في 22/10/2014، أصدرت محكمة صلح حقوق عمان برئاسة القاضية هيفاء الكيالي حكماً أدانت فيه السلطات الأردنية لاحتجازها مواطناً مصرياً احتجازاً تعسفياً وألزمتها بدفع مبلغ قدره 2000 دينار أردني تعويضاً عن العطل والضرر الناجمين عن ذلك. وكان قد تم احتجاز المدعي – وهو مواطن مصري يسكن في الأردن منذ العام 2004 بصفته عاملاً مهاجراً - لفترة سنة وأربعة أشهر إثر خلاف بينه وبين صاحب العمل الأردني (الكفيل). فقد أدى هذ الخلاف الى إلغاء تصريح العمل العائد له دون إعلامه بالأمر عملاً بنظام الكفالة، والى صدور قرارين من محافظ العاصمة بإبعاده وتسفيره الى بلاده، وتالياً الى احتجازه لحين تصفية أموره وتنفيذ قرار المحافظ بالإبعاد. إلا أن إضراب المدعي عن الطعام أدى الى الإفراج عنه في 20/1/2011. وبعد أشهر من ذلك وتحديداً في آب 2011، قدم بواسطة منظمة "تمكين"، وهي منظمة تُعنى بتقديم المساعدة القانونية للعمال المهاجرين في هذا البلد، دعوى ضد كل من وزير الداخلية ومدير الأمن العام ومدير مركز إصلاح وتأهيل الجويدة ومحافظ العاصمة بصفتهم مسؤولين جميعاً عن احتجازه التعسفي وتدهور حالته المعنوية، المادية والصحية، مطالباً بالتعويض عن العطل والضرر المادي والمعنوي والنفسي بالإضافة الى بدل الكسب الفائت. وقد أدت هذه الدعوى تبعاً لقرارات قضائية ذهبت في اتجاهات عدة[1] الى إصدار القرار موضوع التعليق. وهذا الحكم يستدعي ثلاث ملاحظات:

أولاً، تنامي جهود المساعدة القضائية وبروز توجه نحو اعتماد التقاضي الاستراتيجي
تشكل هذه القضية بحد ذاتها مؤشراً هاماً على تنامي جهود المساعدة القانونية في الأردن، وعلى بروز توجّه معيّن نحو اعتماد التقاضي الاستراتيجي أي التقاضي الهادف الى تحقيق تغيّر معين في الممارسات أو القواعد المعمول بها، من خلال القضاء. وهذا الأمر يبرز من خلال الادّعاء المقدّم والذي أظهر بوضوح توجهاً نحو إعطاء القضية الفردية للعامل المصري طابع القضية العامة. فبعدما تم الإدلاء بأن احتجاز المدعي تم من دون أي سند قانوني على نحو يشكل مخالفة للمادة الثامنة من الدستور الأردني، عمد الادعاء الى دحض مبررات الإدارة العامة للاحتجاز في هذا المجال. فالقانون الأردني (على غرار القانون اللبناني) اشترط لتبرير الإبعاد المبرر للتوقيف أن يتم بهدف "الحفاظ على الأمن والسلامة العامة"، وهو أمر غير متوافر في القضية تلك ما دام المدعي ليس من ذوي الأسبقيات وليس هنالك "ما يشير إشارة قوية لإقدامه على ارتكاب جريمة". كما بيّن الادعاء أنه حتى في حال توافر سبب للإبعاد، فضلاً عن وجوب توافر شرطي التناسب والضرورة عند اتخاذ قرار التوقيف، وهذا ما لم يأخذ بعين الاعتبار في هذه القضية، خاصة أن "قانون العمل الأردني لا يستوجب هذا العقاب القاسي الذي نفذ بحقه دون أن تتاح له فرصة التظلم أو الاعتراض". كما أنه، على فرض وجود مبرر للإبعاد، فإن لا شيء يبرر استمرار التوقيف لهذه المدة الطويلة عملاً بمبدأ التناسب. فـ"توقيف المدعي إدارياً سنة وأربعة أشهر تحت مسمى ضرورات الإبعاد يجافي العقل والمنطق والقانون ومبادئ العدالة ومقتضيات العدل والضرورة وأن التوقيف بحجة الإجراءات المتخذة هو من قبيل التعسف في استعمال السلطة التي منحها القانون للمدعى عليهم من حيث عدم التناسب بين الفعل والضرر (...) حتى أن الإجراءات التي تمت لم تكن جدية وبالقدر الكافي واللازم لإنهاء وحل مشكلة المدعي مقابل الاستمرار في حجزه  لفترة غير محددة". وقد بيّن الادعاء تعزيزاً لموقفه "أن توقيف المدعي استمر بحجة الغرامات المترتبة على زوجته، ما ينافي مبدأ فردية العقوبة".
وأهم من ذلك، فقد اعتبر الادعاء أن ما قام به المدعى عليهم من إبقاء المدعي محتجزاً تعسفياً يمكن اعتباره من ضروب المعاملة القاسية واللاإنسانية وفق تعريف المادة 16 من الاتفاقية المذكورة والتي صادق عليها الأردن[2]. وفيما أشارت المرافعة الى خلو القانون الأردني من "النص على مسؤولية الدولة في تعويض الأفراد عن الضرر الناتج من أعمال وتصرفات تابعيها، غير أنها لفتت الى أن القانون الدولي[3] (الذي يسمو على القانون المحلي وفقاً لاجتهاد محكمة التمييز الأردنية) يضمن حق كل شخص بالتعويض عن العطل والضرر الناتج من احتجازه تعسفاً.
وقد انتهت المرافعة بالطلب من المحكمة سماع "البيّنة الشخصية لإتاحة الفرصة أمام المدعي لإثبات كل عناصر الضرر الذي لحق به وإجراء الخبرة الفنية[4] بشقيها بمعرفة خبير مختص أو أكثر (...) لتقدير قيمة الضرر المادي والمعنوي والنفسي الذي لحق بالمدعي". واستطراداً إلزام المدعى عليهم بقيمة التعويض الذي سيحدده أهل الخبرة.   
ويلحظ هنا أن جمعية تمكين التي تابعت عدداً من حالات الاحتجاز التعسفي قد اختارت أن تقدم دعوى لشخص أُفرج عنه، وذلك ربما تجنباً للأضرار التي قد تنتج منها دعاوى مماثلة لجهة إطالة أمد احتجازه أو التسبب بأي ضرر للمدعي من جراء الدعوى.

ثانياً، دور القضاء في حماية الفئات المهمشة
يشكل هذا الأمر الحكم الأول من نوعه لجهة إدانة التعسف في ممارسة الاحتجاز الإداري في الأردن، والذي وصفته المحكمة "التعسف باستعمال الحق القانوني" من قبل السلطات الأردنية. وهو من هذه الزاوية، يشكل مؤشراً بليغاً على أنه باستطاعة القضاء أن يحمي أضعف فئات المجتمع.
وقد عرضت المحكمة بداية وقائع القضية التي وصفتها بالثابتة والتي وثقت واقعة توقيف المدعي أولاً من قبل مفتشي العمل ولاحقا توقيفه إدارياً بهدف ترحيله بناءً على قرار محافظ العاصمة. وبعدما عرضت مطالب المدعي بالتعويض عن احتجازه التعسفي والمعاملة القاسية واللاإنسانية التي لقيها، عرضت القانون المطبق في هذه الحالة، وهو برأيها القانون المدني الأردني الذي يضمن لكل متضرر حق مطالبة الجهة التي تسببت بضرره بتعويض. وبنتيجة ذلك، خلصت الى إلزام الدولة بتسديد تعويض عطل وضرر الى المدعي قدره ألفا دينار أردني (حوالي ألفين وستمئة دولار أميركي أي بمعدل يقارب مئتي د.أ عن كل شهر)، على ضوء تقدير الخبير الذي كانت قد عيّنته في متن خبرته الفنية.
وعن مسألة إبقاء المدعي موقوفاً الى حين تصفية الغرامات المتراكمة على زوجته، استمدت المحكمة من هذه الحادثة ما يؤكد التعسف ما دام التوقيف قد تم لأسباب لا يسأل عنها المدعي بحال من الأحوال.
وبذلك، أثبتت المحكمة ما يمكن للقضاء الأردني أن يؤديه من أدوار هامة في حماية الأشخاص الأكثر تهميشاً. ويلحظ هنا أن القاضي آثر الاستناد الى القوانين الداخلية الأردنية، متجنباً الخوض بالمقابل في الادعاءات التي تستند الى اتفاقية مناهضة التعذيب أو سواها من المعاهدات الدولية، وكأنه يهدف الى إثبات مخالفة الإدارات العامة لواجباتها، من دون تحميل الدولة الأردنية مسؤولية الإخلال بمعاهدات أو اتفاقيات دولية.

ثالثاً، استحضار التجربة اللبنانية في مجال الاحتجاز التعسفي
إن هذا الحكم، بما تخلله من التزام حقوقي بالتقاضي عن العامل المصري، يستحضر الى الذاكرة تجربة مشابهة خيضت في لبنان في مواجهة المديرية العامة للأمن العام في السنوات السابقة، وخاصة في سنتي 2009-2010. فخلال هذه الفترة تقدم عشرات اللاجئين العراقيين بدعاوى بوجه وزارة الداخلية – المديرية العامة للأمن العام، بسبب قيام هذه الأخيرة باحتجازهم تعسفياً، من دون أي سند قضائي. وقد صدرت حينها أحكام عدة أدانت الدولة اللبنانية بإقدامها على انتهاك الحرية الشخصية وألزمتها بإخلاء سبيل الأشخاص المحتجزين فوراً. وقد ذهبت حركة التقاضي تلك في مرحلة ثانية الى مطالبة الدولة بتسديد سلفة على حساب التعويض عن الأضرار الحاصلة من جراء التوقيف التعسفي، وهذا ما أقرته قاضية الأمور المستعجلة في بيروت زلفا الحسن في حكمين صدرا لها في 8-6-2010. وقد حظيت يومها هذه الأحكام بمواجهة عنيفة من قبل المديرية العامة للأمن العام التي اتهم مديرها العام حينها القاضية بأنها "لا تعرف ما تقوم به"[5]. كما أن القاضية الحسن ذهبت الى إلزام الحكومة بتسديد ستين مليون ليرة لبنانية في قرارها الصادر في 5/12/2013 وذلك من جراء تأخرها في تنفيذ قرارها بالإفراج الفوري عن أحد اللاجئين العراقيين. ولا تزال الأحكام المتصلة بتسديد تعويضات، على أهميتها، غير منفذة حتى تاريخه.
 
٭باحثة في القانون، من فريق عمل المفكرة القانونية

نشر في العدد الثالث و العشرين من مجلة المفكرة القانونية في لبنان

يمكنك الضغط على الرابط أدناه لتحميل نص القرار كاملا

للإطلاع على النص مترجما الى اللغة الإنكليزية يمكنك الضغط هنا
                                       

[1]بتاريخ 31/5/2012، أصدر قاضي الصلح في عمان حكما برد الدعوى لعدم الاختصاص، وقد فسخت محكمة استئناف عمان في 20/6/2013 الحكم المذكور لتعيد الأوراق الى مصدرها.
[2]تنص المادة 16 من اتفاقية مناهضة التعذيب: 1.  تتعهد كل دولة طرف بأن تمنع، في أي إقليم يخضع لولايتها القضائية، حدوث أي أعمال أخرى من أعمال المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة التي لا تصل إلى حد التعذيب كما حددته المادة 1، عندما يرتكب موظف عمومي أو شخص آخر يتصرف بصفة رسمية هذه الأعمال أو يحرض على ارتكابها، أو عندما تتم بموافقته أو بسكوته عليها. وتنطبق بوجه خاص الالتزامات الواردة في المواد 10، 11، 12، 13 وذلك بالاستعاضة عن الإشارة إلى التعذيب بالإشارة إلى غيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة.
2.
 لا تخل أحكام هذه الاتفاقية بأحكام أي صك دولي آخر أو قانون وطني يحظر المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة أو يتصل بتسليم المجرمين أو طردهم.
[3]ذكرت المرافعة المواد 10 و12 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والمادة 9 من العهد العالمي لحقوق الانسان
[4]بالمقصود بالخبرة الفنية وفق ما ورد في المرافعة الخطية: تعيين خبير لإجراء الخبرة الفنية لتقدير قيمة الضرر المادي والمعنوي والنفسي وبدل الكسب الفائت الذي لحق بالمدعي نتيجة لأفعال وتصرفات المدعى عليهم، بالإضافة الى تبيان مدى تطابق السلوك الصادر عن المدعى عليهم مع المعايير الدولية ولتحديد السلوك اللاحق للدول الأطراف في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
[5]عن كل هذه الأمور، يراجع جمعية رواد فرونتيرز،"اللجوء الى الاحتجاز التعسفي سياسة فوق الدستور"، 2010