الى غاية السنوات القليلة الماضية، كانت ظاهرة العنف ضد النساءفي تونس من المَحظورات والمواضيع المسكوت عنها ولم يقع نشر مَسح وطني حول العنف المسلط على النساء تم إنجازه في 2010 إلا بعد إطاحة نظام الحكم. ويبيّن المسح أن 47 بالمئة من النساء اللاتي تتراوح أعمارهن بين 18 و64 سنة صرّحن أنهن تعرضنَ لواحد من أنواع العنف على الأقل مرة واحدة طيلة حيَاتَهن مع وجود تقارب كبير في هذا المعطى البياني بين الريف والمدينة . ويمثل العنف المادي (الصفع، اللكم، الضرب، الركل، الاحتجاز، الخنق، الحرق، التشويه،القتل...) الذي تَبلغُ نسبته % 31.7 أكثر أنواع العنف انتشاراً يَليها العنف النفسي (الإهانة والإذلال والتجاهل والتقليل من قيمة الشخص والسخرية والشتم والسب والقذف والاتهامات الباطلة...) بنسبة % 28.9 ويأتي العنف الجنسي (الاغتصاب، التحرش الجنسي، اللمس والتحسس، الاستغلال الجنسي للنساء والفتيات...) في المَرتبَة الثالثة بنسبة 15.7 %. أما العنف الاقتصادي (الحرمان من الأجر أو الاحتياجات الحيوية، فحظر العمل أو الإجبار عليه،التمييز في الأجر...) فهو يمثل نسبة 7,1%  فقط وتعكس هذه النسبة الضئيلة مدى استبطان النساء لتبعيتهن الاقتصادية.
وفي ما يخص الأماكن التي تتعرض فيها النساء إلى العنف، فقد بيّن المسح أن الدائرة الخاصة هي المجال الذي يتعرضن فيه إلى العنف أكثر من أي مجال آخر. كما أن البحث في علاقة المرأة ضحية العنف بالمعتدي بيّن أن الشريك الحميم (الزوج، الزوج السابق، الخطيب، الخطيب السابق، الرفيق الحميم، الرفيق الحميم السابق) يمثل المعتدي الأول مهما كان شكل العنف الموجه ضدها ولكن بنسب مختلفة وحسب شكل العنف، حيث تكون المرأة ضحية عنف جسدي من طرف شريكها في27,5 %  من الحالات، وضحية عنف نفسي في  11,2 %من الحالات، وضحية عنف اقتصادي في77,9 % من الحالات، وضحية عنف جنسي في %71,5  من الحالات.أما أفراد العائلة فهم مرتكبون للعنف الجسدي ضد المرأة في21 % من الحالات، والعنف الاقتصادي في55,0 % من الحالات والعنف النفسي في01,7 % من الحالات.
وتعد هذه المعطيات والمؤشرات الميدانية حول انتشار ظاهرة العنف ضد النساء صادمة وتدفعناللبحث عن الأسباب التي تقف وراءها في بلد يعتبر رائداً في مجال حقوق النساء.
تكمن العوامل الأساسية في قصور الترسانة القانونية عن حماية النساء من العنف، إذ إن بعض القوانين، باستبطانها للثقافة الأبوية والذكورية، مهّدت للعنف أو ساهمت حتى في إعادة إنتاجه في العديد من الأحيان. كل ذلك في سياق اجتماعي لم يعترف بعد كلياً بالمساواة بين الجنسين باسم الخصوصية الحضارية والدينية.
فعلى الرغم من المكاسب القانونية التي تحققت للتونسيات، فهن لا يزلن يواجهن التمييز الممأسس في العديد من المجالات القانونية، وهو ما يعد رافداً يتغذى منه العنف الذي يستهدفهن (أولاً). كما ساهمت المجلة الجزائية في تبرير العنف وإعادة إنتاجه من خلال العديد من الفصول وذلك عوض التصدي له (ثانياً).

منذ 2011، أتاحَت الثورة فسحة للحقوق والحريات مكّنت من تكثيف وتَقويَة النضالات من أجل المساواة التامة والفعلية بين النساء والرجال والتصدي لكل أشكال التمييز والعنف المسلط ضدهن، وهو ما يحتّم على الدولة اتخاذ جميع التدابير الكفيلة بالقضاء على العنف ضد المرأة لتجسيد مقتضيات الفصل 46 من الدستور الصادر بتاريخ 27 جانفي 2014 (ثالثاً).

الجزء الأول التمييز على أساس الجنس في القانون: أساس للعنف ضد النساء
ركزت العديد من الدراسات على الصراع في المعايير والقيم الذي يميز النظام القانوني التونسي بين القانون المتعلق بالمجال العام/ السياسي، والذي بُني - رسمياً على الأقل - على مبدأ المواطنة المتساوية، والقانون في المجال الخاص، في المقام الأول قانون الأسرة، الذي يقوم أساساً على التمييز وعدم المساواة بين الجنسين. وتطرح هذه الملاحظة جملة من الأسئلة حول تفاعل هذين المستويين في علاقتهما بظاهرة العنف الموجه ضد النساء.
ويحمل الجدل والنقاشات التي دارت داخل المجلس الوطني التأسيسي وخارجه حول حقوق النساء طيلة المسار التأسيسي أكثر من دلالة حول الفجوة في التصورات بين شق لا يؤمن بالمساواة الفعلية والتامة بين النساء والرجال ويشرّع للتمييز باسم الخصوصية الحضارية/الدينية وبين طيف واسع من القوى المدنية والسياسية الديمقراطية التي تطمح لتعزيز حقوق النساء باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من حقوق الإنسان الكونية. وقد تصدّت هذه القوى في كل مرة لمحاولات المسّ من حقوق النساء، من ذلك أن حزب حركة النهضة قدّم مشروعاً أولَ للدستور (أوت 2012) حاول فيه تمرير مفهوم التكامل في العلاقات بين الجنسين عوضاً عن المساواة وهو ما تم التصدي له إلى أن تمّ التراجع عنه. ولكن تدل العديد من المؤشرات على محدودية الخيارات التي اعتمدها الدستور الجديد في تجسيد مبدأ المساواة في المجالين الخاص والعام (1). كما ما زالت تحتوي مجلة الأحوال الشخصية على أحكام تمييزية ضد النساء وهو ما يمثل خزاناً حقيقياً للعنف ضد النساء (2).

1.  حدود دستور 27 جانفي 2014 
لئن أقر الدستور الجديد مبدأ التناصف في المجالس المنتخبة (الفصل 46)، ومن قبله مرسوم 35 لسنة 2011 المتعلق بانتخابات المجلس الوطني التأسيسي (الفصل 16)، فإن المسألة طُرحت من جديد وبحدة بمناسبة مناقشة القانون الأساسي للانتخابات التشريعية. وقد لقي مبدأ التناصف بين النساء والرجال على رأس القوائم على أساس التناوب الأفقيردود فعل عدائية من قبل العديد من النواب واعتراضاً في المجلس الوطني التأسيسي، وقد تم الطعن في دستورية الفصل 24 من مشروع القانون الانتخابي أمام الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية القوانين من قبل عدد من النواب المدافعين عن التناوب الأفقي، إضافة الى التناوب العمودي. ولكن الهيئة ارتأت عكس ذلك واعتبرت أن المقصود من الفصل 46  من الدستور هو فقط إلزام الدولة ببذل عناية لتمثيل المرأة داخل المجالس المنتخبة لتحقيق التناصف، وعليه اعتبرت أن الفصل 24 من مشروع القانون الانتخابي منسجم مع أحكام الدستور.

إن رفض التناصف الأفقي يعكس خطورة المقاومة المؤسساتية لمبدأ المساواة وضمان تكافؤ الفرص بين الجنسين في المجال السياسي. وهو دليل قاطع على تجذر الصور النمطية والعقلية الذكورية التي ترى في السياسة شأناً ذكورياً محضاً وتعتبر القيادة امتيازاً رجالياً.
أما في ما يتعلق بالمقاربة القانونية للمجال الخاص، فهي تتميز بالعديد من النقائص والكثير من الغموض واللبس، إضافة الى خطورة المسكوت عنه وهو ما يعتبر خزاناً لتغذية التمييز والعنف ضد النساء. لقد ظل النص القانوني حاملاً لرؤى وتصورات متنافرة، فهو يعكس حالة التوتر الدائمة بين روح التحرر وإعادة التوازن إلى دور النساء داخل الأسرة من جهة، وروح المحافظة واستنساخ مقوّمات الأسرة التقليدية والأبوية من جهة أخرى. ويتنزل في هذا الإطار تعريف الفصل 7 من الدستور الجديد للأسرة واعتبارها الخلية الأساسية للمجتمع، وأوكل للدولة حمايتها في حين أن هذه المؤسسة هي في أمسّ الحاجة الى إعادة التعريف. إضافة إلى ذلك تجدر الإشارة إلى عدم التنصيص في الفصل 46 من الدستور على مبدأ المساواة في ما يتعلق بالمحافظة على الحقوق المكتسبة للنساء وتطويرها.

2.   مجلة الأحوال الشخصية ومعضلة الازدواجية
لا تزال مجلة الأحوال الشخصية عالقة بين التطلع نحو بناء العلاقات بين الجنسين على أساس المساواة وعدم التمييز من جهة، وإعادة إنتاج التصورات القائمة على دونية النساء من جهة أخرى. إن المرأة الخاضعة للسيطرة هي الصورة الأساسية والتجسيد الحي للنموذج التقليدي الذي يرعاه النظام الأبوي. وعلى الرغم من كل التغيرات التي طرأت على التأطير القانوني للأسرة وهو ما أثّر علي شكلها ودورها ووظائفها الاجتماعية والثقافية، فإن العلاقات القائمة داخل الأسرة ما زالت ترتبط ببناء القوة التقليدي الذي يقوم على تفوق الرجل وسيطرته. إذ تبقى سلطة العائلة بيد الأب الذي هو رئيس العائلة وصاحب القيادة، مسكنه هو مسكن العائلة. وهذا الاحتكار لم يطرأ عليه أي تغيير منذ  1956.
كما تبرز هذه النزعة المحافظة بالخصوص من خلال "تقنين" الاغتصاب الزوجي والنشوز، وهما مؤسستان تضمنتهما مجلة الأحوال الشخصية بشكل يبرر ظاهرة العنف الأسري ويؤبده.
ينص الفصل51 من مجلة الأحوال الشخصية، على أن الواجبات الزوجية تحدد بما يقتضيه العرف والعادة، وهو ما يحيل إلى ممارسات وتقاليد قديمة تعكس وجود نظام اجتماعي أبوي مهيمن.
كما لا يزال المهر شرطاً من شروط صحة الزواج والبناء، حيث نص الفصل 13 من مجلة الأحوال الشخصية على أنه "ليس للزوج أن يجبر زوجته على البناء – أي العلاقة الجنسية - ما لم يدفع المهر". وهو ما يعني أنه يكفي أن يدفع الزوج المهر كثمن للعملية الجنسية حتى يجوز له إجبار المرأة على ممارسة الجنس، وبالتالي للزوج اغتصاب زوجته على معنى هذا الفصل.
وتقوم مؤسسة النشوز، التي تستمد وجودها من النص القرآني، والتي ما زالت تعتمد من قبل مختلف المحاكم التونسية، على واجب المعاشرة الذي يمثل أداة لإخضاع الزوجة لزوجها، ويعدّ العصيان خطأً معمراً لذمتها يمكن أن يترتب عليه الطلاق.
كل هذه أمثلة تدل على عَجز المُشرع عن استيعاب ظاهرة العنف ضد النساء والتصدي لها وتعبر عن تشبثه بمقاربة قانونية تعكس العقليات السائدة بمرجعياتها الثقافية والدينية المحافظة.

الجزء الثاني من المجلة الجزائية: أداة لإعادة إنتاج العنف ضد النساء
يمكن أن نفسّر نسَب العنف المرتفعة في تونس بمحدودية الإجابات القانونية عليه حيث تتَبَنى النصوص القانونية في العديد من الأحيان الصور النَمَطية في العلاقات بين الجنسين بشكل يعيد إنتاج العنف بِفعل القانون وهو ما يبرز بالخصوص من خلال المجلة الجزائية.
وقد تميز تطور التشريعات في هذا الخصوص بمفارقة أساسية تتمثل في البون الشاسع بين إطار قانوني يأخذ بعين الاعتبار، أكثر فأكثر، بخصوصية العنف المسلط ضد النساء وضد القاصرات من خلال تجريم العنف الأسري واعتبار صلة القرابة/الزوجية ظرف تشديد للعقوبة (الفصل 218 من المجلة الجزائية) وتصوراً تقليدياً تتبناه بعض أحكام المجلة والتي تجعل من أجساد النساء قلعة للنظام الأخلاقي الأبوي ورمزاً لشرف العائلة. 
ويمكن في هذا الإطار أن نذكر الفصل 227 مكرر من المجلة الجزائية الذي يعتبر أنه في صورة مُوَاقَعة قاصرٍ بِرِضاها تسقط التَتَبعات القَضَائية ضد الفاعل إذا تزوج بالضحية. وهو ما يعني مٌكَافَأَة المغتصب من خلال تَزويجه بالضحية، ما يسمح باغتصابها المستمر في إطار الزوجية فقط لتمكينه من الإفلات من العقاب، وهو ما يعدّ شكلاً من أشكال العنف ضد القاصرات، باعتباره يضفي شرعية على الاعتداءات الجنسية ويعد مصدراً دائماً للمعاناة والحرمان من العدالة بالنسبة للقاصرات. وبهذا يكون المشرّع قد أثر الحفاظ على النظام الاجتماعي والأخلاقي على حساب حماية الضحية.
من جهة أخرى، يعاقب المُشَرِّع التونسي عدداً من الجرائم الجنسية ومنها الاغتصاب في الفصل 227 والتحرش الجنسي من المجلة نفسها في الفصلين 226 ثالثاً ورابعاً منذ تنقيحها في 2004. وقد تم تعريف التحرش الجنسي بأنه "كل إمعان في مضايقة الغير بتكرار أفعال أو أقوال أو إشارات من شأنها أن تنال من كرامته أو تخدش حياءه، وذلك بغاية حمله على الاستجابة لرغباته أو رغبات غيره الجنسية أو بممارسة ضغوط عليه من شأنها إضعاف إرادته على التصدّي لتلك الرغبات".
ولكن تجدر الاشارة إلى أن هذين الفصلين لا يوفران في واقع الأمر حماية لضحايا التحرش الجنسي، حيث إن العقوبة قد تختلف حسب تأويل القاضي لعبارات القانون نظراً لصبغتها العامة، إضافة إلى صعوبة إثبات الركن المادي والركن القصدي للجريمة.
تفتقد المنظومة القانونية التونسية حالياً مقاربةً تشريعية شاملة للتَصدي للعنف ضد النساء، حيث يتجاهل المُشَرِّع تعريف العنف كما ورد في النصوص الدولية وبمختلف أشكاله، سواء ارتكب في الفضاء العام أو الفضاء الخاص، وهو ما استوجب العمل في الفترة الأخيرة لتدارك هذا النقص الفادح.

الجزء 3 خطوات على درب مكافحة العنف ضد النساء
في مجال مكافحة العنف الذي يستهدف النساء، تحققت اليوم للتونسيات على الأقل في المستوى القانوني بعض المكاسب، وذلك بإصدار الدستور الجديد في 27 جانفي 2014 والذي ينص في الفصل 46 على أن "الدولة تتخذ كل الإجراءات الكَفيلة بالقضاء على العنف ضد المرأة". ويعد هذا الفصل اعترافاً دستورياً بالعنف الخصوصي المسلط على المرأة كما يمثل إلزاماً للدولة بحماية النساء منه، وهو حصيلة لعمل الحقوقيات والحقوقيين والجمعيات النسوية في تونس على امتداد سنوات عدة.
لئن مثّلالدستور خطوة هامة في مجال مكافحة التمييز والعنف الموجه ضد المرأة، فهو بحاجة إلى خطوات أهم لتجسيد فحواه وتتمثل أساساً في ملائمة كل التشريعات مع الدستور وتَنقيتها من الفصول التمييزية واقتراح نصوص تحترم مقتضيات الدستور الجديد والمعايير الدولية لحقوق الإنسان للنساء.
في هذا الإطار تم إعداد مشروع قانون شامل حول العنف المسلط على النساء يعتمد التعريفات المتَفق عليها دولياً للعنف. ويعتبر من قبيل العنف كل أشكال العنف الجسدي أو المعنوي أو الجنسي أو الاقتصادي أو التهديد به أو التحريض عليه الذي تتعرض اليه النساء وأطفالهن والفتيات في الوسط المعيشي، سواء كان زوجياً أو أسرياً أو حميمياً أو مؤسساتياً أو في الحياة العامة والجماعية  كالطريق العام وفضاءات الأنشطة الاجتماعية والمهنية والتربوية والصحية والثقافية والترفيهية وغيرها أو مؤسسات  التدريس والتكوين والإيواء ووسائل النقل العمومي الحضري والريفي وغيرها، يُرتكب من أي شخص أو أكثر أو مجموعة مهما كانت طبيعتها، بما في ذلك العنف المسلط من أجهزة الدولة والأمن والتي يترتب عليها أذى أو معاناة أو أضرار جسدية أو نفسية أو جنسية أو اقتصادية أو صحية أو اجتماعية أو  حرمان قسري من الحريات.
كما يقوم مشروع القانون على مقاربة شاملة بخصوص سبل التصدي للعنف حيث يتضمن وقاية النساء بشكل قبلي من العنف، كما يضمن معاقبة المُعتَدين ورَدعِهم ويَكفَل الإحاطة بالناجيات من العنف.وقد تم تكوين لجنة من الخبراء من مختلف الاختصاصات القانونية وعلم الاجتماع وفي الصحة الإنجابية قامت بصياغة مشروع القانون. وقد اعتمدت كتابة الدولة للمرأة والأسرة في مسار إعداد هذا القانون منهجاً تشاركياً  مدمجاً لمختلف الهياكل الحكومية ومكوّنات المجتمع المدني في مختلف الجهات. وسيمثل إصدار هذا القانون مكسباً تشريعياً في سبيل حماية الحرمة الجسدية والمعنوية للمرأة، صيانة لإنسانيتها وكرامتها وخطوة مهمة نحو القضاء الكلي على أشكال العنف ضد النساء والفتيات.
 
تعريب وتصرف جنان الإمام
 
 نشر في العدد صفر من مجلة المفكرة القانونية في تونس