المكان: بنغازي، الزمان: 15-4-2012، زهاء اربعين قاضيا ليبيا يتباحثون لانشاء جمعيتهم المهنية الاولى من نوعها: المنظمة الليبية للقضاة، مجموعهم شبان يعملون كوكلاء نيابة او كقضاة محاكم ابتدائية في محاكم على امتداد الدولة الليبية (بنغازي، طرابلس، مصراتة، سبها، الزاوية، اجدابيا، البيضاء ...). المفكرة كانت المنظمة غير الليبية الوحيدة التي تشارك كمراقب في المناقشات الختامية التي سبقت التوقيع على الميثاق التوثيقي والنظام التأسيسي، وقد انضمت اليها لاحقا في الجلسة الاحتفالية جمعية القضاة التونسيين (التي يمكن وصفها بالعراب الحقيقي لهذه المنظمة لما كان لها من دور اساسي في اقناع صاحب المبادرة مروان الطشاني بأهمية تجمع القضاة كاداة للاصلاح) والمرصد التونسي لاستقلال القضاء.وقد خرجت بالانطباعات الآتية:
"لا بد لنا من دور فاعل بعيدا عن التقاليد القضائية البالية. كيف هذا الدور؟ وما هي آلية تنفيذه؟ هذا هو هدف انشاء هذه المنظمة": بهذه الكلمات، استهل مروان الطشاني، صاحب المبادرة في انشاء المنظمة والذي بات رئيسها الاول، مناقشات الجلسة التأسيسية. واللافت انه في سياق حديثه، كرر الاشارة بما لا يقل عن ثلاث مرات الى هذه التقاليد القضائية البالية. فاين وردت هذه الاشارة؟ واي تقاليد يقصد؟
وردت اولا في حديثه عن الوظيفة القضائية. ف"القاضي ليس له دور حاليا الا الدخول الى المحكمة والخروج منها في نهاية الدوام ويصدر حكمه في بيته"، فيما ينتظر ان تسهم المنظمة في تمكينه من اداء دور اكبر في مجتمعه بما لا يتعارض مع طبيعة المهنة. فهل يعقل ان تتفرد سلطات ما بعد الثورة بوضع قانون لتعديل كيفية تشكيل الجهاز القضائي وبشكل اعم باصلاح القضاء؟ ولماذا نستبعد عن الورشة الاصلاحية وخصوصا ما يتصل بها بالقضاء، لماذا لا نبادر الى اقتراح القوانين الاصلاحية او الى المساهمة او المشاركة في صوغها؟ وفي اتجاه الاسئلة نفسها، ذهب شريك له في المبادرة (نصر بو شيحه): "اليوم، ينقسم خطاب السياسيين بشأن القضاء الى قسمين: البعض يطالب بتفعيل القضاء فيما البعض الآخر يطالب بتطهيره. والواقع ان على القضاة هم ان يفعلوا او يطهروا انفسهم. فلماذا يبقى دوما متلقيا للقوانين الاصلاحية ومفعولا به، فيما انه هو الادرى بحاجات هذا الجهاز ومكامن الخلل فيه؟ وقد اتى هذا الخطاب متوافقا تماما مع الاهداف المبينة في النظام التأسيسي والتي اولت المنظمة مهاما واسعة في هذا الشأن، ابرزها العمل على تضمين الدستور والقوانين ضمانات استقلالية القضاء[1].
والتقاليد البالية تظهر في خطاب الطشاني مجددا عند حديثه عن حرية التعبير والتجمع. فاذا صح ان القيود القانونية التي كانت تحد هذه الحرية لم تعد موجودة تبعا لصدور الدستور المؤقت والذي كرس حرية التعبير وحرية تكوين المؤسسات والتجمعات، فان حرية التعبير للقضاة او حرية تجمعهم ربما تبقى هي مقيدة وفق بعض القضاة بتقاليد مهنية متمثلة بموجب التحفظ. وهكذا، "ربما ندخل مع مجلس القضاء الاعلى في خلاف قانوني" لمجرد انشاء هذه المنظمة او عند مباشرتها اعمالها في الدفاع عن القضاة الذين يتعرضون لمظالم و"ربما يتعرض بعضنا لاجراءات قاسية من جراء ذلك" و"لكن ارضيتنا صلبة" في هذا المجال. ومن حججه القوية هنا نضالات جمعية القضاة التونسيين ونادي القضاة في المغرب فضلا عن معايير الامم المتحدة ودعمها لهذه الحريات.
اما المرة الثالثة التي ورد فيها ذكر التقاليد البالية فهي في اشارته الى مكانة مجلس القضاء الاعلى في القضاء وعلاقته بالقضاة. فازاء تساؤل البعض عن ضرورة التشاور مع هذا المجلس او تضمين النظام احكاما ناظمة للعلاقة به، اكد الطشاني بكثير من الحزم بان المنظمة مبادرة مستقلة ومنظمة من منظمات المجتمع المدني يتعين عليها القيام باجراء واحد وهو ايداع اوراقها لدى وزارة الثقافة. اما كل ما عدا ذلك، فهو لا يتماشى مع استقلاليتها. ف"لماذا نأخذ موافقة منهم؟" "لماذا نكون نحن الذين نمد ايدينا الى المجلس؟" لا، علينا ان ننظر الى المسألة بطريقة متباينة تماما عما عهدناه من تقاليد: وهكذا على المجلس ان يتنازل عن كبريائه وان ينصت الى آراء المنظمة لما لها من صفة تمثيلية للقضاة الذين ينتسبون اليها، فيما على المنظمة بالمقابل ان تبقى على مسافة كافية منه وذلك حرصا على موقفها النقدي لاعماله ولا سيما في حال تعرض اي من القضاة للتعسف في نقله او في اي تدبير مشابه. "فاليس من واجب المنظمة في هذه الحالة الدفاع عن هؤلاء في مواجهة مجلس القضاء الاعلى؟" ومن اللافت هنا تصاعد الموقف تدريجيا خلال الجلسة، فهو يعبر بسرعة من اعلان استقلالية المنظمة عن المجلس، لينتقل فورا الى تجريده من الصفة التمثيلية اقله في وضعه الحالي حيث ما يزال اعضاؤه معينين من السلطة الحاكمة بالكامل، ليصل الى حد اعلان المنظمة صمام امان للقضاة في مواجهة اي عمل تعسفي قد يصدر عنه بحق اي منهم. اما اوج ما بلغه الخطاب فهو اعلان مبدأ المساواة بين القضاة كافة تيمنا بالدستور الايطالي، فلا محل لاي هرمية متصلة باقدمية معينة او باشغال منصب معين او باي ميزة اخرى. وهذا ما يتبدى بشكل واضح في اهداف النظام التي تضمنت صراحة "العمل على عدم التمييز في تولي المناصب القضائية بسبب العرق أو اللون أو الجنس".
وفي الاتجاه نفسه، وازاء طرح احد الحاضرين امكانية استبدال تسمية "المنظمة الليبية للقضاة" بتسمية "المنظمة الليبية للقضاء" توخيا للدقة طالما ان وكلاء النيابة (وهم اعضاء فيها حسب نظامها) ليسوا قضاة بالمفهوم الضيق للكلمة، اجاب الطشاني بان ابحاثه بينت ان جميع التجمعات القضائية في مصر وتونس والمغرب تستخدم تعبير قضاة (نادي قضاة، جمعية قضاة، اتحاد قضاة، ودادية قضاة، رابطة قضاة..) وان مرد ذلك هو التركيز على استقلالية القضاة ومصالحهم وتفادي الخلط فيما بينها وبين "القضاء" الذي له سبغة رسمية للدولة. وهذا الموقف يعبر عن حيطة ازاء الايحاء بضمان استقلالية القضاء من خلال ايجاد جهاز قضائي مستقل عن السلطة الحاكمة، من دون ضمان استقلالية القاضي ازاء هذا الجهاز. فما نفع ان يتمتع القاضي باستقلالية خارجية من دون ان يتمتع باستقلالية داخلية ازاء المؤسسات القضائية التي انوجدت اصلا لحمايته؟
كما نستشرف الاتجاه التحرري نفسه في اهداف المنظمة بما يخص دور القاضي في علاقته مع السلطة التشريعية . فاذ اولى النظام اهمية فائقة لتعزيزدولة القانون والدفاع عن مبادئ حقوق الانسان، فهو نص صراحة على وجوب اعتماد مبادئ حقوق الانسان في العمل القضائي، او بكلمة اخرى على وجوب تغليب هذه المبادئ على النصوص الداخلية التي قد تتعارض معها. لا بل ذهب ابعد من ذلك حين نص على مراقبة العمل التشريعي وبيان مدى مواءمته وتماشيه للمبادئ والحقوق التي سيتضمنها الدستور. وبذلك، بدت "المنظمة" وكأنها لا تكتفي بتحرير القاضي من قيود النص، بل انها تود اشراكه في تقويمه.
ومن هذه الزوايا كافة، بدت الدعوة الى تجاوز التقاليد البالية بمثابة انقلاب حقيقي على المفاهيم السائدة في المجال القضائي في ليبيا ولكن ايضا في عدد من الدول العربية: فبدل القاضي الصامت والخاضع لموجب التحفظ، نريد قاضيا حرا في التعبير عن رأيه وفي التجمع؛ وبدل القاضي المتلقي للاصلاحات (المفعول به)، نريد قاضيا فاعلا في مجتمعه وشريكا اساسيا في اي اصلاح للشأن القضائي ولكن ايضا للمنظومة القانونية بشكل عام؛ وبدل القاضي الخادم للقانون، نريده قاضيا رائدا في مجتمعه بامكانه قراءتها بل نقضها على ضوء مبادئ حقوق الانسان، وبدل القاضي الذي يتم تأطيره ضمن هرمية تقليدية، نريد قضاة متساوين؛ وبدل القاضي الخاضع لمجلس قضاء اعلى، نريد قضاة يتمتعون ليس فقط باستقلالية خارجية ازاء السلطة الحاكمة، بل ايضا باستقلالية داخلية ازاء المؤسسات القضائية التي تتولى ادارة مساراتهم المهنية.
التقاليد البالية اهداف المنظمة
قاض صامت قاض يتمتع بحرية التعبير والتجمع
قاض مفعول به/ متلق للاصلاح قاض فاعل وشريك اساسي في الاصلاح
قاض خادم للقانون قاض رائد يكرس مبادئ حقوق الانسان ويراقب مدى ملاءمة التشريعات مع الدستور
قاض خاضع لهرمية ناتجة عن الاقدمية او التمتع بمناصب معينة قاض متساو مع سائر القضاة بمعزل عن اقدميته او منصبه
قاض مستقل خارجيا وخاضع لمؤسسات قضائية قاض مستقل خارجيا وداخليا على حد سواء
 
 
والواقع ان هذا الخطاب قد انعكس بوضوح في اهداف المنظمة كما سبق بيانه فبدت وكأنها مجموعة من البرامج التي يتجلى من خلالها القاضي في الصور الموصوفة في الجدول اعلاه. فهو يقترح ويشارك ويساهم وينقد وينقض ويدافع عن استقلاله وعن حقوق الانسان في مواجهة المظالم.
في ظل خطاب مماثل، تم اقرار النظام التأسيسي وباشر من ثم المؤسسون في اختيار ممثليهم للسنة الاولى. وقد توافقوا على تأليف لجنة بالتوافق ومع مراعاة التوزيع الجغرافي للمحاكم، على خلفية ان الاعضاء لا يعرفون بعد بعضهم البعض. وقد ترددت في القاعة اصوات ثلاثة هي بمثابة امتحانات للمنظمة الناشئة: الاول صوت من "سبها" (جمعه المهدي) وقد اعرب ان امله الاول من هذه المنظمة هو تعزيز التواصل بينه وبين سائر القضاة، والثاني صوت اميرة الجليدي التي سألت اذا كانت المنظمة ستبادر الى الدفاع عن قضية نقلها تعسفا[2] فأتتها اجوبة غير حاسمة اكثرها وضوحا: فلنر ما سيفعل مجلس القضاء الاعلى في الحركة القضائية القادمة، والثالث صوت ناجية العمامي التي اعترضت على تهميش المرأة في التشكيلة الاولى للهيئة. فكيف يعقل ان تشغل النساء 70% من المناصب القضائية فيما تتألف هيئة ادارة المنظمة من امرأة واحدة الى جانب اثني عشر رجلا؟ وتبعا لذلك، اضيف الى اعضاء الهيئة (امرأتان) في خطوة توفيقية يؤمل ان تصبح تلقائية عملا بمبادئ المنظمة، قبل كل شيء..     
 
نشر هذا المقال في العدد الرابع من مجلة المفكرة القانونية في تاريخ 30 نيسان 2012


[1] النظام التأسيسي للمنظمة الليبية للقضاة سينشر بالكامل على الموقع الالكتروني للمفكرة القانونية. كما تجد مقالا لمروان الطشاني عن وضع القضاء في ليبيا وتاريخه على الموقع نفسه، http://legal-agenda.com/article.php?id=82&folder=articles&lang=ar
[2] عن هذه القضية، المفكرة القانونية، العدد 4، صفحة 13
http://legal-agenda.com/publication.php?id=11&folder=publications&lang=ar