يستدعي إرساء مقاربة مؤسساتية لمكافحة الفساد وتحسين التصرف العمومي بهياكل الدولة توفّر مؤسسات رقابية متطورة قوية وناجعة. ويكشف التنظيم الإداري التونسي عن تطور فكرة الرقابة بالنظر لتعدد هياكل الرقابة العامة وقِدم إحداثها. وتتمثل هذه الهيئات بالأساس في هيئة الرقابة العامة للمصالح العمومية التابعة لرئاسة الحكومة وهيئة الرقابة العامة للمالية التابعة لوزارة الاقتصاد والمالية وهيئة الرقابة العامة لأملاك الدولة والشؤون العقارية التابعة لوزارة أملاك الدولة والشؤون العقارية.ورغم تعدد الهيئات الرقابية، فإن دورها في مكافحة الفساد قبل الثورة كان محدوداً نسبياً بحكم عوائق موضوعية كعدم السماح لها بالتعهد الذاتي بمهام رقابة إلا بموافقة الوزير المشرف الذي يحتكر إمضاء الإذن بإطلاق المهمة الرقابية وبعدم تحكمها في مآل تقارير الرقابة ومتابعة التجاوزات المثارة ضمنها، والتوصيات المنبثقة عنها التي تبقى مرتبطة بإرادة السلطة السياسية التي تتمثل في الوزير المشرف على هذه الهياكل الذي بإمكانه عدم تفعيل هذه التوصيات.

تحوّلت مكافحة الفساد إثر الثورة التونسية الى شعار مركزي في الخطاب الشعبي والرسمي. وبرزت "لجان مكافحة الفساد" كتصور يحقق الغرض، إذ كان أول قرار اتخذته أول سلطة سياسية باشرت الحكم إثر الثورة إنشاء لجنة وطنية لتقصي الحقائق حول الرشوة والفساد بمقتضى المرسوم عدد 7 لسنة 2011 مؤرخ في 18 فيفري 2011. واعتمدت هذه اللجنة في جزء كبير من أعمالها على إطارات هيئات الرقابة العامة التي تولت تكليفها بالبحث في ملفات الفساد وجمع المعطيات حولها من جهة، وتولت من جهة ثانية الكشف عن قضايا الفساد بالرجوع للتقارير السابقة للهيئات الرقابية. وكانت بالتالي نتيجة أعمال لجنة تقصي الحقائق في الجزء الأكبر منها ثمرة العمل الجماعي لمختلف هيئات الرقابة.
 
لكن منع تجاهل التعاون والتكامل الهيكلي والوظيفي بين الهياكل الرقابية بما لها من كفاءة وخبرة عملية ولجنة مكافحة الفساد، بما لها من صلاحيات واسعة من تحقيق تطور فعلي في عملية مكافحة الفساد. وبعد أكثر من ثلاث سنوات على قيام الثورة التونسية، تراجع الاهتمام بمكافحة الفساد الذي استشرى، وخاصة منه الفساد الصغير الذي عمّ مختلف مستويات الإدارات التونسية. وهذا ما تثبته  دراسة ستصدرها الجمعية التونسية للمراقبين العموميين قريباً بيّنت أن 27%من التونسيين دفعوا رشى خلال السنة الماضية، وهو رقم يفترض اتخاذ إجراءات سريعة لإيقاف النزيف. وبقيت كل الهياكل المحدثة ومن بينها هياكل الرقابة العامة عاجزة عن إيقاف موجة الفساد، حيث فشلت هيئة مكافحة الفساد والرشوة التي تم تعويضها في الدستور التونسي الجديد بهيئة الحوكمةالرشيدةومكافحةالفسادفي تقديم وتنفيذ تصور يضمن التصدي للفساد أو مجرد الكشف عنه بعدما تراجع تعاونها مع هيئات الرقابة. فيما تحوّلت هياكل الرقابة إلى محضنة لإعداد كبار مسؤولي الدولة، تستعملها الحكومات المتعاقبة لتعيين المسؤوليين الإداريين بمختلف الدواوين والوزارات من بين المراقبين دون أن تهتم بإصلاح هياكل الرقابة وتعزيز دورها.
كان ينتظر من الحكومات التونسية بعد الثورة أن تبادر بإصلاحات عاجلة للمنظومة الرقابية. إلا أن عدم وضوح الرؤية السياسية في مجال مكافحة الفساد منع ذلك، مع تراجع الاهتمام بمكافحة الفساد والذي أشار اليه إلغاء الدورة 16 للمؤتمر الدولي لمكافحة الفساد الذي كان سينظم في تونس سنة 2014. كما طغت "الأجندة" السياسية والأمنية على برامج الحكومات المتعاقبة منذ الثورة، فيما بقي ملف الفساد مجرد ملف للاستهلاك الشعبوي. فالقرارات الحقيقة المتمثلة في وضع الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد ووضعها حيز التطبيق وتحديد أدوار المتدخلين وتمتيعهم بالموارد الكافية لممارسة دورهم في مكافحة الفساد ومن بينهم هياكل الرقابة العامة فإنها لم تحظ بالاهتمام اللازم.

وللمساهمة في تقديم تصور إصلاحي لمنظومة الرقابة العامة يتوجب مزيد تشخيص العوائق التي تحول دون قيام هذه الهياكل بدورها والتي يتلخص أهمها في النقاط التالية:

1-  التبعية للسلطة التنفيذية
تبرز تبعية هياكل الرقابة العامة للسلطة التنفيذية في المستويات التالية: 
 
*    في مرحلة برمجة مهام الرقابة وإعداد الأذون بالمأموريات، حيث تقترح كلّ هيئة برنامجها السنوي تحت إشراف الوزير مع محاولة التنسيق مع بقية الهيئات، إلا أن التجربة أثبتت أنّ تطبيق هذا البرنامج يبقى رهين إرادة الوزير المشرف على كلّ هيئة رقابة عامة.  وهو ما منع من مراقبة وتفقد بعض الهياكل التي تبيّن أنها متورطة في الفساد الإداري والمالي، وهو ما أدّى إلى تقييدها على مستوى ضبط وتنفيذ المهام الرقابية الموكولة إليها.
 
*   في مرحلة إجراء المهام الرقابية، أكدت التجربة أنّ عملية الرقابة تبقى مقيّدة في بعض الحالات من خلال حصر مجالات تدخل المراقبين أثناء إنجاز المهام على مستوى الهيكل الخاضع للرقابة كأن يطلب الوزير التركيز على ملف دون سواه أو عدم فتح الملفات المتعلقة بشخصيات معيّنة أو التي تخصّ فترة زمنية معينة أو منطقة معينة، وذلك لاعتبارات غير موضوعية، وهو ما أثّر سلباً على نجاعة عمل المراقبين.
 
*   في مرحلة متابعة التقارير فقد تبيّن أنه بإمكان الوزراء المشرفين على هيئات الرقابة العامة التحكم في مآل بعض التقارير التي يمكن أن تبقى حبيسة أدراج المسؤولين أو عدم متابعة تنفيذ التوصيات الواردة فيها أو حتى عدم القيام بالتتبعات القضائية الناتجة منها، خصوصاً إذا أثارت ملفات فساد. كما لا تكتسي تقارير الرقابة حجية لدى القضاء، كما أنها لا تنشر للعموم على خلاف ما هو معمول به في العديد من الدول الأخرى.مع التأكيد أخيراً على عدم نجاعة عملية متابعة تنفيذ توصيات التقارير الرقابية نظراً لاقتصارها على متابعة كتابية غير ميدانية، وذلك باستثناء بعض الحالات.

2-    ضعف حماية المراقب العمومي
لا تضمن الأنظمة الأساسية لهيئات الرقابة أيّة حماية مادية ومعنوية خصوصية للمراقبين العموميين رغم كل الضغوطات والتهديدات التي يتعرضون لها أثناء أدائهم لمهامهم، مع إضافة تدهور وضع المراقبين المادي مقارنة ببعض الأسلاك الأخرى، وهو ما أدى إلى انتقال عدد هام من المراقبين للعمل بالقطاع الخاص أو للعمل بالخارج بوصفهم كفاءات عالية الخبرة (مغادرة قرابة 20 مراقباً لهيئات الرقابة العامة من جملة 120 مباشرين بها خلال السنتين الأخيرتين).

3-    تواصل تشتت هيئات الرقابة العامة
أدى تواصل تشتت هياكل الرقابة وتوزيعها إلى ثلاثة هياكل رقابية يتبع كل واحد منها وزارة مختلفة رغم تشابه المهام والأدوار وتداخلها في بعض الأحيان  إلى إهدار للموارد البشرية والمادية وإضعاف قدرة الدولة على مجابهة الفساد.
 ومن خلال ما سبق، يمكن تقديم اقتراح توحيد هيئات الرقابة والعمل على ضمان استقلاليتها على الأقل على المستوى الوظيفي المتمثل بالأساس في إمكانية التعهد الذاتي بالمهام الرقابية ومتابعة التقارير ونشرها، وهو ما سيساهم في:
 
*    إرسال إشارة واضحة للرأي العام الداخلي والخارجي أن الدولة التونسية بعد الثورة تقوم بمجهودات حقيقية لمكافحة الفساد وتحسين التصرف في القطاع العام.
*   توحيد استراتيجية الرقابة على التصرف العمومي لضمان نجاعة أكبر للتدخلات الرقابية  وقياس نتائجها بصفة علمية.
*    الحد من تشتت وهدر الموارد المالية والبشرية والمادية داخلها بتكريس وحدة التصرف في هذه الهيئات.
*      ضمان عدم التأثير في قرارات الهيئة بإبعادها عن التجاذبات السياسية والتأثيرات الخارجية.
*      ضمان بداية جديدةFresh Start  بوسائل وآليات عمل جديدة والقطع مع الصورة السلبية الماضية حول عدم جدوى تدخلات هيئات الرقابة العامة وخضوعها لإرادة السلطة التنفيذية.
*     تمكينها من وسائل وآليات عمل تتوافق والمعايير الدولية في مجال الرقابة العمومية.
*    ضمان الحصول على قروض ومساعدات من الهيئات الدولية المانحة التي أصبحت تشترط لتقديم القروض والهبات وجود هيئات رقابية مستقلة تضمن شفافية تنفيذ وتقييم التصرف فيها. فعلى سبيل المثال، لجأ البنك الدولي خلال السنوات القليلة الماضية إلى هيئات رقابية عمومية مستقلة للتدقيق في مشاريعه حول العالم قرابة 2500 مرة من جملة  5000 تدخل رقابي.
*    ضمان التخصص في مجالات دقيقة من الرقابة على التصرف العمومي.
 
لكن تبقى كل هذه المقترحات حبراً على ورق إذا لم تتوافر إرادة سياسية صادقة في مكافحة الفساد ولم تتعاضد الجهود في توفير إطار قانوني متكامل ومؤسسات رقابية لها رؤية استراتيجية واضحة في محاربة الفساد. ويبقى نجاح الثورة التونسية رهين نجاحها في مقاومة الفساد عندما صاح التونسيون ذات يوم 14 يناير 2011 "خبز وماء والطرابلسية لا"[1].

*رئيس الجمعية التونسية للمراقبين العموميين

نشر في العدد صفر من مجلة المفكرة القانونية في تونس


[1] الطرابلسية هم العائلة المالكة إخوة ليلى الطرابلسي زوجة بن علي.