تعتبر تونس من البلدان التي شهد فيها المجتمع المدني تطوراً هاماً بعد 14 جانفي 2011. ولعله من المهم التذكير بأن أول دفع للمجتمع المدني جاء بفضل الإطار القانوني الذي وفّرته هيئة تحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي التي ترأسها العميد عياض بن عاشور ابتداءً من جانفي 2011 الى تاريخ أول انتخابات أي الانتخابات التأسيسية في 23 أكتوبر 2011. ويمكن تلخيص هذا الإطار القانوني في ما جاء بالمرسوم عدد 88 لسنة 2011 المؤرخ في 24 سبتمبر 2011 الذي حرر الجمعيات من القيود المجحفة التي وضعها النظام القديم حين ضمن في مادته الأولى "حرية تأسيس الجمعيات والانضمام اليها والنشاط في إطارها و.. تدعيم دور منظمات المجتمع المدني وتطويرها والحفاظ على استقلاليتها".
ولقد أصبح للتونسيين والتونسيات وعي خاص بمفهوم المواطنة إثر انطلاق المسار الانتقالي، وخاصة بالمسار الانتخابي كضامن للانتقال السلمي للسلطة. وكاد دور المجتمع المدني أن يكون حاسماً في تحديد ملامح المسار الانتخابي، سواء كان ذلك في 2011 أو خلال انتخابات 26 أكتوبر 2014. وهذا ما سنحاول تبيانه أدناه.

دور المجتمع المدني في تحديد الملامح التشريعية المؤطرة للمسار الانتخابي
قبل خوض الانتخابات في حد ذاتها قامت عدة جمعيات بدور هام في إطار تحسيس المواطنين حول العملية الانتخابية. ويمكن ذكر الدور الذي قامت به الجمعية التونسية للقانون الدستوري في تبسيط المصطلحات القانونية وفي تفسير طبيعة الانتخابات التأسيسية لدى عموم المواطنين بعدما كانت أعمالها لا تتجاوز أسوار الجامعة التونسية.
كما مثلت انتخابات أكتوبر 2011 فرصة لمختلف الجمعيات الناشطة والمتخصصة في المجال الانتخابي لمراقبة المسار وللوقوف على أهم الإخلالات والتجاوزات. ولعل العديد من هذه الإخلالات كانت مرتبطة بضعف الإطار التشريعي وبعدم قدرته على ضمان انتخابات حرة ونزيهة. ولذلك نجد أن العديد من الجمعيات انكبّت على دراسة الثغرات القانونية في المرسوم الذي نظم انتخابات 2011 وفي المرسوم الذي حدد مهام الهيئة العليا المستقلة للانتخابات قصد الخروج بتوصيات عملية للمجلس الوطني التأسيسي الذي كلف بإعداد قانون انتخابي جديد وقانون للهيئة الجديدة المكلفة بإدارة العملية الانتخابية.
ولعله من المهم التذكير بأهم الجمعيات التي قامت بهذا العمل وأهمها "الجمعية التونسية للقانون الدستوري" التي سبقت الإشارة اليها وجمعية "مراقبون" و"الجمعية التونسية من أجل نزاهة وديمقراطية الانتخابات" (عتيد) و"جمعية شباب بلا حدود" و"رابطة الناخبات" وجمعية "شاهد" وجمعية "أوفياء" لمراقبة الانتخابات.
ورغم اختلاف المرجعيات الفكرية لهذه الجمعيات، فقد اجتمعت كلها حول مشروع واحد وهو كيفية تجنب نقائص مسار الانتخابات التأسيسية. ويمكن القول إن المجتمع المدني نجح في ذلك الى حد كبير باعتبارها أصدرت مجموعة من التوصيات والمقترحات الدقيقة والعملية للمجلس الوطني التأسيسي وذلك قبل أن يبدأ هذا الأخير مناقشة القانون الانتخابي.
ومن جملة هذه التوصيات، يمكن أن نذكر المطالبة بإقرار عتبة بـ3 بالمئة للقوائم التي تريد أن تؤخذ أصواتها بعين الاعتبار. وكان هذا المقترح يهدف الى حسن هيكلة المشهد السياسي بعقلنة الترشحات وتجنب التشتت المفرط للأصوات. كما أقرت هذه الجمعيات مبدأ استرجاع المصاريف الانتخابية بصفة لاحقة وذلك لتجنب التصرف غير المحكم للتمويل العمومي، إن لم نقل إهداره في بعض الحالات.
ولقد جوبهت هذه المقترحات برفض السياسيين وإصرارهم على الإبقاء على ما وقع إقراره في انتخابات 2011. ورغم ذلك لا يمكن القول بفشل المجتمع المدني في إدخال أي تعديل على المنظومة التشريعية، إذ وقع الأخذ ببعض المقترحات الأخرى، لعل أهمها التقليص من عدد الناخبين المسجلين في مكاتب الاقتراع وهو ما يتماشى مع المعايير الدولية المتعلقة بالانتخابات الحرة والديمقراطية.
كما يجب التذكير في هذا الإطار بأن المجلس الوطني التأسيسي لم ينطلق من ورقة بيضاء لوضع القانون الانتخابي بل انطلق من مشروع قانون تقدمت به جمعية "شباب بلا حدود" بعد أن نوقش مع بعض المختصين.
ومن جهة أخرى، يجب أن نذكر الدور الذي قام به المجتمع المدني التونسي حال اتخاذ القانون المتعلق بالهيئة العليا للانتخابات. ونشير في هذا الإطار خاصة الى الانتقادات الشديدة التي قامت بها جمعية "عتيد" تجاه القانون المحدث لهذه الهيئة. فقد أوضحت الجمعية للرأي العام أن القانون الجديد أبقى على عديد ثغرات القانون القديم، وخاصة في ما يتعلق بطريقة اختيار أعضائها وتأثير الضغوط الحزبية على تركيبتها.
ولم يكتف المجتمع المدني بانتقاد القانون المحدث للهيئة بل تابع كل إجراءات ومراحل اختيار أعضائها، وكان شديد الانتقاد لاعتماد المجلس الوطني التأسيسي طريقة غير شفافة للتعامل مع هذا الملف.  وبالفعل لا أحد ينكر اليوم أنه برغم التأكيد على استقلالية الهيئة، إلا أن تكوينها خضع لمحاصصة حزبية.
وفي الاتجاه نفسه نظمت الجمعية التونسية للقانون الدستوري بالتشارك مع جمعيتي "مراقبون" و"عتيد" عديد اللقاءات التي دعت فيها أعضاء المجلس الوطني التأسيسي وحاولت من خلالها الضغط على المجلس لتغيير بعض المقتضيات القانونية التي تطرح إشكالات مبدئية أو عملية خاصة في العلاقة بين القانون الانتخابي والقانون المحدث لهيئة الانتخابات.
إن حداثة التونسيين بالمسائل المتعلقة بالمواطنة لم تمنع محاولاتهم تنسيق جهودهم في إطار المجتمع المدني. ولعل وعي العديد من الجمعيات بضرورة التنسيق في ما بينها دفعها الى تنظيم أكبر ملتقى في هذا المجال خلال شهر ديسمبر 2013 بجزيرة جربة شاركت فيه جل الجمعيات الوطنية المعنية بالشأن الانتخابي، بما في ذلك الاتحاد العام التونسي للشغل، وشارك فيه أكثر من 800 شخص. لكن يبدو أنه رغم هذا التنسيق، فإن معظم الجمعيات فضّلت العمل بصفة منفردة في آخر الأمر.
 
دور المجتمع المدني في المتابعة الميدانية للمسار الانتخابي
بعد المصادقة على القوانين التي تهم المسار الانتخابي، بدأ المجتمع المدني يفكر عملياً في طرق عمله، خاصة في مجال ملاحظة الانتخابات. ولئن كانت عملية الملاحظة معقدة ومركبة لأنها تبتدئ مع إعداد القوانين، إلا أن الملاحظة تأخذ نسقاً تصاعدياً انطلاقاً من عملية تسجيل الناخبين.
وتمثل الملاحظة عملية رصد وجمع كل المعلومات المتعلقة بطريقة سير العملية الانتخابية بكامل حلقاتها لغرض تقييمها من حيث مدى التزامها بالإطار القانوني للانتخابات ومدى استجابتها لمعايير الانتخابات الديمقراطية. ولقد قام المجتمع المدني بملاحظة المسار الانتخابي في 2011 وقامت الجمعيات المختلفة وأبرزها (عتيد) بتكوين العديد من الملاحظين الوطنيين الذين بلغ عددهم  حوالي 12000 وزعوا على معظم مكاتب التصويت. وبخلاف الملاحظين الدوليين الذين أقروا بنزاهة العملية الانتخابية، سجلت بعض الجمعيات التونسية انتقادات عدة في هذا المجال، وإن أقرت بحريتها.
وفي الانتخابات التشريعية الأخيرة، لاحظنا أن الجمعيات المهتمة بالمسار الانتخابي اكتسبت تجربة وحاولت تحسين وتطوير طرق عملها. فلقد كانت مشاركة هذه الجمعيات مبنية على فكرة ضرورة مساعدة الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، خاصة على اعتبار أن الإمكانيات الموضوعة على ذمة الهيئة محدودة جداً، وأن للمجتمع المدني إمكانيات مادية وبشرية هامة. وكانت الهيئة قد طلبت من جمعيات المجتمع المدني، بما فيها جمعيات حقوق الإنسان والجمعيات التنموية، المشاركة في الحملة التحسيسيّة لتسجيل النّاخبين.
أما في ما يتعلق بمساهمة الجمعيات المتخصصة في الانتخابات، فنجد أن علاقتها بالهيئة تراوحت بين النقد أحياناً والمساعدة أحياناً أخرى. ويسجل في هذا المضمار ما قامت به جمعية "مراقبون" عندما وضعت بيانات انتخابية جغرافية على ذمة الهيئة، كما قدمت للمواطنين موقعاً إلكترونياً يسمح لكل مواطن التحديد الجغرافي لمكتب الاقتراع. أما بالنسبة ليوم الاقتراع فقد نشرت أهم الجمعيات ملاحظيها بجل مكاتب الاقتراع، رغم أن عدد هذه الأخيرة ارتفع في الانتخابات الأخيرة مقارنة بالانتخابات السابقة.
ويعتبر قانون الانتخابات أساس تشريك المجتمع المدني. فلقد خوّل الفصل 121 منه "الملاحظين"الى جانب ممثلي المرشحين، "تدوين ملحوظاتهم حول سير الاقتراع ضمن مذكرة تُرفق وجوباً بمحضر عملية الاقتراع". كما نص على حضورهم عند حصول الفرز (الفصل 132 من القانون نفسه).
كما عزز هذا القانون صلاحيات هؤلاء الملاحظين بأن مكّنهم من تدوين احترازاتهم أو ملاحظاتهم في وثيقة تُرفق بمحاضر الجلسات، وهو ما كان ممنوعاً خلال انتخابات المجلس الوطني التأسيسي.
وفي هذا السياق، كوّنت الجمعيات آلاف الملاحظين أغلبهم من الشباب المتطوع، وهو ما يبدو في نظرنا خطوة هامة نحو إدماج الشباب التونسي في العمل المدني مع كل ما يمثله ذلك من إعداد لجيل يعي مفهوم المواطنة ويعمل على احترامها. وقد كوّنت جمعية "مراقبون" على سبيل المثال 5200 ملاحظ، وجمعية "عتيد" 3042 ملاحظاً. أما الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان فقد كوّنت 1259 ملاحظاً.
كما تجدر الإشارة الى الدور الذي لعبته رابطة الناخبات خلال كل المسار الانتخابي واهتمامها باحترام الحقوق السياسية للنساء ومشاركتهن الفعلية في الشأن العام، مع الانتباه الى الممارسات التمييزية ضد النساء خلال الحملة الانتخابية. وكوّنت الجمعية 382 ملاحظة وزعت على مختلف الدوائر الانتخابية.
هذه بعض الأمثلة عن أهمية وحجم الملاحظة الانتخابية خلال الانتخابات الأخيرة والتي مكّنت مجمل 12626 من الحضور الفعلي ومن رصد الإخلالات.
لقد أبرزت الانتخابات التشريعية التي نُظمت يوم 26 أكتوبر أن المجتمع المدني كان أكثر استعداداً وإن لم يكن أكثر تنسيقاً في ما بين الجمعيات. ولقد بدأت هذه الجمعيات بتقديم تقاريرها الأولية، بل إن بعضها قدم تقريره النهائي كما هي حال المرصد النقابي لملاحظة الانتخابات التشريعية التابع للاتحاد العام التونسي للشغل.
بقي أن نقر بأن المجتمع المدني في تونس هو تعددي كتعدد المجتمع السياسي، وأن العديد من الجمعيات الناشطة في المجال الانتخابي أو في غيره من المجالات لم تتمكن من تحقيق استقلاليتها عن بعض الأحزاب السياسية. لذلك وجب الانتباه الى هذه المسألة، خاصة أن القانون يمكّن الجمعيات من الحصول على تمويل أجنبي.

كلية العلوم القانونية والسياسية والاجتماعية بتونسجامعة قرطاج
 
نشر في العدد صفر من مجلة المفكرة القانونية في تونس