(مقابلة مع اميرة الجليدي مسعود على هامش الجلسة التأسيسية للمنظمة الليبية للقضاة)
من ابرز المشاركين في الجلسة التأسيسية للمنظمة الليبية للقضاة اميرة الجليدي مسعود. وهي دعيت كمراقب، كونها فقدت صفة القاضية في اغسطس (آب) 2010 اي قبل اشهر من الثورة بعدما نقلت بفعل الحركة السنوية للقضاة من منصبها كقاضية الى دائرة محامي الشعب[1]، على خلفية اصدار عشرة احكام بادانة السلطات الليبية باهانة شعبها.وقد تميزت هذه القاضية ليس فقط في احكامها المذكورة، انما ايضا في تقدمها بمراجعة ضد قرار نقلها بعدما عدته عزلا مقنعا وتعسفيا ومهينا ورسالة احباط موجهة للرأي العام وللقضاة. ومن هذا المنطلق، تمثل الجليدي نموذجا لقاضية مقاومة في قلب النظام الليبي ما قبل الثورة.
قضية الجليدي بدأت فصولا حين تقدم مئات من المواطنين امام دائرتها (الدائرة المدنية في محكمة الزاوية) بدعاوى لشطب عبارة "مواطن بحكم القانون" والتي وردت على كتيبات العائلة العائدة لهم ولالزام الدولة بتسديد تعويضات عن الاهانة اللاحقة بهم من جراء ذلك. وقد صرحهؤلاء في دعواهم انهم اصيبوا بالصدمة والذهول عندما فوجئوا بحقيقة ما يراد من هذه العبارة، حيث علموا علما يقينيا بان المراد هو نفي انسابهم، وهو "ما لم يكن أحد منهم يصدق ان تقوم به اجهزة دولتهم التي يفتخرون انهم مواطنوها". ففي وثيقة رسمية صادرة عن رئيس مصلحة الاحوال المدنية وهي المسماة "دليل أعمال السجل المدني"، تمت الاشارة الى تخصيص هذه العبارة للدلالة على "اللقطاء وغير الشرعيين" اذا اصبحوا ارباب اسر او زوجات، وذلك حفاظا على مشاعرهم. وتاليا، ان التعليمات المعطاة بايراد هذه العبارة نفسها بما تحمل من دلالات في كتيبات المدعين انما يدل على ان السلطة تتعمد اذلالهم من خلال انكار انسابهم. وبذلك، بات لعبارة (مواطن بحكم القانون) هدف مخالف لما تعلنه السلطة على نحو يسبغ تصرفاتها ب"قصر النظر" و"الزيف": ففيما تم تقديمها كوصفة لمراعاة مشاعر فئات معينة (اللقطاء وغير الشرعيين)، سرعان ما انكشفت نية باستخدامها بمعناها الجديد للنيل من مشاعر المواطنين كافة وتحقيرهم، وعلى نحو يبرز بشكل مبهر مدى سؤدد السلطة وشموليتها. فالمواطنة ليست حقا طبيعيا لليبيين انما مجرد منة يكرسها القانون الوضعي وبامكانه استردادها في اي حين، كما ان بمقدور السلطة التلاعب ليس فقط في حقوقهم بالمواطنة، انما ايضا في انسابهم، انكارا وتشويها. ومن هذا المنطلق، وصف هؤلاء المواطنين ايراد هذه العبارة في كتيباتهم بانها "جريمة العصر" ترتكبها السلطة في حق مواطنيها. ويلحظ انه تولى تقديم هذه الدعاوى محامون عرف بعضهم بنشاطه المعارض في مجال الدفاع عن حقوق الانسان (محمد الهادي بن مرضية) ولا سيما في الدفاع عن سجناء الرأي المعتقلين اداريا امام محاكم "الزاوية". كما يلحظ ان دعاوى مماثلة قدمت في اكثر من محكمة على امتداد الجمهورية مما جعلها بمثابة اعمال مقاومة بامتياز تهدف الى مجابهة نمط معين للسلطة في تجريد المواطنين من حقوقهم الاساسية وتهميشهم واذلالهم.
وبتاريخ 30-6-2010، اصدرت الجليدي قرارات في عشر دعاوى مماثلة، منحت بموجبها كلا من المدعين (وعددهم خمسمائة شخصا) تعويضا قدره عشرين الف دينارا (اي ما يقارب 16 دولارا ونصف) من جراء الاهانة والضرر المعنوي الذي تسببت به. وقد اودعت اسبابها في 11-7-2010. وهذه القرارات قد استندت ليس فقط على النصوص القانونية والاعلان الدستوري، انما ايضا على آيات من القرآن الكريم نهت عن المس بالانساب ورمي المحصنات ومن ثم على "الوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الانسان في عصر الجماهير" في اكثر من مادة. ومن ابرز مواد هذه الوثيقة والتي تمت مخالفتها، المادة القائلة بان ابناء المجتمع الجماهيري احرار من العسف والجور والتسلط، وعلى ان "المواطنة في المجتمع حق مقدس لا يجوز اسقاطها او سحبها ..". وهكذا، رأت القاضية بان تصرفات السلطة لا تخلو "من ممارسة التعسف والجور والتسلط بدون اي وجه حق والتزييف والتشويه"، و"من ممارسة الاعتداء على القيم والمثل واعتداء على أواصر الترابط والتماسك والوحدة والألفة والمحبة داخل الأسرة والقبيلة، فما قيمة اي من الطاعنين (المدعين) اذا كان بمستطاع الدولة "ان تقرر انه سـاقط قيد او ابن غير شرعي"، او ان "تمزق أواصر الترابط والوحدة والى غير ذلك من القيم المشار إليها". 
وهذه الحيثيات تشكل بوضوح كلي ما يشبه ادانة لافتة لهذا النظام: فهو لا "يخرج عن الشريعة في المحافظة على شرف الناس وصيانة اعراضهم" وحسب، انما هو ايضا باطني تتناقض افعاله مع المبادئ التي يعلنها في هذه الوثيقة الخضراء التي طالما استمد مشروعيته منه.
وتبعا لاصدار هذه الاحكام، تواترت المواقف من قبل المؤسسات القضائية العليا حسبما تروي الجليدي. فبعد تعليمات شفهية من التفتيش بمنع اي من المحامين الحصول على نسخة من اسبابها، صدر في 24-8- 2010 قرار بنقلها لتصبح "محامية شعب" وفق حركة النقل السنوية. واعتراضا على هذا القرار، تقدمت الجليدي بداية في 17-10-2010 من رئيس مجلس القضاء الاعلى (الذي كان يرأسه آنذاك السيد مصطفى عبد الجليل[2] بصفته أمين اللجنة الشعبية العامة للعدل اي ما يعادل وزير العدل) بتظلم على خلفية التسعف بحقها، في خطوة تميزت ليس فقط بحد ذاتها انما ايضا في طبيعة الحجج التي انبنت عليها. فلم تكتف الجليدي في الادلاء بان عملها خلال السنوات السابقة كان مشرفا كميا ونوعيا، بل صرحت بانها تشرفت في اصدار الاحكام المذكورة على نحو ينصف الناس.. كما ادلت بان النقل هو بمثابة عقوبة مقنعة وتعسفية وغير مستحقةوانه قد سبب لها الاهانة والاحباط "رغم كل ما قدمته من جهد وحرص على تحقيق العدالة ضاربة عرض الحائط بكل التهديدات التي وجهت لها وكل الماديات التي عرضت عليها"، بل انه "اصاب الناس بالإحباط من تحقيق العدالة، كما اصاب القضاة باحباط قد يمنعهم عن اقامة العدل (ردوا بالكم تحكموا لا يصرلكم كما صار لاميرة)".
واذ بقي هذا الطلب من دون رد رغم انقضاء ستين يوما من تقديمه مما يفيد برفضه ضمنا، قدمت الجليدي مراجعة ضد هذا القرار الضمني امام دائرة القضاء الاداري في الزاويةمطالبة بتعويض وبايقاف تنفيذه وصولا الى ابطاله. وهنا ايضا، بدا مضمون المراجعة متميزا وذات دلالة كبيرة على طبيعة النظام آنذاك وفي الآن نفسه على نفسها المقاوم: ففي البدء، لم تتردد الجليدي عن سرد وقائع لقائها مع عبد الجليل كما حصلت، ناقلة عنه انه قد اقر بان سبب نقلها هو القرارات التي اصدرتها في قضايا كتيبات العائلة وبان القرار بنقلها "فعلا قد صدر مخالفا للقانون"، وانه "لا يمكنه الرجـوع عنه"، و"انه يعد بتصحيحه في السنة القضائية التالية" . وكما انها لم تكتف بطلب رفع الضيم عنها، انما ذهبت في اتجاه الطعن في السلطة بشكل صارخ وواضح وفي ابراز دور القاضي في مجابهتها، وايضا في ابراز المخاطر التي قد تتأتى عن معاقبة قاض من جراء ذلك. "فالدولة - اية دولة في العالم - تتكون قانونا من عناصر ثلاثة: الاقليم والشعب والسلطة، فإذا قامت السلطة باهانة الشعب على نحو ما فعلت مصلحة الاحوال المدنية؛ واثبتت كذبا وزورا في وثائق رسمية محررة من قبل موظفين رسميين في كتيبات العائلة لعدد هائل من عوائل الشعب الليبي انهم من فئة اللقطاء وابناء الحرام غير الشرعيين، فان من اوجب واجبات القضاء الانتصار للشعب، ورد الاهانة، وتحميل من قام بها المسؤولية المترتبة عن ذلك. وللأسف يأتي قرار ابعاد الطاعنة وهي اول قاضية تتصدى للفصل في قضايا الكتيبات، ليحقق هدفا عكسيا وسلبيا، حيث القرار المطعون فيه يوجه رسالة قوية إلى كل قاض بان مصيره الابعاد من القضاء اذا هو سار على نفس نهج الطاعنة، اي ان الغاية هنا ضد المصلحة العامة، وهي ايضا ضد العدالة، وضد مصلحة الطاعنة شخصيا، وهي غاية في جميع الاحوال غير مشروعة، وكل ذلك مما يجعل القرار المطعون فيه معيبا بعيب الحيدة عن الهدف، مما يتعين الحكم بالغائه". وتشاء الصدف ان حددت الجلسة الاولى للنظر في هذه الدعوى في 17-2-2011 (اي يوم انطلاق الثورة الليبية)، وقد تم ارجاء المحاكمة في النهار المذكور بناء على طلب ممثلي الادارة الى 17-3-2011 ولم تنعقد آنذاك على خلفية تعطيل المحاكم الذي ما يزال ساريا في الزاوية وفي مناطق عدة من ليبيا تبعا لاندلاع الثورة.
ولكن ما كان موقف القضاة من احكام الجليدي ومما تعرضت له؟ تجيب الجليدي ان هؤلاء انقسموا في ظل نظام القذافي الى فئتين: فئة تؤيده ولكن تأييدهم بقي آنذاك على شكل مجاملات شخصية ولم يأخذ طابعا عاما بالنظر الى ضيق مساحات الحرية في ظل النظام المذكور، وفئة تعارضه وترى انه ينم عن رغبة بالاشتهار. اما الآن، فالكل يترقب اصلاحات شاملة بمعزل عن اي قضية بعينها. وتلحظ الجليدي ان  مقررات الاحكام قد نشرت قبل زوال النظام على مواقع الكترونية عدة وكما تم نسخ صور عنها وتوزيعها بين القضاة وقد اصدر احد القضاة[3] قرارا مماثلا في دعوى مماثلة عرضت عليه تيمنا بها.
 
 نشر في العدد الرابع من مجلة المفكرة القانونية
 


[1]يتولى محامو الشعب الدفاع عن الاشخاص الذين ليس بوسعهم توكيل محام خاص، كما يتولون الدفاع عن جميع المتهمين امام محكمة الشعب، وهي محكمة استثنائية لمحاكمة جرائم معينة غالبها سياسي او ضد النظام. وتشمل الحركة السنوية للقضاة في ليبيا امكانية نقل القاضي من عمله القضائي الى دائرة محاماة الشعب. وهو ما كان بالطبع بمثابة عزل مقنع.
[2] وهو نفسه الذي سيصبح فيما بعد رئيساللمجلس الوطني الانتقالي الليبي
[3] سيف الجمل.