اعتمدت الانتخابات البرلمانية التي تمّت في 26 أكتوبر 2014 نفس نظام الاقتراع الذي اعتمد لانتخاب المجلس الوطني التأسيسي، أي الاقتراع على القائمات ذات البنية المتناصفة رجال/نساء مع التناوب بينهم، وذلك بالتمثيل النسبي المشفوع بأكبر البقايا[1]. ورغم اتفاق الأطراف السياسية على هذا النظام، فإنه طرح عليها تحدّيات جمة هزّت العديد منها بل تسبّبت في تفكّكها وفي إرباك قواعدها.
ورغم ما تميّز به نظام الاقتراع هذا من قدرة على دعم التعدّدية السياسية في نظام لم تترسّخ فيه الديمقراطية بعد، فإنه يفتح الباب للترشحات العشوائية، وتبعاً لذلك لتفاقم عدد القائمات المرشحة. وهو ما من شأنه أن يشوّش المشهد السياسي ويربك الناخبين ويؤدّي خاصة إلى إهدار عدد هام من الأصوات. وقد اختبر التونسيون والتونسيات كل هذه المساوئ في 2011 ورغم كل التحذيرات الصادرة عن المجتمع المدني في هذا الشأن، فإن الطبقة السياسية لم تنجح في تجنّبها في 2014. فتكرّر المشهد عند تقديم الترشحات رغم أن نتائج الانتخابات كانت على غير الصورة التي أفرزتها المنافسة السياسية في 2011.
وقد ساهمت عملية بناء القائمات في ازدياد حدّة هذه الإشكاليات، وذلك بعرقلتها محاولات تشكيل قائمات ائتلافية، بل أكثر من ذلك بتسبّبها في تصدّع بعض الأحزاب السياسية إلى جانب أنها برهنت على عدم اقتناع الطبقة السياسية بعد باستحقاق المرأة تمثيلاً متساوياً بينها وبين الرّجل.

تحدّ للتحالفات
بدأ الحديث عن تشكيل جبهات أو ائتلافات انتخابية قبل حتى الخوض في مناقشة مشروع القانون الانتخابي، وكان ذلك في ظل حكم الترويكا[2]. فبدأت المحاولات في هذا الاتجاه على أساس ضرورة توحيد صفوف القوى الديمقراطية الحداثية لمجابهة حركة النهضة للدفاع عن النموذج المجتمعي التونسي الحداثي الذي بنته دولة الاستقلال. لكن التفكير في بناء ائتلافات انتخابية كان يهدف كذلك إلى ترشيد الترشحات والحدّ من ظاهرة طفرة القائمات التي يشجّع عليها نظام الاقتراع حسب التمثيل النسبي.
وفي هذا السياق، تمّ مثلاً بعث الجبهة الشعبية المتكونة من أحزاب اليسار وأهمها حزب العمال وحزب الوطنيين الديمقراطيين وحركة الشعب. ثم وقع إحداث الاتحاد من أجل تونس الذي ضمّ كلاً من نداء تونس، القطب الديمقراطي الحداثي، حزب العمل الوطني الديمقراطي، الحزب الاشتراكي، المسار الديمقراطي الاجتماعي والحزب الجمهوري.
لكن وإن تمكّن الائتلاف الأول من الصمود أمام بوادر الانتخابات وما تقتضيه من ضرورة اتّفاق أعضائه حول نصيب كل طرف من أطرافه من المنافسة، فإن الاتحاد من أجل تونس تبدّد ما إن بدأ الحديث عن تشكيل القائمات وحتى عن تسميتها. وبالفعل جاءت أوّل هزة شهدها هذا الائتلاف عند إعلان حركة نداء تونس في شهر جوان 2014 نيته دخول الانتخابات تحت تسمية "نداء تونس" عوضاً عن "الاتحاد من أجل تونس" بحجة أن "نداء تونس" له صيت وباع لدى التونسيين والتونسيات بخلاف التسمية الأخيرة. لكن هذا الموقف أثار حفيظة عدد من الأحزاب المكونة لهذا الائتلاف التي رأت فيه رغبة "نداء تونس" في الهيمنة على حلفائه وتهميشهم. ولم يتحسّن الوضع عندما بدأ التفاوض حول نصيب كل عضو في الائتلاف من القائمات. وتبعاً لذلك، بدأت مكونات الاتحاد تنسحب منه تدريجياً كلّما تقدّمت النقاشات حول تركيبة القائمات التي سيتمّ ترشيحها، فلم يبق منه يوم تقديم الترشحات سوى حزبين.
وهكذا أخفقت أوّل محاولة لجمع شتات القوى الديمقراطية الحداثية قبيل الموعد الانتخابي بسبب تمسّك أغلب الأحزاب السياسية برغبتها في اختبار قدراتها وتقييم وزنها الانتخابي، أو لثقتها المفرطة في قدرتها على حشد الأصوات. على أن بناء القائمات المرشحة لم يشكّل فقط امتحاناً لاستعداد الأحزاب للتحالف في ما بينها بل تحوّل إلى محنة للأحزاب ذاتها.

تحدّ لانسجام الأحزاب ولحمتها
تحوّلت عملية بناء القائمات الانتخابية التي سيقع ترشيحها من تحدّ وجب على الأحزاب رفعه بإثبات انسجامها ولحمتها وتضمّنها قيادات قادرة على فرض نفسها وعلى استقطاب أصوات الناخبين إلى محنة هزّتها. وأثبتت هذه المحنة أن الأحزاب السياسية لم تستقرّ بعد، إذ إنها لم تهتد بعد إلى استراتيجية واضحة للانخراط في المنافسة عبر الانتخابات وإنها ما زالت تبحث عن قياداتها وعن قواعدها.
فإذا كان نظام الاقتراع حسب التمثيل النسبي يمنح لكل طرف سياسي مشارك في الانتخابات حيّزاً من المقاعد يقارب نسبة الأصوات التي تحصل عليها، إلا أن إسناد المقاعد إلى المترشّحين بعد توزيعها بين القائمات يتمّ بصفة أفقية. فعلى فرض تقدّم مجموعة من الأحزاب في دائرة ممثلة بتسعة مقاعد سيرشّح كل حزب قائمة عليها تسعة مرشحين ومرشّحات. فإذا حصلت إحداها على مقعد واحد، فإن هذا المقعد سيؤول إلى رأس القائمة ولن يحصل أي واحد من الثمانية المتبقين على أي شيء. ومن هنا ندرك صعوبة بناء القائمات عند خوض الأحزاب الانتخابات، ليس فقط عند التفاوض حول من سيدرج بها بل بالخصوص حول ترتيب كل مرشّح أو مرشّحة عليها. ولن تصمد أمام مثل هذا الاختبار إلا الأحزاب التي تقوم على الانسجام والانضباط، كما هو الشأن بالنسبة لحركة النهضة مثلاً، أو الأحزاب العريقة التي لها تقاليد واستراتيجية في إعداد قائماتها والتي تولي لهذه العملية ما تتطلّبه من وقت للتفكير والتحاور والتفاوض.
على أن لا الوقت ولا الخبرة أسعفا الأحزاب التونسية في هذا المجال، فتأخّرت عملية ضبط القائمات وشوّشت على إنضاج الرّؤى حولها أزمات سياسية ودستور تأخّر إنهاؤه واستقطبت المخاطر التي أحاطت بتكريسه لطموحات التونسيين والتونسيات بخصوص الحقوق والحريات كلّ الوقت وكل الاهتمام. فلمّا جاء موعد إيداع القائمات، حسم أمرها دون إعداد أو استعداد، جاءت ردود الفعل المتوقعة وتصدّعت الأحزاب فبدأت الانسحابات التي طالت حتى بعض القيادات التي رأت أنها جديرة بدخول الانتخابات في قائمات مستقلة تترأسها فتنافس بهاأحزابها!هذا ما حدث مثلاً في دائرة بنزرت بعد تقديم المشرف السابق على أعمال تنسيقية الجبهة الشعبية ببنزرت )أنور القوصري(استقالته من مهامه بالتنسيقية، وذلك على خلفية إسناد رئاسة القائمة بهذه الدائرة إلى )مراد العمدوني(، ودخوله الانتخابات على رأس قائمة مستقلة سمّيت "ناقفو لبلادنا". كذلك هو الشأن بالنسبة لما واجهه نداء تونس على سبيل المثال عند بناء قائمته في دائرة فرنسا 2، حيث أدى استياء أعضاء هذا الحزب من اختيارات قياداتهم بهذا الشأن إلى الانسحاب وتكوين قائمة مستقلة سُمّيت بـ"نداء التونسيين بالخارج". فساهمت هذه الخلافات في إعادة نفس المشهد السياسي المشتّت الذي هيمن على انتخابات 2011 أي العدد المشطّ للقائمات المترشّحة وبخاصة عدد القائمات المستقلّة، إذ تقدّم في نهاية الأمر ما لا يقلّ عن 1319قائمة انتخابية موزعة على 33 دائرة بتونس وبالخارج.
لكن القانون الانتخابي التونسي أثار إشكالاً آخر أضيف إلى سابقيه عند ضبط القائمات الانتخابية تمثل في تأويله لمبدأ التناصف بين الرجال والنساء في المجالس النيابية والذي كرّسه الدستور التونسي[3] في فصله 46.

تحدّ غير منصف للنساء:
بعد خيبة الأمل التي ولّدها القانون الانتخابي والذي بقي دون الخيار الذي نص عليه الفصل 46 من الدستور بإقرار التناصف بين الرجال والنساء على مستوى المجالس المنتخبة، أي على ضرورة اعتماد نظام اقتراع من شأنه أن يحقّق التناصف على مستوى التمثيل لا على مستوى الترشحات، لم يبق للنساء إلا التعويل على حسن تدبير الأحزاب وقياداتها. إلا أن موقف الأحزاب السياسية بجميع أطيافها من هذه المسألة برهن على أنها لا تؤمن بعد بمبدأ المساواة بين المرأة والرجل وبحقّها في المشاركة في الشأن السياسي مشاركة ندية للرّجل. وعليه، من أصل 1319 قائمة مرشحة، لم تترأس النساء إلا 148 منها أي ما نسبته 11%. ولقد بيّنا آنفاً أهمية ترؤس القائمات في نظام انتخاب بالتمثيل النسبي.
والجدير بالتذكير أنه تم الطعن في دستورية القانون الانتخابي وبالتحديد الفصل 24 منه الذي اكتفى بتكريس التناصف العمودي في القائمات دون التناصف الأفقي، أي دون إلزام الأحزاب بتقديم قائمات يكون نصف رؤسائها من الرجال والنصف الآخر من النساء، وذلك أمام الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية القوانين. وتمّ تقديم هذا الطعن بحجة مخالفة فصله [4]24 الفصل 46 من الدستور. إلا أن هذه الهيئة رفضت الدعوى أصلاً بحجة أن الفصل 46 من الدستور يقرّ سعي الدولة إلى تحقيق التناصف بين المرأة والرجل في المجالس النيابية، ما يجعل من الواجب المحمول عليها مجرّد واجب بذل عناية لا واجب تحقيق نتيجة.
ومن الضروري التذكير أولاً بأن التمييز بين بذل العناية وتحقيق النتيجة هو تمييز لا يمكن أن يؤخذ بأي حال من الأحوال على أنه يجعل الدولة عند خضوعها لواجب بذل العناية في حلّ من أي التزام. فالنظرية العامة لحقوق الإنسان تقتضي أن كل حق من الحقوق المنصوص عليها بالدستور هو بمثابة واجب محمول على الدولة، وحتى لو ذهبنا إلى اعتبار هذا الالتزام واجب بذل عناية. فهذا الواجب ليس مجرّد التزام أخلاقي بل هو التزام قانوني يترتّب عن الإخلال به إثارة مسؤولية الدولة. ومن هذا المنطلق، تكون هيئة المراقبة قد فوتت على نفسها فرصة تاريخية لفتح الباب لقراءات مجدّدة لدستور يعتبره البعض تقدمياً في مادة الحقوق والحريات، وذلك باقتصارها على ترديد مفاهيم محافظة والامتناع عن إعطائها الدلالات والمضامين التي من شأنها أن تسهم في تعزيز مبدأ المساواة بين المواطنين كافة. 
وبالفعل يذهب فقه القضاء اليوم، سواء كان ذلك في الفضاء الأوروبي أي من خلال المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان أو خارجه على غرار الهند أو جنوب أفريقيا، إلى الحديث عن الاتزام  الإيجابيl’obligation positiveومفاده أن على الدولة اتخاذ التدابير المناسبة وفي آجال معقولة لتوفير الحقوق المنصوص عليها بالدستور وليس فقط الامتناع عن مضايقة الأشخاص في تمتعهم بها.
ونجد هذا التوجه نفسه في مقاربة واجب بذل العناية في فقه المنظمات الأممية على غرار هيئة حقوق الإنسان. وقد أحالت الجهات الطاعنة على هذا التصوّر لكن الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية القوانين لم تبد أي موقف لا رافض ولا داعم لهذا المطعن واكتفت بالتصريح بمفهوم واجب بذل العناية.
أمّا ثانياً، فقد غاب عن الهيئة أن تجربة انتخابات المجلس التأسيسي لأكتوبر 2011 أثبتت أن الاكتفاء بالتناصف العمودي لا يؤدّي إلى تحقيق التناصف داخل الهيئات النيابية كما نصّ عليه الفصل 46 بصريح العبارة. فبنية القائمات المترشحة كما وردت في الفصل 24 من القانون الانتخابي رغم قاعدة التناوب أو التناصف العمودي بين الجنسين التي كرّستها، لا تسمح بتحقيق التناصف داخل مجلس نواب الشعب الذي نصّ عليه الفصل 46 من الدستور في فقرته الثالثة. وهذا ما أثبتته نتائج انتخابات المجلس الوطني التأسيسي في 23 أكتوبر 2011 والتي اقتصر المرسوم عدد 35 المؤرخ في ماي 2011 والمنظّم لها على تكريس التناصف العمودي. وتبعاً لذلك، لم يتجاوز تمثيل النساء في ذلك المجلس 27%وهي نسبة أبعد ما تكون على التناصف.
وسؤالنا للهيئة في هذه الحالة: ما هي الإضافة التي جاء بها الدستور في فصله 46 مقارنة بالمرسوم عدد 35 والمتعلّق بانتخاب المجلس التأسيسي؟ لماذا لم يقع الحفاظ على العبارة نفسها وهي "التناصف عند تقديم الترشحات"؟ كيف يمكن أن نقرأ هذه العبارة على أنها مرادف لعبارة "التناصف داخل الهيئات المنتخبة"؟ 
والإجابة تفرض نفسها هنا إذا اختار المجلس التأسيسي عبارة "التناصف داخل الهيئات المنتخبة". فهذا لأنه يعي ويعني ما يقول ويرغب في تجاوز مجرّد التناصف على القائمات المترشحة، وعلى المشرّع في هذه الحالة انتقاء الآليات المناسبة لتحقيق هذه النتيجة، والأكيد أن تلك التي أدرجها في الفصل 24 من القانون الانتخابي ليست الآلية الملائمة.
وخلاصة القول أن المشهد السياسي التونسي ما زال في أولى خطاه نحو الديمقراطية، وعلى الأحزاب السياسية أن تستخلص العبرة من الهزّات التي واجهتها بمناسبة هذا الرهان الانتخابي. وعليها أن تدرك أن لا مستقبل لأحزاب سياسية لا تعتمد الديمقراطية في تنظيمها وتسيير شؤونها، كما لا مستقبل لأحزاب سياسية لا تؤمن بحق المرأة في المشاركة في الحياة السياسية على قدم المساواة مع الرّجل.
ومهما يكن من أمر فإن طريقة الاقتراع على القائمات وما ترتّب عليه من تحدّيات فرضت على الفاعلين السياسيين أفضل فرصة لتدريبهم وامتحانهم وحملهم على إدراك مقتضيات العمل السياسي في فضاء عمومي تنافسي.

كلية العلوم القانونية والسياسية والاجتماعية بتونس* جامعة قرطاج

 نشر في العدد صفر من مجلة المفكرة القانونية في تونس


[1]الفصول 16 و32 و36 من المرسوم عدد 35 بتاريخ 10 ماي 2011
[2]الائتلاف الحاكم الذي جمع حركة النهضة وحزب المؤتمر من أجل الجمهورية والتكتّل من أجل العمل والحريات
[3]الدستور التونسي المؤرّخ في 26 جانفي 2014 الفصل 46: "تلتزم الدولة بحماية الحقوق المكتسبة للمرأة وتعمل على دعمها وتطويرها.
تضمن الدولة تكافؤ الفرص بين الرّجل والمرأة في تحمّل مختلف المسؤوليات وفي جميع المجالات.
تسعى الدولة إلى تحقيق التناصف بين المرأة والرجل في المجالس المنتخبة.
تتخذ الدولة التدابير الكفيلة بالقضاء على العنف ضدّ المرأة".
[4]الفصل 24 من القانون الأساسي الانتخابي عدد 16 بتاريخ 26 ماي 2014: "تقدّم الترشحات على أساس مبدأ التناصف بين النساء والرجال وقاعدة التناوب بينهم داخل القائمة ولا تقبل القائمة التي لا تحترم هذا المبدأ إلا في حدود ما يحتّمه العدد الفردي للمقاعد المخصّصة لبعض الدوائر"