من يدقق في منظومة حقوق الطفل في تونس وبمحورها المتمثل في مجلة حماية الطفل، يتكون لديه تصور عن تطور نوعي لوضعية الطفولة. على أن التدقيق المباشر بواقع الطفولة يكشف مؤشرات ذات دلالة مغايرة. فنجد ظاهرة تشغيل الأطفال في المهن الشاقة وفي قطاع عمل المنازل الى جانب ظاهرة أطفال الشوارع وتفشي التسرب الدراسي، فضلاً عن ظاهرة العنف الأسري. وبدورها ورغم قلة عددها، تؤكد الإحصائيات التي نشرت حول الطفولة التونسية انفصام الواقع عن الشعارات البراقة التي رافقت سن مجلة حقوق الطفل وكانت تردد طيلة فترة النظام الاستبدادي لتمجيدها. فإحصائيات المعهد الوطني لحماية الطفولة كشفت عن مؤشرات لتطور ظواهر هامة تؤشر الى تأزم وضع الطفولة ومنها تطور حالات انتحار الأطفال التي بلغ عددها سبع عشرة حالة سنة 2013 منها، فيما بلغت حالات اختفاء الأطفال 77 حالة خلال السنة ذاتها. ويؤكد التردي الفعلي لواقع الطفولة المهددة عجز مؤسسات حماية الطفولة عن تحقيق تطور حقيقي في هذا المجال. وهذا التفاوت بين النص القانوني والواقع إنما يفرض اعتماد مقاربة مغايرة في تقييم المنظومة القانونية، مقاربة تنزع هالة التقديس المحيطة بالنص القانوني للنظر في مواطن الضعف الهيكلي الحاصل في تحقيق غاياته.
حاولت مجلة حماية الطفل أن تتصور آليات حماية الطفل عبر مؤسستين، أولاهما مندوبو حماية الطفولة وثانيتهما قضاء الأطفال في سياق يجمع بين الحماية الإدارية والحماية القضائية. إلا أن التجربة تكشف أن هذه الآليات تبقى قاصرة عن ضمان الحماية المطلوبة.

مؤسسات حماية الطفولة المهددة: مؤسسات تعاني الهشاشة رغم تطور نسيجها
تتعدد المؤسسات التي تتدخل في حماية الطفولة المهددة إذ نجدها تتوزع بين:

1/ مراكز الدفاع والإدماج الاجتماعي وعددها عشرة موزعة على مختلف مناطق الجمهورية التونسية وتختص بدور تربوي تثقيفي إذ تتولى تنظيم دورات تكوينية للأطفال المهددين والجانحين وتلعب دور المؤسسة الثقافية التي تؤطرهم.

2/ المراكز المندمجة للشباب والطفولة ويبلغ عددها 21 مركزاً ويستفيد من خدماتها أكثر من 1000 طفل وتتمثل مهامها في:

- كفالة الأطفال المهملين وفاقدي السند العائلي الى غاية اندماجهم في المجتمع.

- إيواء الأطفال المهددين قصد رعايتهم وتربيتهم الى غاية زوال حالة التهديد.

- توفير نظام نصف الإقامة وخدمات تربوية واجتماعية ومادية في نطاق الوسط الطبيعي للأطفال الذين يعيشون صعوبات اجتماعية وعائلية.

3/ مؤسسات رعاية الطفولة بنظام النصف إقامة أو المتابعة بالوسط العائلي ويبلغ عددها 67. وفيما ينتفع بخدماتها أكثر من 5000 طفل تقدم لهم  خدمات تربوية واجتماعية باعتبارهم من فاقدي السند العائلي.  

4/ المعهد الوطني لرعاية الطفولة الموجهة لفئة الأطفال الفاقدين للسند العائلي والمتراوحة أعمارهم ما بين يوم و6 سنوات بطاقة استيعاب قدرها مئة وأربعين سريراً.

 تعدد المؤسسات وتنوع مجال تدخلها يوحي بقدرتها على تحقيق دورها، إلا أن جميع المؤسسات المعنية واجهتها ظاهرة اكتظاظ أدت الى إغراقها على نحو يتجاوز طاقتها. وقد أدى ذلك تبعياً الى فشلها في تحقيق دورها بعدما تحول بعضها لمؤسسات تهدد الطفولة بجمعها للأطفال الجانحين دون تأطير يحميهم أو يحمي الأطفال المهددين من جنوحهم.
ونتج من ذلك تبعياً تعطيل كامل للمؤسسات التي تعول في عملها على هذه المراكز. وفي هذا الإطار، تظل قرارات قضاة الأسرة بإيواء الأطفال في المؤسسات المختصة دون تنفيذ رغم صبغتها الاستعجالية وذلك بسبب الاستحالة المادية لتنفيذها. والعجز ذاته يبرز بالنسبة  لمندوبي حماية الطفولة الذين يعجزون عن إنجاز أبحاثهم في آجالها، فينجز بعضها بعد تحقق جنوح الطفل المطلوب حمايته أو بعد بلوغه سن الرشد. وتؤكد إحصائيات مصالح مندوبي حماية الطفولة تأثر قدرة المؤسسة على التدخل السريع والناجع جراء تعطل الآليات، إذ تذكر الإحصائيات المذكورة أنه من جملة 848 إشعاراً حُفظت سنة 2013،   تم حفظ 165 بسبب تعذر الاتصال بالطفل المعني بالحماية. كما أن ستة إشعارات منها انتهت بسبب وفاة الطفل المهدد.  
ويتدعم فشل المنظومة المؤسساتية بعدم التخصص الأكاديمي لجلّ الفاعلين في مجال الطفولة المهددة. فمندوب حماية الطفولة الذي يعتبر أول متدخل عند الإشعار بأي خطر يهدد سلامة الطفل يقع انتدابه من بين الحاصلين على شهائد عليا في القانون أو إحدى شعب العلوم الاجتماعية دون أن يكون له أي معرفة مسبقة ولا حتى لاحقة بعلم الطفل نفسه. والأمر نفسه بالنسبة لقاضي الأسرة: فعلاوة على عدم تمتعه بأي تكوين في مجال الطفولة والعلوم المهتمة بها، فهو غير متفرغ للأطفال المهددين. فباستثناء قصر العدالة بتونس، تكون خطة قاضي الأسرة من توابع نظر رئيس الدائرة الشخصية.

مؤسسات لم يتم تفعيلها: ضعف دور المؤسسات الاجتماعية
تحظى "عائلات الاستقبال" بمكانة هامة في تصور مجلة حماية الطفل لمعالجة أوضاع الطفولة الهشة سواء كانت مهددة أو جانحة. ورغم أن القانون حمّل الجهات الإدارية المختصة مسؤولية الضبط السنوي لقائمات تلك الأسر، إلا أن هذا الأمر لم يحصل منذ 1995. وقد اقتصر الاعتماد على المؤسسة في ما تعلق بنظام الإيواء العائلي للأطفال من خلال برنامج العيش المشترك ويخص صنفاً معيناً من الأطفال المهددين وهم فاقدو السند في الطفولة المبكرة دون سواهم.
لم ينجح القانون في تطوير ثقافة انفتاح الأسرة على الطفولة المهددة فيما قصرت مؤسسات الدولة في توفير فضاءات تحمي الطفولة ذاتها. وقد أدى ذلك الى تردّي وضعية الطفولة التي تحتاج الى حماية. ويبدو من المتعين اليوم التفكير في تصورات تصلح مؤسسات حماية الطفولة في اتجاه يسمح بتطورها من جهة عددها وطاقة استيعابها أولاً وكفاءة تدخلها ثانياً، والعمل بموازاة ذلك على توجيه طاقة المجتمع المدني نحو الاعتناء بهذه الفئة وتوفير الخدمات لها علاوة على إجراء الرقابة على مختلف الأطراف المتدخلة، بمن في ذلك المشرّع الذي اكتفى بتصور نصوص قانونية متطورة دون أن يعضدها بمؤسسات تضمن حسن تطبيقها.

*قاضية تونسية

نشر في العدد صفر من مجلة المفكرة القانونية في تونس