قرر المجلس الوطني التأسيسي التونسي تخصيص لجنة تتكون من عدد من اعضائه تتكفل باعداد مشروع الفصول الدستورية التي تتعلق بالقضاء وتتولى بلورة تصورات لصيغ اصلاح القضاء من خلال آليات تشريعية. وقد انطلقت اللجنة التي سميت لجنة القضاء العدلي والاداري والمالي والدستوري في اعمالها بجلسات استماع شملت القضاة علاوة على الشخصيات الوطنية التونسية التي عرفت بتخصصها في مجال القانون الدستوري او بنشاطها الحقوقي والسياسي او تلك ذات الخبرة في مجال الفعل التأسيسي ممن ساهمت في صياغة الدستور الاول للجمهورية التونسية.
وشكل استقبال القضاة بقصر المجلس التأسيسي ودعوتهم لابداء مقترحاتهم فيما يتعلق بالنصوص الدستورية التي تؤطر السلطة التي ينتمون اليها حدثا مميزا اسال حبر الصحف المحلية وتداولت مجالس الحقوقيين الصخب الذي رافقه بسبب تنازع شرعية التمثيل بين مختلف مكونات المشهد القضائي. فقد تصارع على صفة تمثيل القضاة جمعية قضاة تستند لشرعية نضالية وتاريخية، ونقابة قضاة واتحاد قضاة اداريين يعتبران نفسيهما مكسبا ثوريا[1]. وكان سلاح الصراع تبادل الاتهامات والتشكيك في التمثيلية. اما حلبة الصراع، فقد تمددت من المحاكم الى المنابر الاعلامية وكل ارض وطأتها قدم قاض. وانتظر الجميع ان ينجح القضاة في جعل "ضاحية باردو" الواقعة قرب العاصمة التونسية وحيث مقر المجلس التأسيسي، حلبة صراع جديدة. ولم يطل الانتظار. وكان الحدث يوم فاجأت رئيسة المحكمة الادارية، السيدة حبيبة المشيشي، التي كانت مصحوبة بوفد يمثل محكمتها في طالع عرضها لمقترحاتها، اعضاء اللجنة بلوم بلغ حد التقريع وجه اليهم على خلفية استقبالهم لوفد يمثل اتحاد القضاة الاداريين (الهيكل النقابي الذي اسسه قضاة من المحكمة الادارية ) لكونها تعتبرالاتحاد المذكور "هيئة فاقدة للشرعية الانتخابية او التمثيلية"
الا ان رد رئيس اللجنة الاستاذ محمد فاضل موسى على اعتراض رئيسة المحكمة الادارية  والذي كان جازما في تأكيده على ان اعضاء لجنته سيستمعون الى جميع الآراء لان ذلك في تقديرهم مهّم من اجل صياغة نص دستوري ذي قيمة يضبط بشكل منهجي باب السلطة القضائية في الدستور المرتقب. واستدعاء اللجنة لممثلي نقابة القضاة وجمعية القضاة في نفس اليوم رغم تبادل التشكيك بينهم جعل صراع الاقصاء ينتهي لفائدة صراع البرامج، فيما قد يعد بداية حقيقية لقبول القضاة رغما عنهم بحقهم في التعددية النقابية وبحق الاختلاف فيما بينهم ونجاحا للجنة في هذا الشأن.     
وتوقع البعض ان تكون الورقات التي قدمتها هياكل القضاة متضاربة تضارب الهياكل، متباعدة تباعدها، الا ان الحاصل خيب الفرقة وكشف ما يشبه الوحدة في الافكار والتمشي مع اختلافات في التفاصيل تصنع التميز وتكسر الرتابة وتبين ان الاجتهاد والرغبة في الاصلاح اخذت هذه المرة طابعا جامعا. والدعوة لنقاش اصلاح القضاء سمح للقضاة بوضع  لبنته الا ان مسألة الاصلاح وآلياتها لا يمكنهم احتكار فتواها.    
وهكذا، حملت رئيسة نقابة القضاة السيدة روضة العبيدي لاعضاء المجلس التأسيسي ورقتين تخص الاولى المبادئ التي تقدر النقابة انه يتعين تضمينها بدستور الجمهورية التونسية الثانية فيما خصصت  الثانية للنصوص القانونية التي يتجه اصدارها لتنظيم مجلس القضاء العدلي الاعلى. وكانت رئيسة جمعية القضاة السيدة كلثوم كنو قد تسلحت في لقائها مع اعضاء اللجنة بلائحة المؤتمر العاشر الخارق للعادة لجمعيتها والتي تضمنت ورقة حول الحماية الدستورية لاستقلال القضاء وبتصور للجنة المؤقتة لادارة القضاء العدلي. ويتضح من مراجعة المقترحات الدستورية التي تقدمت بها الهيئتان (الجمعية والنقابة) انها اقتصرت على المبادئ المتعلقة بالقضاء في فروعه العدلية والادارية والمالية دون ان تتعرض لما يتعلق بالمحكمة الادارية ودائرة المحاسبات في خصوصياتها، كما احجم كلا المشروعين عن اقتراح نصوص دستورية تخص القضاء الاداري والمالي.
 وفي محاولة لسد الثغرة في هذا المجال، تقدم قضاة المحكمة الادارية المحسوبون على الجمعية والذين تتزعمهم رئيسة المحكمة وقضاة دائرة المحاسبات الذين آثروا النأي بانفسهم عن آتون الانقسامات بمشاريع مستقلة، فيما تقدم اتحاد القضاة الاداريين بوصفه هيكلا نقابيا بمشروعه. وما يحسب لعموم الفرقاء الذين تقدموا بمشاريع النصوص الدستورية انهم التزموا بشكل واضح بالمبادئ الدولية لاستقلال القضاء، فقد اتحدت المشاريع التي قدمت رغم الفرقة المعلنة في المطالبة بالتنصيص على القضاء كسلطة من سلط الدولة وعلى استقلالية القضاة في احكامهم. كما اكدت على الضمانات المقررة فقها لضمان تلك الاستقلالية واهمها مبدأي عدم نقلة القاضي دون رضاه وعدم قابلية القاضي للعزل. ويعود الفضل في الاتفاق على ضرورة تضمن الدستور لمبادئ الاستقلالية لموروث ثقافي استبطنه القضاة التونسيون. فجمعية القضاة الشبان التي نشطت خلال ثمانينات القرن الماضي ومن بعدها وريثتها جمعية القضاة التونسيين، تمكنتا من توعية السواد الاعظم من القضاة بضرورة تبني مبادئ استقلالية القضاء المقررة دوليا لتحقيق الشروط الواجبة موضوعيا لذلك كما تشهد على ذلك بيانات الهيكلين ولوائحهما. وهو ما يكشف عن مفارقة قد تبدو غريبة نوعا ما، فالقضاء التونسي الذي يجمع الملاحظون على ضعف ادائه ابان الحقبة الاستبدادية فيما تعلق بالاحكام التي اصدرتها محاكمه تميز في نشاط هياكله بحس استقلالي تقدمي منفتح وشديد القدرة على ممارسة النقد الذاتي انتهى الى تشخيص علل القضاء واقتراح الاستطبابات الواجبة له. وهنا يتبين ان جمعية القضاة ونقابة القضاة واتحاد القضاة الاداريين وقضاة المحكمة الادارية وقضاة دائرة المحاسبات حرصوا في صياغتهم لمقترحاتهم على اعلان وفائهم لمطالب اضحت جزءا من ادبيات الحركة النقابية القضائية. والواقع ان اجماع القضاة على وجوب تضمن الدستور للمبادئ الاساسية بشأن استقلال السلطة القضائية التي اعتمدتها الجمعية العامة للامم المتحدة في قرارها 40/32، المؤرخ 29 تشرين الثاني/ نوفمبر 1985 لا يشكل عزفا خاصا بهم في ساحة الدستور المرتقب وانما يلتقي مع  اجماع  كافة مكونات المشهد السياسي للمجلس الوطني التأسيسي.ويفترض بالتالي ان لا يكون اعتماد المبادئ المذكورة من المسائل الخلافية عند الصياغة النهائية لمشروع دستور الجمهورية التونسية وانما هي مسألة وفاقية اجمع التونسيون على اعتبارها بوابة بناء دولة القانون. وبالتالي فان مقترحات القضاة المتمثلة في ارساء مبدأي عدم قابلية القاضي للعزل وعدم نقلة القاضي بدون رضاه يرجح ان تكون الاستجابة لها من باب المسلمات. وهنا يتعين انتظار ما يعقب ذلك لمعرفة كيفية التعاطي المستقبلي مع المكسب المذكور. فوزارة العدل ومن خلفها السلطة السياسية التي اعتادت استعمال نقلة القاضي من مركز عمله كعقوبة مقنعة ووسيلة ضغط تضمن لها خضوع القضاة في اعمالهم لاملاءاتها مخافة نقل تؤثر على استقرارهم الاسري. والقضاة الضالعون في الانحرافات المالية والاخلاقية والمهنية الذين وجد بعضهم في العقوبات المقنعة حماية لهم بما انها تحفظ لهم مواصلة فسادهم والتستر عليه في صورة افتضاح امرهم بنقل غير معللة او الزام بالاستقالة. ويصعب تصور تعاطي متحكم الامس ومحمي السيد مع المستجد متى تحقق وكيفية بحثهم عن وسائل وبدائل تمكنهم من حماية مواقعهم وسلطاتهم. وتتعين الاشارة في هذا الاطار لكون وزارة العدل لا زالت تباشر حركات تنقلات للقضاة لا تستجيب للمعايير التي وعد بها وذلك على الرغم من تصريح مسؤوليها بالتزامهم العمل من اجل تطوير القضاء بما يجعله مستجيبا لهذه المعايير. وقد عدت هذه التنقلات التي تصدر خارج اطار الحركة القضائية وبقرار من وزير العدل في جزء هام منها عقوبات نقل مقنعة. وهو ما يعني ان ادارة وزارة العدل ما زالت ترفض التنازل عن سلاح النقل كاداة ترتب بها البيت القضائي، - بما يفيد ان- نقلة القضاة كعقوبة سيستمر اعمالها الى حين الصدور الفعلي للنص الدستوري. ويؤكد الملاحظون على ان ارساء المبدأين يجب ان يقترن بالمحاسبة اي ان محاسبة شفافة للقضاة الذين تورطوا في فساد مالي واداري يجب ان تسبق وتقترن مع ارساء المبدأين لكي لا تتحول شروط الاستقلالية الى ادوات حماية لسوس ينخر الجسد القضائي من الداخل وعدم علاجه قد يفضي الى بروز مافيا قضائية اعتادت الفساد ونزع عنها الخوف. فمن اعتادوا الارتشاء والفساد الاخلاقي ومن كانت بهم نوازع زيغ عن السلوك القضائي المستقيم وكانوا يخافون العقوبة والنقل فلا يجاهرون بفسادهم ويتحرون في ممارسته الستر، قد يجدون انفسهم في الغد المنظور متمتعين بحماية المبادئ دون محاسبة حقيقية او تحميل جدي للمسؤوليات بما يمكنهم من المجاهرة بفسادهم مع تمتعهم بالانتماء لسلطة قضائية عصية على المساءلة.
 وتمسك القضاة بمختلف طيفهم بمطلب قد يبدو شكليا واصطلاحيا يتمثل في وجوب التنصيص صلب الدستور بصريح عبارة سلطة عند التطرق للقضاء تساعد القراءة التاريخية على فهمه. فدستور الجمهورية التونسية الاولى الذي صدر في شهر جوان 1959 تراجع واضعوه عن وصف القضاء بالسلطة بعد نقاشات طويلة دافع خلالها انصار الزعيم الحبيب بورقيبة على اعتبار القضاء  يتنزل في الدولة منزلة دون السلطة وهو ما كشف منذ بدايات تأسيس الجمهورية الاولى ان الاصطلاح ليس مجرد صياغة لغوية بل هو تصور كامل يقوم على تجيير القانون لجعل القضاء هيكلا اداريا يخضع للحاكم. فما اتى بدستور الجمهورية الاولى من تجاهل للقضاء كسلطة مقابل اعلان عن استقلال فردي لقضاة عند الحكم انتهى الى ارساء منظومة جعلت القضاء فرعا تابعا للسلطة التنفيذية. والقضاة في اصرارهم على التصريح بمؤسستهم كسلطة يرومون القطع الفعلي والنفسي مع تاريخ من التبعية للسلطة التنفيذية والطبقة الحاكمة  والتأسيس لمستقبل يكونون قادرين فيه على التعامل بندية مع بقية سلط الدولة تحقيقا لدولة القانون وتجسيدا لمقولات الثورة التي كان شعارها الشعبي المحاسبة ل"عصابة السراق" ولن تتحقق هذه المحاسبة الا بقضاء مؤسس مستقل. وبالتوازي مع حديث الدستور كانت مسألة مجالس القضاء العليا بدورها موضوع تطارح مشاريع بين جمعية القضاة ورئاسة المحكمة الادارية من جهة ونقابة القضاة واتحاد القضاة الاداريين من جهة اخرى. ولم تخل المسألة من تجاذبات: فبعد ان انتهى  نواب المجلس الوطني التأسيسي بقانونهم التأسيسي عدد 6 لسنة 2011 المؤرخ في 16 ديسمبر 2011 والمتعلق بالتنظيم المؤقت للسلط العمومية الى صياغة التزام قانوني باصدار  قانون اساسي ينشئ بموجبه هيئة وقتية للاشراف على القضاء العدلي تحل محل المجلس الاعلى للقضاء مع ضبط تركيبتها وصلاحياتهاوسن نصوص تشريعية تكفل اعادة تنظيم القضاء واعادة هيكلة المجالس القضائية العليا العدلية والادارية والمالية وضبط اسس اصلاح المنظومة القضائية. ويستخلص من هذا التوجه ان مسألة المجالس القضائية العليا اضحت محكومة بمسارات متباينة فالقضاء الاداري والمالي ترك امر اعادة هيكلة مجالسهما الى ما بعد صدور قانون تأسيسي يعيد الهيكلة. ورحبت جمعية القضاة بهذا الطرح فيما اعتبر اتحاد القضاة الاداريين ومن خلفه نقابة القضاة ان تأجيل اصلاح المجلس الاعلى للمحكمة الادارية يتعارض مع استقلالية هذه المحكمة لكون المجلس يرأسه وفق القانون الحالي رئيس الحكومة اي رئيس السلطة التنفيذية وهو ما يكشف عن رغبة في مواصلة وضع اليد على دواليب التعيين في الخطط القضائية بالمحكمة الادارية وخصوصا الاصرار على احتكار الحكومة لصلاحية اختيار وتعيين رئيس هذه المحكمة دون رقابة او ضابط موضوعي لاهمية صلاحياته خصوصا وانه من يعين القضايا ويوزعها على الدوائر الحكمية. وترجم الاختلاف في التقييم على الارض صراعا كانت بدايته الحركة الاحتجاجية التي قادتها نقابة القضاة ضد قرار السلطة التنفيذية تعيين رئيسة المحكمة الادارية بمقولة ان التعيين تم وفق رؤية تسلطية خصوصا وان الحكومة لم تبادر الى تحديد قواعد موضوعية تقوم على جعل رئاسة المحكمة حكرا على قضاتها وتعتد بالاقدمية كقاعدة موضوعية في الترشح لها، فيما حشدت جمعية القضاة انصارها لتأييد التغيير بمقولة انه فعل ثوري خصوصا وقد انتهى لتقلد قاضية لهذا المنصب. وبلغت حرب المواقع في المحكمة الادارية ذروتها بعد ان امتنع 9 قضاة من منخرطي اتحاد القضاة عن المشاركة في فعاليات الدورة 74 للمجلس الاعلى للمحكمة الادارية وذلك احتجاجا على عدم اقرار مبدأ انتخاب المجلس الاعلى للمحكمة الادارية وتواصل تبعيته للسلطة التنفيذية وهو امر ادانه انصار جمعية القضاة في المحكمة الادارية وتحول الامر الى حرب بيانات بين الشقين. وبعيدا عن اجواء التجاذب هذه والتي قد تكون في جوهرها صراع حول التمثيلية اي صراع استقطاب فقد بادر قضاة النقابة وقضاة الجمعية الى تقديم تصورات تفصيلية كانت مشاريع قوانين لبيان تصورهم للهيئة المؤقتة التي ستسند لها مسؤولية الاشراف على القضاء العدلي وتكشف في ذات الحين تصوراتهما لتركيبة مجالس القضاء العدلي في صيغتها النهائية. وقد تطابق المشروعان في امرين هامين :اولهما ان يكون كل اعضاء الهيئة منتخبين وثانيهما ان يكون هيكلا مغلقا لا يؤمه غير القضاة. ان انتخاب اعضاء الهيئة التي يفترض ان تعد الحركة القضائية للسنة الجارية وهي ذات الهيئة التي تشرف على كل ما يتعلق بالمسارات المهنية للقضاة العدليين سيعد بكل المقاييس الحدث الاكثر ثورية بعد عقود من مجالس قضاء لم يشعر القضاة يوما انه يحق لهم تخير اي من اعضائها رغم ديمقراطية شكلية كانت تسمح لهم نظريا بانتخاب ستة من اعضائها الثمانية عشر فقد منعتهم سطوة ادارة القضاء التي احترفت تزوير الانتخابات المذكورة وتعمدت عدم توفير شروط الشفافية فيها من الممارسة الفعلية لذلك.
وهنا كان اجماع الهيكلين على جعل المجلس الاعلى للقضاء مؤسسة لا يدخلها من لم ينتخب تعبير عن رغبة في القطع الكامل مع الماضي رغم ان ذلك لم يمنع نقابة القضاة من التعامل بواقعية والاقرار بضرورة تطعيم الهيئة بقضاة من غير المنتخبين هم اساسا رئيس المحكمة التعقيب ومدير المصالح العدلية في تصور براغماتي سنده مسك ادارة المصالح العدلية لكافة المعطيات التي تتعلق بالمسارات المهنية للقضاة واطلاعها على الحاجيات الحقيقية للمحاكم. وفي موازاة اعتماد مبدأ الانتخاب، بادرت جمعية القضاة في مشروعها المقترح ووثائقها على طرح مسألة وجوب اقصاء فئة من القضاة (كل قاض كان عضوا في احد مجالس القضاء السابقة او ناشد الرئيس السابق الترشح للانتخابات الرئاسية 2014 او نشط في هياكل حزب التجمع الدستوري او شارك في محاكمات الرأي وحظي بترقية كجزاء له على ذلك) من المشاركة في العملية الانتخابية كمرشحين على اعتبار انهم غير مؤهلين لذلك مع حفظ حقوقهم كناخبين. وقد رأت ان هذا الاقصاء مدخل ضروري لقبولها باعتماد الانتخابات في انتقاء اعلى هيئة قضائية ادارية مستقلة. ويبدو للوهلة الاولى موقف جمعية القضاة منتصرا لمبادئ الاستقلالية ويستلهم روح الثورة الا ان الدراسة المتأنية تكشف لنا ان اقصاء قضاة عن الترشح بسبب اخلالهم بواجبات مهنية سواء كان ذلك عبر ممارستهم لنشاط حزبي بالحزب الحاكم قبل الثورة او بغيره من الاحزاب بعدها او قبلها بما اخرجهم عن حيادهم السياسي او تدليسهم احكامهم بمقابل من الاخطاء المهنية الفادحة التي يجب ان يعقبها تنحيتهم عن القضاء لا مجرد التصريح بعدم اهليتهم في الترشح للانتخابات. فالوظيفة الاسمى للقاضي ليست الترشح لادارة مرفق القضاء وانما فصل الخصومات واي تصريح بعدم نزاهة لا يجب ان ينتهي بمجرد منع من الترشح. وهنا كان يفترض ان يكون احد امرين اولهما اشتراط تطهير القضاء من العناصر الفاسدة قبل اي اصلاح وثانيهما التعويل والثقة في الاختيار الديمقراطي للقضاة وفي رغبتهم في الاصلاح. ويبدو الامر الثاني اكثر رجحانا بدليل انتخاب قضاة لمرشحين يحسبون على التيار الاستقلالي في انتخابات جمعية القضاة، ولاستحالة القول بارجاء الاصلاح بعلة وجود فساد يجب التخلص منه مسبقا. واذا وضعنا هذه الاعتبارات جانبا، فان التوافق على وجوب الانتخاب يشكل عامل ضغط على المشهد السياسي، فخلال مداولات المجلس التأسيسي في ذات الموضوع، كان برز اتجاه في صفوف الاحزاب الحاكمة استند لما ادعى انه موقف جمعية القضاة، ومفاده ان القضاة لا يمكنهم اختيار الهيئة المكلفة بالاشراف على شؤونهم بشكل ديمقراطي لان الانتخابات تحمي الفساد. وهو موقف اعتبر ترجمة لرغبة في التحكم في القضاء من قبل الحكومة خلال المرحلة الانتقالية. وتوافق القضاة على رفض التعيين كاسلوب لاختيار اعضاء الهيئة المؤقتة للاشراف على القضاء انما يقطع الطريق بشكل نهائي امام ادعاءات مماثلة. وما توافق عليه القضاة بشأن تكوين الهيكل من القضاة حصرا، فلا  يشمل ممثلين عن عمادة المحامين او الاساتذة الجامعيين ولا ممثلين عن نواب الشعب، يبدو بالواقع موقفا انعزاليا منهم لا يحقق التفاعل الواجب بين القضاء وامتداده الطبيعي، هذا الامتداد الحاضن والشريك الذي يفترض ان يساند حماية استقلاليته. وموقف هياكل القضاة الذي تناسى ان استقلالية القضاء لم تكن في اي يوم من الايام معركة القضاة بل كانت دوما معركة الاسرة القضائية الكبرى يعده البعض من المواقف الانتخابية اي انه خطاب يقصد به عموم القضاة  ويقدم لهم ما يطلبونه لا ما يحتاجونه فعلا. فتأسيس مجلس اعلى او مجالس عليا للقضاء تمارس ولاية كاملة لا منقوصة على اعمال ادارة القضاء وتتوفر لها الامكانيات المادية والبشرية لتحقيق ذلك لن يتحقق للقضاء الا متى كان المجلس المذكور عنوان ديمقراطية لا مدخلا لدكتاتورية فئوية. وعموما، فانه يرجح ان لا يقبل صناع القانون بانفراد القضاة بالمجلس الاعلى للقضاء وهذا ما قد يكون موضوع النقاش الاهم بمناسبة صياغة القانون التأسيسي للمجالس العليا للقضاء في صيغتها النهائية بين الساسة من جهة والقضاة من جهة اخرى على ان تركيبة الهيئة المؤقتة لادارة القضاء العدلي حسم امر تركيبتها بعد ان بادر نواب المجلس الوطني التاسيسي لتأكيد انها ستقتصر على القضاة دون سواهم. وينتظر ايضا ان لا ينزع عن مجالس القضاء العليا صيغة الجمع بعد ان ابدى قضاة المحكمة الادارية تمسكهم باستقلالية مجلسهم مخافة ان تغيب مشاغلهم اذا ما توحدت المجالس القضائية امام قدرة القضاة العدليين على سرقة الاهتمام بالنظر لكثر متطلباتهم، وبعد ان عجزت جمعية القضاة التي اعتادت جمع القضاة من مختلف اصنافهم على صياغة تصورات قد تساعد على اقناع القضاة قبل غيرهم بافضلية توحيد مجالس القضاة .وهنا ينتظر ان يستمر تواجد ثلاث مجالس عليا للقضاء الاول للقضاء العدلي والثاني للقضاء الاداري والثالث للقضاء المالي  كل منها مستقل عن الاخر هيكليا و وظيفيا رغم ان المصلحة العامة التي تفترض الحد من تضخم الهياكل الادارية للتحكم في نفقات التصرف فيها تستوجب النظر في صيغ جمع بين المجالس مع احترام للخصوصيات.    
وقد يتوجب على الاسرة القضائية الموسعة تطوير مقترحاتها بشأن هياكل القضاة بعيدا عن الحسابات القطاعية والانتخابية: فالمفترض ان يبدي المحامون والجامعيون تصورات تكمل وتتكامل مع مقترحات القضاة التي يجب ان يتناولوها بالدرس لغاية كشف مكامن الخلل بها وتثمين المكتسبات التي تبشر بها. فما قد لا يجرؤ القضاة على المطالبة به مخافة المس بامتيازاتهم او ما يعتقدون انه حق لهم او تجنبا لاتهامهم بالانتهازية ينتظر ان يطالب بها سواهم. ومن الامثلة على الخلل في هذا المجال ان مشروع جمعية القضاة واطروحات نقابة القضاة تتعامل مع الحاق القضاة بالادارات ودواوين الوزراء دون رفض او طرح لمدى تعارضها مع متطلبات الاستقلالية، فيما ان الالحاق او ما يصطلح على تسميته بالندب قد يشكل مستقبلا بوابة التداخل السري بين القضاة الطامحين للتسيس والسياسة الطامحة لتوظيف القضاء. كما ان بعض مطالب القضاة التي قد تتصدى لها الحكومة بدعوى عدم توفر الموارد المالية من قبيل اعتماد مبدأ الترقية الآلية للقضاة الذي يجعل ترقية القاضي من رتبة قضائية الى اخرى يعتد فيه باقدمية محددة قانونا وافرادهم بسلم اجور مستقل ومتحرك يحقق شروط استقلاليتهم المالية يتعين تعميق الوعي الجماعي به ليصبح مطلبا شعبيا لا مجرد مطلب فئوي للقضاة كما كان يصرح بهذا حكام البلاد قبل الثورة.
 
 نشر في العدد الرابع من مجلة المفكرة القانونية
 
 


[1]تأسست جمعية القضاة التونسيون في 12/02/1990 في اطار عملية توحيد بين الجمعية الودادية للحكام التونسيين التي برزت سنة 1946 وجمعية القضاة الشبان التي تأسست سنة 1971. اما نقابة القضاة فقد عقدت مؤتمرها التأسيسي خلال شهر ماي 2011 (ايار) واعتبر مؤسسوها انها اتت كتتويج لمطلبية القضاة التونسيين ببعث نقابة تدافع عن مصالحهم المهنية فيما اعلن عن بعث اتحاد القضاة الاداريين خلال سنة 2011 وقد ذكر مؤسسوها انها تدافع عن تطلعات قضاة المحكمة الادارية للدفاع عن مصالحهم المهنية.