أن يكون فرحك على حساب راحة الآخرين هذا أمر مرفوض، ولكن أن يكون فرحك سبباً لمعاناة الآخرين فهذه جريمة يجب عدم السكوت عليها. لقد اعتاد المواطن الأردني أن يسمع أصوات الرصاص من دون أن يلقي لها بالاً، على اعتبار أنها من العادات المألوفة اجتماعياً للتعبير عن الفرح، سواء في مناسبات الزواج أو النجاح في الثانوية العامة أو التخرج من الجامعات أو أي مناسبة أخرى. وتمتد الظاهرة لتشمل العديد من الدول العربية وتحديداً لبنان والعراق واليمن، وربما يُنظر لكثافة العيارات النارية كمقياس للمكانة الاجتماعية لصاحب المناسبة. فكلما زادت كثافة النيران، دلت على مكانة رفيعة لصاحب المناسبة. ولا يقتصر إطلاق الرصاص على أصحاب المناسبة فقط بل ان المدعوين ايضاً يشاركون في ذلك على اعتباره وسيلة للتعبير عن مشاركتهم في فرح مضيفهم. وكل هذا كان من الممكن ان يكون مقبولا لولا ارتباطه بمآسي الآخرين وأحزانهم. فهذا الرصاص الذي يعد مظهر سعادة وفرح عند انطلاقه يصبح نذير شؤم وترح عند سقوطه. فالأردن يودّع سنوياً مجموعة من أبنائه تحت عنوان ضحايا الرصاص الطائش، ناهيك عن المصابين الذين قد تقعدهم الإصابة وتحولهم الى معاقين، والأعداد سنوياً في ازدياد بسبب كثرة المناسبات السعيدة من جهة والاكتظاظ البشري من جهة أخرى.

الدولة تدق ناقوس الخطر
بدأت الحملة من قبل السلطات الرسمية كافة لمواجهة ظاهرة إطلاق الرصاص في الأفراح في صيف عام 2010، وتحديداً بعد إعلان نتائج الثانوية العامة آنذاك. ففي ذلك اليوم، سقط ثلاثة قتلى وخمسة جرحى على اثر الاحتفالات بنتائج الثانوية العامة. وتعد هذه خسارة فادحة جدا في يوم واحد. وتحت وطأة المأساة، استدعى القصر الملكي نخبة من أركان القرار والدولة في اجتماع خاص قاده الملك عبدالله الثاني شخصياً ورسالته كانت واضحة: أوقفوا هذه المهزلة واتخذوا الإجراءات الضرورية. الاجتماع حضره المدير العام للأمن العام ووزير الداخلية ورئيس الوزراء ووزير العدل ومدير المخابرات العامة ورئيس الديوان الملكي. والهدف من تحشيد كبار المسؤولين هذا هو إعلان الحرب على مظاهر الاستخدام العبثي للسلاح عند الشعب الأردني وتحدي ظاهرة إطلاق العيارات النارية والمفرقعات التي تنتج منها خسائر كبيرة سنوياً مادياً وبالأرواح. وبعد أيام قليلة من الاجتماع الذي أطلق حملة يرعاها الملك شخصياً هذه المرة للتصدي لظاهرة إطلاق الرصاص في الشوارع فرحاً أو غضباً، بدأت سلطات الحكام الإداريين تتحرك حيث ألقي القبض على 12 شخصاً في مدينة الكرك جنوبي البلاد بتهمة الإطلاق غير القانوني للرصاص في احتفالات مفترضة. ولا أرقام إحصائية دقيقة عن الضحايا، لكن يعتقد أن النزيف الدموي يطال عشر وفيات على الأقل سنوياً تحت بند إطلاق الرصاص فرحاً في الأفراح مع عشرات الحرائق بطبيعة الحال التي تشعلها المفرقعات. والضحايا بكل الأحوال، أبرياء ولا علاقة لهم بالأمر مثل رجل ستيني قرر النوم على سطح المنزل فاستقرت رصاصة من حي مجاور أطلقت بفرح في قلبه وهو نائم. وطفل يلهو في فناء منزل ذويه سقط قتيلاً بطلقة استقرت في رأسه، وسيدة تجلس في بهو منزلها استقرت رصاصة طائشة في ظهرها أقعدتها الى الأبد عاجزة عن الحركة في حالة شلل تام.
 
موقف القانون من ظاهرة إطلاق الرصاص في الأفراح
لا نصوص صريحة وواضحة تجرّم إطلاق الرصاص في الأفراح بل يتم التعامل مع المسألة في ضوء قانوني العقوبات والأسلحة والذخائر. وعلى ضوء الحملة الرسمية لمواجهة الظاهرة والتي انطلقت عام 2010، قامت النيابة العامة بتوجيه المدعين العامين لتكييف إطلاق الرصاص في الأفراح إذا أدى الى وفاة أي شخص كجريمة قتل قصداً بدلاً من القتل الخطأ، وإذا لم يفض الى الموت اعتبر الفعل مجرد شروع بالقتل المقصود، وذلك وفقاً لنصوص قانون العقوبات رقم (16) لسنة 1960. فوفقاً لما تسير عليه النيابة العامة، يعد القصد في مثل هذه الحالة احتمالياً بحسب المادة (60) من قانون العقوبات. وهذا ما أخذت به محكمة التمييز أيضاً. فقد أيدت في أول حكم لها في قضية مماثلة الحكم الصادر عن محكمة الجنايات الكبرى بحق أحد المتهمين بإطلاق النار بالأعراس والقاضي بوضعه بالأشغال الشاقة المؤقتة لمدة خمس سنوات بعد تجريمه بتهمة جناية الشروع بالقتل وفقا لأحكام المادتين 326 و70 عقوبات وبدلالة المادة 64 من ذات القانون، وأدانته بتهمة جنحة حمل سلاح ناري بدون ترخيص خلافا للمواد 3 و4 و11 من قانون الاسلحة والذخائر. وقد منحت المحكمة المتهم أسبابا تخفيفية أدت الى تخفيف العقوبة من الاشغال الشاقة المؤقتة لمدة عشر سنوات[1]. وتأخذ المحكمة بالاسباب المخففة عادة نظرا لوجود صلح عشائري وإسقاط للحق الشخصي. أما من جهة قانون الاسلحة والذخائر، فيعاقب الشخص بجنحة حمل سلاح ناري بدون ترخيص اذا كان سلاحه غير مرخص والعقوبة تصل الى الحبس ثلاث سنوات ومصادرة السلاح. وواضح ان النصوص القانونية بشكلها الحالي غير رادعة بشكل كاف. فمطلق الرصاص في الأفراح لا يلاحق عادة إلا اذا أدى الرصاص الى إصابة أحد الاشخاص وتمت معرفة مطلق الرصاص كي يحال للقضاء بتهمة القتل او الشروع بالقتل. وبخلاف ذلك يتم غض النظر عن مطلقي العيارات النارية ولا تتحرك الاجهزة الامنية إلا بناء على شكوى رغم ان من واجبها هو حماية ووقاية المجتمع من خطر الإطلاق العشوائي للرصاص، والاصل أن يكون إطلاق الرصاص بحد ذاته جريمة يعاقب عليها قانون العقوبات بعقوبات رادعة باعتبار ذلك من جرائم الخطر التي لا يشترط فيها حصول ضرر أو نتيجة معينة كي تكتمل الجريمة. ومن هنا، نجد ان الجهات الرسمية في الأردن اليوم، باتت تعترف “صراحة” بقصور القوانين عن احتواء وردع مثل هذه الممارسات من جهة، كما أجبرت الحالات الأخيرة المجتمع أيضا على بدء محاولات للتصدي لمثل هذه الممارسات من جهة ثانية.وتؤكد الجهات الأمنية ان اكثر الاسلحة المستخدمة في مثل هذه الحالات هي المسدسات وأجهزة البومب آكشن، المحظور تداولها.
 
وثائق شرف شعبية، اول من يخرقها موقعوها
تحت وطأة الضغط الشعبي الشديد لنبذ الظاهرة بسبب كلفتها الباهضة المتمثلة بأرواح الأبرياء من الضحايا، تتداعى قوى أردنية بين فترة واخرى لتوقيع وثائق شرف تنبذ الظاهرة وتحظرها وتطلب من الجميع نبذها وعدم المشاركة في افراح من يمارسون إطلاق الرصاص في الافراح كنوع من العقاب الاجتماعي لهم. ولم تتخلف اي محافظة اردنية او عشيرة عن توقيع مثل هذه الوثائق للمساهمة في محاربة هذه الظاهرة ومنعها. الا أن مثل الوثائق التي لا تتمتع بأي قيمة قانونية وتعتمد على الالتزام الاخلاقي والادبي من موقعيها سرعان ما تنهار امام أول فرح أو مناسبة في المنطقة او لدى العشيرة، فيبادر عدد من الاشخاص الى خرقها على مرأى ومسمع من الجميع، الأمر الذي يستدعي البحث عن وثائق شرف أو حلول جديدة لمواجهة الظاهرة. ومن هذه الحلول مثلا مقاطعة الافراح التي تطلق فيها العيارات النارية وكذلك الطلب من المدعوين عدم إطلاق العيارات النارية عبر لافتات تعلق في مكان الفرح او عبارات تطبع على بطاقات الدعوة. فمثلا طالبت احدى الوثائق الجهات المسؤولة اتخاذ أشد الإجراءات بحق مرتكبي هذه المخالفات وفقاً للقوانين والأنظمة، وعدم التوسط أو التدخل لدى الجهات المعنية لكل من يطلق العيارات النارية ومقاطعة المناسبات التي تطلق فيها العيارات النارية والانسحاب منها، واعتبار صاحب المناسبة هو المسؤول المباشر[2].كما تم تأسيس جمعيات للحد من هذه الظاهرة وتعدالجمعية الاردنية لمكافحة ظاهرة اطلاق العيارات النارية الجمعية الاولى من نوعها بمنطقة الشرق الاوسط وتتخذ من مدينة السلط مقرا لها. وهي المؤسسة التطوعية الوحيدة التي تقوم بجهود مضنية وبتمويل ذاتي من اشتراكات اعضائها بحسب رئيس الجمعية محمود النمران العطيات للقضاء على هذه الظاهرة. وقد قام أعضاؤها بزيارة اصحاب الاعراس في مواقعهم وحثهم على عدم إطلاق العيارات النارية احتراما للقوانين وحفاظا على السلامة العامة. ومن المضحك ان احد اصحاب الاعراس خارج مدينة السلط وتعبيرا عن رغبته في حسن استقبال اعضاء الجمعية قام بإطلاق العيارات النارية ليقول لهم بشكل أو بآخر مطلبكم مرفوض، ومع ذلك وحسب قول رئيس الجمعية فإن ذلك كان حافزا لمواصلة الجهود[3]،كما تم إطلاق مبادرات الكترونية لمحاربة ظاهرة إطلاق الرصاص في الافراح [4].
 
الاستعانة بالمؤسسات الدينية لمواجهة الظاهرة
ما دامت القوانين بحد ذاتها غير رادعة والرفض الاجتماعي لم يؤت ثماره في وقف ظاهرة اطلاق العيارات النارية، كان لا بد من الاستعانة بالرادع الديني من خلال دور العبادة والمؤسسات الدينية لتوجيه المجتمع نحو رفض الظاهرة ونبذها باعتبارها خارجة عن الدين. وهذا ما حث عليه خطباء المساجد وهيئات الوعظ والارشاد في خطبهم ومواعظهم للمواطنين، حتى أن دائرة الإفتاء وعلى لسان المفتي العام الاسبق للمملكة رفضت الظاهرة وأجابت في رد لها على سؤال: "ما حكم إطلاق العيارات النارية في الهواء بمناسبة الأفراح وغيرها؟" بأن ذلك غير جائز شرعا لما فيه مِن تخويف وأذى للمسلمين. فقد حدث كثيراً أن بعض هذه الطلقات أصابت بعض الناس عن طريق الخطأ فأدت إلى وفاتهم أو جرحهم. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُرَوِّعَ مُسْلِمًا) [5].
  
نشر في العدد الثاني و العشرين من مجلة المفكرة القانونية


[2]- وثيقة شرف وقعها وجهاء ومخاتير وقيادات وابناء محافظة العقبة http://www.alghad.com/articles/567796
[4]- تم اطلاق مبادرة باسم مبادرة سلطان : لوقف اطلاق الاعيرة النارية في المناسبات على موقع الفيسبوك في صفحة تحمل نفس الاسمهي مبادرة تسعى لوقف إطلاق الأعيرة النارية في المناسبات الأردنية باختلافها, لما لها من آثار مدمرة على مجتمعنا من إصابات و قتل للأبرياء،
http://www.jordanzad.com/print.php?id=124666