في مواجهة التقرير الصادر عن اللجنة الأممية لمناهضة التعذيب والذي انتهى الى أن لبنان يمارس التعذيب بشكل منهجي، تؤكد جهات وزارية ونيابية في مناسبات عدة أن المشرع جادّ في وضع حدّ لهذه الممارسات في حال وجودها[1]. ودليل هؤلاء على ذلك هو انتهاء لجنة الادارة والعدل من درس اقتراحي قانون بالغي الأهمية هما اقتراح قانون ينص على تجريم التعذيب بموجب قانون العقوبات اللبناني، واقتراح قانون بإنشاء مؤسسة وطنية لحقوق الإنسان التي من شأنها أن تحتوي على آلية وطنية للوقاية من التعذيب، واحالتهما الى الهيئة العامة للمجلس. وفي هذا السياق، تنشر المفكرة القانونية ملاحظاتها على الاقتراح الأول على أن تتناول الاقتراح الثاني لاحقا (المحرر).

من يقارن الصيغة الأخيرة لاقتراح القانون الرامي الى "معاقبة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة او العقوبة القاسية او اللانسانية او المهينة" والتي أقرتها لجنة الادارة والعدل بالصيغة الأساسية التي كان قدمها النائب غسان مخيبر، يدرك سريعا أن القوى ذات الغلبة داخل المجلس النيابي تبقى حذرة ومترددة في اعتماد آليات فعالة لمكافحة التعذيب. واللافت أن هذه القوى لجأت الى التشاطر في صياغة تعريف أعمال التعذيب وكأنها تسعى الى تقليص التزامات لبنان بمكافحة التعذيب فعليا وفق اتفاقية مناهضة التعذيب من دون المجاهرة بذلك. ويهم تاليا المفكرة القانونية في هذا السياق لفت نظر الرأي العام الى ما آل هذا الاقتراح اليه.

وقبل المضي في ذلك، يجدر التذكير بأن قانون العقوبات الحالي يكتفي بمقاربة أعمال التعذيب في مادة وحيدة (401) تعاقب "انتزاع الاقرارات عن الجرائم والمعلومات بشأنها بانزال ضروب من الشدة على الاشخاص" من دون أي اشارة صريحة الى مفهوم "التعذيب"، وأن ثمة اجماعا أن هذه المادة غير كافية لضمان التزام لبنان بمعاقبة جميع حالات التعذيب التي نصت عليها اتفاقية مناهضة التعذيب فضلا عن أي محاولة لممارسته (المادة 4 من الاتفاقية).  
 
في تعريف التعذيب والأفعال المعاقب عليها
بالطبع، مسألة تعريف التعذيب ذات دلالة كبيرة. فأن يشمل التعريف الحالات التي نصت عليها اتفاقية مناهضة التعذيب معيار اساسي لقياس مدى احترام لبنان لتعهداته الناجمة عن المصادقة عليها، وأهمها أن تشكل جميع حالات التعذيب ومحاولات التعذيب جرائم في قانونه الجنائي.
وفي هذا المضمار، عمدت لجنة الادارة والعدل الى ادخال تعديل على الاقتراح الأساسي، أدى عمليا الى اخراج حالات كثيرة من التعذيب من اطار المعاقبة وجعل الاقتراح في تعارض واضح مع التزامات لبنان. وكان الاقتراح الأساسي استعاد تعريف "التعذيب" كما ورد في الاتفاقية، بمعنى أنه "أيعمل ... يلحق قصداً بشخص ما، لا سيما للحصول منه أو من شخص ثالث،على معلومات أو على اعتراف، أو معاقبته على عمل ارتكبه أو يشتبه في انه ارتكبه، هو أو شخص ثالث أو تخويفه أو ارغامه-هو أو أي شخص ثالث-على القيام أو الامتناع عن القيام بعمل ما، أوعندما يلحق مثل هذا الألم أو العذاب لأيسبب يقوم على التمييز اياًكان نوعه". وتبعا لتدقيقها في هذه المادة، استعادت اللجنة مضمونها انما مع اضافة عبارة من سبع كلمات، مؤداها أن تكون هذه الأعمال قد تمت حصرا "أثناء الإستقصاء والتحقيق الأولي والتحقيق القضائي والمحاكمات". ولهذه العبارة نتيجتان مباشرتان: الأولى، أنه يستثني بداهة كل أعمال التعذيب التي تحصل بداهة خارج هذه الأثناء، كالتي تحصل بعد الانتهاء من محاكمته، كأن يتم تعذيبه انتقاما منه أو تمييزا ضده لانتمائه الى فئة معينة أو تخويفا أو ارغاما للقيام بعمل معين رغم انتهاء محاكمته، والتي ربما تكون انتهت بالبراءة أو بابطال الملاحقة؛ والثانية، أنه يفتح مجالا أمام جدل قانوني حول معنى عبارة "أثناء". فهل نحن نتحدث عن الفترة الزمنية التي تستغرقها عمليات الاستقصاء والتحقيق والمحاكمة أم فقط عن المواعيد التي تدور فيها فعليا هذه الاجراءات، فيخرج عن المادة كل ما يحصل خارج هذه المواعيد كأن يتم تعذيب الموقوفين والتنكيل بهم في أثناء توقيفهم احتياطيا من دون أن يكون هنالك رابط "مرئي" بين هذه الأفعال وحاجات التحقيق أو اجراءاته؟ مهما يكن، فمن البدهي أن ربط المعاقبة بحصول أعمال التعذيب في هذه الأثناء انما يؤدي الى اخراج أعمال كثيرة من اطار المعاقبة وتاليا الى مخالفة صريحة لاتفاقية مناهضة التعذيب.   

فضلا عن ذلك، فان اقتراح القانون في صياغته الأخيرة آل الى عدم تجريم محاولة التعذيب على نحو يخالف هنا أيضا المادة 4 من الاتفاقية. وقد نتج ذلك تبعا لتعديل الاقتراح الأساسي باعتبار التعذيب جناية، ليصبح جنحة، من دون التنصيص صراحة على تجريم محاولة التعذيب[2].     
وفي الاتجاه نفسه، عمدت اللجنة الى الغاء المادة الثانية من اقتراح القانون الأساسي التي "تعاقب ضروب المعاملة او العقوبة القاسية او اللانسانية او المهينة" التي ينتج عنها الم او عذاب من دون أن يصل الى حدود التعذيب. وكانت المادة السادسة عشرة من الاتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب قد فرضت على الدول الأطراف منع حدوث هذه الأعمال.
 
في العقوبات
هنا أيضا نلحظ تحفظ اللجنة وحذرها ازاء التشدد في معاقبة أعمال التعذيب، بحيث عمدت الى تخفيض العقوبات الواردة في الاقتراح الأصلي. فجعلت الحد الاقصى للعقوبة ثلاث سنوات حبس فيما أن الاقتراح الاصلي كان ينص على ثلاث سنوات اعتقال كحد ادنى. وهي بذلك حولت جرم التعذيب من جناية الى جنحة كما سبق بيانه. ولا يكون الأمر خلاف ذلك الا اذا استتبع التعذيب خلل أو إيذاء أو عطل جسدي أو عقلي مؤقت أو دائم أو أفضى الى الموت. ويلحظ ان اتفاقية مناهضة التعذيب قد نصت على وجوب وضع عقوبات متناسبة مع خطورة هذا الجرم وأن لجنة مناهضة التعذيب في الامم المتحدة أوصت على أساس ذلك بادراج عقوبات جنائية تتجاوز العشر سنوات لجرائم التعذيب[3].
 
في مفاعيل التعذيب
هنا، نلحظ أيضا تحفظا لدى واضعي الاقتراح. فلا يؤدي ثبوت التعذيب الى ابطال التحقيقات برمتها، انما فقط ما نتج عن أعمال التعذيب، الأمر الذي يفتح بابا واسعا للتأويل والاستثناء. وما زاد الأمر مدعاة للقلق هو التعديل الذي أقدمت عليه اللجنة من خلال استبدال عبارة "جميع الأدلّة والقرائن الناتجة" عن التعذيب في أي مرحلة من مراحل الإستقصاء والتحقيق والمحاكمة، بعبارة "جميع الأقوال" التي تم الإدلاء بها نتيجة ذلك في أية إجراءات.

هذه هي أهم الملاحظات التي يستشف منها مخالفة الاقتراح للاتفاقية. بالمقابل، تسجل فيه ايجابيات عدة كمنع التذرع بالأسباب التبريرية كحالة الضرورة أو مقتضيات الأمن الوطني أو أوامر السلطة الأعلى أو "أية ذريعة أخرى"، أو أيضا حصر صلاحية التحقيق والمحاكمة بالقضاء العدلي، أو ايضا امكانية ملاحقة أي موظف من دون الحاجة الى ترخيص او اذن مسبق، أو ايضا الزام النيابة العامة باتخاذ موقف من الشكاوى بالحفظ أو الادعاء خلال مهلة 48 ساعة أو أيضا حصر مهمة التحقيق في شكاوى التعذيب بالقضاة (قضاة النيابة العامة والتحقيق) من دون الضابطة العدلية مع ما يتيحه ذلك من ضمانات اضافية.

يمكنك الضغط على الرابط أدناه لتحميل نص الجدول لإقتراح قانون يرمي الى معاقبة التعذيب و غيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللانسانية أو المهنية كما أقرته لجنة الإدارة و العدل 
     
 نشر في العدد الثاني و العشرين من مجلة المفكرة القانونية


[1] البيان الصادر عن المكتب الاقليمي للمفوضية السامية لحقوق الانسان في 24-10-2014 بخصوص الاجتماع الذي دعت اليه في 22-10-2014.
[2] مادة 202: لا يعاقب على المحاولة في الجنحة و على الجنحة الخائبة إلا في الحالات التي ينص عليها القانون صراحة
[3] التقرير السنوي للجنة مناهضة التعذيب في الامم المتحدة لعام 2014، ص 17.