجزا عن التحقيقات التي أجرتها في لبنان ضمن تقريرها السنوي. وقد جاء فيه أن هذا البلد يمارس التعذيب بشكل منهجي. وكان بالطبع للنشر وقع الصدمة في لبنان لما له من انعكاسات سلبية على صورته في العالم. وقد عبرت الحكومة في ردودها على اللجنة حسبما ورد في تقريرها عن موقف دفاعي، فهي رفضت الاتهام الموجه اليها كما رفضت نشره متمسكة بالسرية. وقد ذهب الخطاب الرسمي بشكل عام الى التشكيك بتوقيت النشر، على اعتبار أنه يشكل استهدافا للبنان الذي يستقبل اليوم مئات آلاف اللاجئين الهاربين من مخاطر الموت والتعذيب. فهل يُكافأ بلد يدفع اليوم فاتورة انسانية ضخمة تتعدى طاقاته على هذا النحو؟ وألا تدخل مساهماته الانسانية تلك في الحسبان، قبل أن توجه الاصابع الاتهامية اليه؟ ثم أن مسألة التعذيب مزمنة يقوم بها أشخاص منفردون في سياق استغلال وظائفهم، ويعمل لبنان من خلال مؤسساته على التخفيف من حالاته. فلجنة الادارة والعدل انتهت من دراسة اقتراحي قانون بالغي الأهمية، أحدهما اقتراح قانون يعدل قانون العقوبات اللبناني في اتجاه تجريم التعذيب، وثانيهما اقتراح قانون بإنشاء مؤسسة وطنية  لحقوق الإنسان التي من شأنها أن تحتوي على آلية وطنية للوقاية من التعذيب. وقد تمت احالتهما الى الهيئة العامة للمجلس النيابي. أما الأجهزة الأمنية، فهي تُخضع دوريا عناصرها لدورات تثقيفية ضد التعذيب، فيما المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي أوجدت دائرة لمكافحة التعذيب تقوم دوريا بمداهمة المخافر دوريا وملاحقة المخالفات. الأمن العام خفف من طول أمد الاحتجاز التعسفي بعد صدور عدد من الأحكام القضائية بحقه وان ما زال هذا التوقيف يحصل بفعل تعقيدات ادارية. أما سوء الاحتجاز خصوصا في مراكز الأمن العام والاكتظاظ في السجون والنظارات، فهي أمور يعاني منها لبنان بفعل تدفق اللاجئين السوريين، وهو تدفّق يشكر عليه ولا ينتقد بسببه. وحتى النيابات العامة فهي تحقق في ادعاءات التعذيب. وقد أسرّ مرجع قضائي المفكرة أن النائب العام التمييزي سمير حمود أفهم النيابات العامة مؤخرا بوجوب الامتناع عن اعطاء اشارة باجراء فحص شرجي على المشتبه بهم بالمثلية وأنه بنتيجة ذلك توقف العمل بهذا الفحص نهائيا. وقد حصل ذلك بعدما نشرت المفكرة القانونية محضرا قضائيا يثبت قيام طبيب بفحص مماثل، باشارة من أحد المدعين العامين.

بكلمة، لبنان الرسمي لا ينكر حصول حالات تعذيب انما يعترض على اعتبارها منهاجا له؛ على العكس تماما، النهج الذي اختاره يقوم على مكافحة التعذيب، وهو نهج شاق خاصة مع تزايد أعمال الارهاب ومخاطره وتدفق اللاجئين السوريين. هذه هي باختصار أبرز ما تمكنت المفكرة من رصده من مواقف وحجج رسمية، بعضها صدر عن مسؤولين اداريين وقضائيين وأمنيين طلبوا عدم ذكر أسمائهم.

بالمقابل، لم يبدر حتى الآن أي موقف نيابي أو وزاري يطالب باجراء تحقيقات رسمية للوقوف على حقيقة ما اثبته التقرير. فلماذا لا تؤلف لجنة الادارة والعدل لجنة خاصة للتحقيق في معطيات التقرير، لاعلان موقف واضح مبني على معطيات موضوعية بدل الاسراف في مواقف دفاعية مسبقة؟ لماذا لا تباشر النيابات العامة تحقيقاتها بما نسب الى الأجهزة الأمنية والضابطة العدلية، والتي يعمل غالبها تحت اشرافها؟ وما الى ما هنالك من أسئلة تفرض نفسها على هذه المؤسسة أو تلك ولا سيما في هذه الفترة التي يقرب فيها استحقاق التقدم بتقرير وطني عن مدى التزام لبنان باتفاقية مناهضة التعذيب. فمهما تكون درجة صحة الاتهامات الموجهة الى لبنان، أليس من الأفضل أن نستغلها لاستكشاف ما نحن حقيقة عليه وتبعا لذلك لفتح ورشة اصلاحية داخل مؤسسات الدولة تمهيدا لانجاز القوانين وسائر الخطوات الضرورية في هذا المجال؟ فيبرز لبنان كقصة نجاح في التعامل مع الاتهامات المساقة ضده وفي تجاوز عيوبه. ثم، سواء كان التعذيب منهجيا أو لم يكن كذلك، فألا يجدر في مطلق الأحوال منع تكراره ومحاسبة مرتكبيه؟

وكمساهمة منها في هذا الاطار، يهم المفكرة اليوم أن تنشر بالتعاون مع جمعية حلم رواية محتجزي حمام الآغا الذين رووا لها تفاصيل ما جرى معهم أثناء التحقيقات الأولية والاحتجاز، بما تخللها من أعمال تعذيب ومعاملة قاسية ومهينة. والمهم في هذا التقرير أنه جمع أشخاصا تتراكم فيهم أسباب تهميش متفاوتة (لجوء، تابعية سورية، مثلية، دعارة، فقر..)، مما يشكل دليلا بليغا على كيفية تعامل أشخاص من الضابطة العدلية مع الفئات الأضعف. كما تنشر تعليقها النقدي على اقتراح القانون المحال الى الهيئة العامة للمجلس النيابي لمعاقبة أعمال التعذيب.

 نشر في العدد الثاني و العشرين من مجلة المفكرة القانونية