في يوم 7 مارس/اذار، تلا الدكتور محمد سعد الكتاتني رسالة القاضي محمد حسام الغرياني رئيس مجلس القضاء الاعلى ورئيس محكمة النقض التي عبر فيها الاخير عن رؤيته لبعض المسائل المثارة حول العلاقة بين السلطة القضائية والسلطة التشريعية. المتابع للشؤون القضائية والسياسية المصرية يعرف ان مثل هذا الخطاب (بالنسبة لموضوعه والمرسل والمرسل اليه) ليس بالامر المعتاد. لذلك علينا وضع الخطاب في اطاره العام قبل ان نحلله.
 نبذة تاريخية: العلاقة بين السلطتين قبل الثورة
يطرح خطاب القاضي الغرياني اشكالية العلاقة بين السلطة التشريعية والسلطة القضائية. هذا الموضوع هو من المواضيع الجديدة التي ما كانت لتطرح لولا قيام الثورة. بالطبع هاتان السلطتان موجودتان في مصر منذ القرن التاسع عشر ولكن الاحتكاك بينهما كان ضعيفا او منعدما. فخلال الستين عاما الاخيرة كان وجود البرلمان شكليا غايته اكمال الشكل الذي ينص عليه الدستور[1]. ولم يكن للبرلمان دور يذكر في الحياة السياسية. السلطة التنفيذية كانت تتحكم في البرلمان عن طريق تزويرها للانتخابات البرلمانية. انبنى على ذلك ان البرلمان لم يكن له شرعية تمكنه من اتخاذ اى قرار حاسم. وكان همّ اغلبية النواب ان ينالوا رضى السلطة السياسية وان يستفيدوا من الحصانة التي اقتنصوها. الاهتمام بشؤون السلطة القضائية لم يكن مدرجا علي جدول اهتمامات النواب. فالسلطة التنفيذية -صاحبة الفضل في دخولهم البرلمان- كانت تحصل على ما تريده من السلطة القضائية عن طريق المحاكم الاستثنائية (وعن طريق المحكمة الدستورية العليا مؤخرا[2]) والسلطات الواسعة التي يمتلكها رئيس الجمهورية ووزير العدلطبقا لقانون السلطة القضائية. احتكاك السلطة التشريعية بالسلطة القضائية كان ضعيفا جدا ولم تكن هناك مساحات تواصل ممكنة الا بخصوص مسألتين، قام مجلس الشعب للاسف في اغلاق الباب امام امكانية التواصل فيهما. المسألة الاولى هي مسألة دعاوي صحة عضوية النواب والبرلمان التي كانت تفصل فيها محكمة النقض طبقا للمادة 93 من دستور 1971 الذي سقط مع قيام ثورة 25 يناير. وقد ابتدع مجلس الشعب مبدأ غريبا هو مبدأ مفاده انه "سيّد قراره" ومؤداه ان النتيجة التي توصلت اليها محكمة النقض بخصوص صحة العضوية من عدمها غير ملزمة اي ان القول الفصل يرجع لمجلس الشعب (الحزب الحاكم صاحب الاغلبية البرلمانية في الواقع العملي). المسألة الثانية تتعلق بالدور التشريعي لمجلس الشعب فيما يتعلق بشؤون السلطة القضائية. فبالرغم من اعداد القضاة لمشاريع عديدة بشأن تعديل شامل لقانون السلطة القضائية، فلم يتفاعل مجلس الشعب مع اي منها. فكل القوانين التي اصدرها مجلس الشعب بخصوص السلطة القضائية كانت بخصوص تفاصيل لا تلبي طموح القضاة في الاستقلال عن السلطة التنفيذية. ولا عجب في ذلك فاي قانون لم يكن ليصدر الا برضى السلطة التنفيذية.
وبالطبع لم يكن متصورا ان ينتقد مجلس الشعب السلطة القضائية عموما او مسلك قاض او محكمة بخصوص قضية معينة. فنظام مبارك اعتمد على الوجود الشكلي للمؤسسات لاضفاء الشرعية على حكمه (وهو لديه وسائله الخاصة للتحكم في عمل هذه المؤسسات). لذلك كان نظام مبارك دائم الاطراء على القضاء المصري الذي اقترن اسمه في الاوساط الرسمية والاعلامية بكلمة "الشامخ" وبمختلف عبارات التبجيل والتقديس. باختصار، توجيه نقد للقضاء لم يكن مطروحا بالنسبة لمؤسسات مبارك الرسمية (ومنها البرلمان).
 
 
ثورة 25 يناير واثرها على السلطتين التشريعية والقضائية والعلاقة بينهما
كان لقيام ثورة 25 يناير 2011 آثار عديدة على كل من السلطتين التشريعية والقضائية ومكانيهما في النظام السياسي المصري. وانعكس التغيير الذي اصاب كل سلطة على حدة على العلاقة بين السلطتين.
فبعد اجراء انتخابات نزيهة الى حد كبير، ظهرت لاول مرة منذ زمن بعيد سلطة تشريعية تتمتع بالمشروعية. لم يعد البرلمان المصري تابعا تبعية مطلقة للسلطة التنفيذية مثلما كانت عليه الحال قبل قيام الثورة. رضى الناخبين اصبح مهما بالنسبة للنواب وربما اهم من رضى السلطة السياسية اي المجلس العسكري والاجهزة الامنية. المصريون ايضا ابدوا اهتماما كبيرا ببرلمان ما بعد الثورة ظهر في نسبة مشاركتهم في الانتخابات ونسبة متابعتهم لجلسات مجلس الشعب علي شاشات التلفاز. بعبارة مختصرة، استقل البرلمان عن نظام يوليو (الذي –  للاسف - لم تسقطه الثورة حتى الآن) ليصبح مؤسسة من مؤسسات الدولة مثله مثل القضاء.
الثورة كان لها تأثير ايضا على السلطة القضائية التي اصبحت تحت الاضواء بصورة مكثفة منذ تولي المجلس العسكري الحكم. فمن المعروف ان القضاة يلعبون دورا مهما في النظام السياسي المصري. الجديد هو ان الثورة سمحت لهم ان يلعبوا دورا اكبر. فالقضاء هو الذي يحاكم رموز النظام السابق. والقضاة يشرفون على الانتخابات والاستفتاءات العديدة التي اجريت بعد الثورة. وهم الذين يراقبون كل صندوق وهم الذين يشكلون اللجنة العليا للانتخابات. وبعد قيام الثورة وقعت جرائم كثيرة واتجهت الانظار للنائب العام وانتظرت منه ان يقدم الجناة للمحاكمة.
الرأي العام الثوري لم يعجبه اداء السلطة القضائية في كثير من القضايا. لم يعجب الشارع الثوري البطء في محاكمات رموز النظام السابق ومحاكمات رجال الشرطة المتهمين بقتل الثوار. لم يعجبهم تراخي النائب العام عن اتخاذ اجراءات حاسمة بخصوص الجرائم العديدة التي وقعت بعد قيام الثورة. وكثرت الوقفات الاحتجاجية والمطالبات في هذا الخصوص.
 
بوادر ازمة
ولقد تلقف بعض النواب هذه الهواجس الثورية وتبنوها. وعقب احداث استاد بور سعيد (التي وقعت في الاول من فبراير/شباط وراح ضحيتها 74 قتيلا والف مصابا اغلبهم من رابطة مشجعي النادي الاهلي - المعروفة باسم الالتراس - الذين لعبوا دورا هاما في الثورة) تتالت التصريحات البرلمانية الغاضبة. هذه الفاجعة - التي وقعت بعد اسبوع واحد من اول انعقاد لاول مجلس الشعب بعد قيام الثورة – اراد بها النواب ان يبعثوا برسالة الى الشعب مفادها انهم جديرون بثقته التي حصلوا عليها قبل ايام. فتم تشكيل لجنة تقصي حقائق برلمانية (وهو ما ازعج بعض القضاة الذين يرون ان التحقيق في ملابسات جريمة من اختصاص السلطة القضائية) وتباحثت لجان مختلفة في مجلس الشعب لمعرفة المتسببين في مأساة استاد بورسعيد ولتحديد اسباب الانفلات الامني وانعدام الاستقرار في مصر عموما. ونظرا لان معظم النواب هم حديثو العهد بالعمل البرلماني بل بالسياسة فقد خرجت بعض التصريحات غير منضبطة وانفعالية. فمثلا طالب الدكتور اسامة ياسين (حزب الحرية والعدالة التابع للاخوان المسلمين) رئيس لجنة الشباب بمجلس الشعب باقالة مسؤولين عدة من بينهم النائب العام. وقبلها كان قد صرح الدكتور اكرم الشاعر النائب البور سعيدي عن حزب الحرية والعدالة (ابنه مصعب اكرم الشاعر من مصابي الثورة) ان محاكمات المتهمين بقتل واصابة الثوار هزلية.
والواقع ان هذه المطالبات بعزل النائب العام ووصف المحاكمات بالهزلية ليس جديدا في مصر. فالشارع  السياسي ايقن ان النائب العام الحالي اصطفاه مبارك من بين مئات القضاة[3]. القضاة ايضا تعودوا ان يسمعوا في الاعلام نقدا لبطء المحاكمات وعدم جدية التحقيقات في قضايا المتهمين بقتل المتظاهرين ولكنهم لا يعيرون اهتماما كبيرا لمثل هذا الكلام على اعتبار ان كثيرا من هذا النقد يرجع الى عدم المام عامة الشعب باصول التقاضي وسير المحاكمات. فالقضاة يعلمون انه لا يكفي ان ينعقد الاجماع الوطني على ان مبارك اجرم لكي تتم ادانته ولكن يجب ان تتاح له الفرصة في ان يقدم دفاعه حتى لا يحرم من المحاكمة العادلة التي كان يمنعها عن معارضيه. والحكم يكون بناء على الاوراق المقدمة للقاضي. لكن ما ازعج القضاة هذه المرة هو ان تخرج هذه التصريحات تحت قبة البرلمان من نواب ينتمون للاغلبية ويشغلون مناصب هامة في البرلمان. فلم يعد الامر مجرد نقد للسلطة القضائية اعتاد الجميع على سماعه ولكنه اصبح تدخلا من السلطة التشريعية في قضايا منظورة امام المحاكم واعتداء على استقلال السلطة القضائية. اثارت هذه التصريحات حفيظة القضاة الذين لم يعهدوا مثل هذا الامر من قبل.
وقد جاء اول رد فعل رسمي سريعا على لسان رئيس نادي القضاة القاضي احمد الزند في مؤتمر صحفي عقده بنادي القضاة النهري قال فيه موجها حديثه للنواب "اعزلوا هذه الكلمة عن السنتكم وعن عقولكم، فان احدا فى هذا البلد ليس بقادر على عزل معاون للنائب العام".[4]وكان الزند قد ارسل قبلها بايام بخطاب للقضاة نشرت صحيفة المصري اليوم مقتطفات منه فيها ينتقد عودة "حديث الافك المتمثل فى العبارة القذرة (تطهير القضاء)" وحذر فيه مما اعتبره "مخططا آثما يريد اقتلاع القضاء من جذوره والتمثيل برجاله"[5]. واذ يشكل رفض تدخل السلطة التشريعية في اعمال السلطة القضائية امرا محمودا من صميم عمل رئيس نادي القضاة، فان النبرة الاستعلائية والاسلوب الهجومي المزايد تبقى بالمقابل مدعاة للانتقاد. والواقع ان المتابع للشأن القضائي المصري يعرف ولع القاضي الزند بالتصريحات النارية: ففي العامين الماضيين ساهمت تصريحاته في اشعال معركة مع المحامين وكادت تصريحاته ان تفتعل ازمة جديدة مع السلطة التشريعية. اسلوب القاضي الزند الصدامي له علاقة برؤيته الخاصة للقضاء التي تظهر في تصريحاته ومواقفه (وهي للاسف رؤية يشاركه فيها كثير من القضاة). فما عرف عن القاضي الزند ليس دفاعه عن استقلال القضاء بل عداؤه لتيار استقلال القضاء (الذي تجلى في سنتي 2005 و2006 بشكل خاص). بالمقابل، هو يبدي دوما حساسية فائقة ازاء اي نوع من الرقابة على عمل السلطة القضائية وفي الوقت نفسه حرصا شديدا للدفاع عن امتيازات القضاة. وقد تمثل هذا الامر بشكل خاص في دفاعه  - سرا وجهرا - عن توريث القضاء، الى درجة وصف دخول ابناء القضاة الى الهيئات القضائية المختلفة بمثابة "زحف مقدس". فكانما استقلال السلطة القضائية – بالنسبة له – هو عبارة عن مجموعة مزايا للقضاة وليس ضمانة للمتقاضين وركيزة لدولة القانون.  
ولم تنجح محاولات الزند في اثارة السلطة التشريعية وتحويل اهتمامها عن صلب المشكلة. ففي اثناء انعقاد اللجنة التشريعية بمجلس الشعب جاء على لسان رئيسها القاضي السابق محمود الخضيري (الذي كان من رواد تيار استقلال القضاة فبل استقالته من القضاء) ان كلام الزند تجاوز لا يليق[6]، واضاف ان "الرد على الزند سيكون بمشروع قانون السلطة القضائية، والذى سيناقش قريبًا في اللجنة التشريعية، تمهيدا لعرضه على البرلمان[7]".         خطاب الغرياني وانهاء الازمة
وبعد ايام قليلة على هذا الاشتباك المحدود، ادلى القاضي حسام الغرياني رئيس مجلس القضاء الاعلى بدلوه في هذه المسألة باعتباره رئيسا للجهة التي تدير شؤون القضاة وتمثلهم. ارسل الغرياني خطابا الى الدكتور محمد سعد الكتاتني رئيس مجلس الشعب بسط فيها وجهة نظره في العلاقة التي يجب ان تكون بين السلطتين التشريعية والقضائية. وقد تلا رئيس مجلس الشعب الخطاب على اعضاء المجلس. وجاء في هذا الخطاب ان "من اهم ركائز النظام الديمقراطي الفصل بين السلطات من خلال امرين، هما التعاون بين السلطات ومراقبة كل سلطة للاخرى، ولكن التعاون والرقابة لا يمتدان للتدخل او التداخل بين السلطات». واوضح الغرياني ان مجلس الشعب منوط به سن القوانين ولكنه لا يختص بادارة شؤون العدالة ولا احكام القضاة. وتابع الغرياني قائلا "عندما قامت الثورة وسقط الطغيان قدم قضاة مصر انتخابات حقيقية، اسفرت عن جلوسكم فى البرلمان لتكونوا حصنا لاستقلال القضاء، ولا يمكن ان يبدأ البرلمان اعماله باهدار استقلال القضاء بعدما وصف بعضكم المحاكمات التى تتم بـ(الهزل)، واوضح رئيس مجلس القضاء الاعلى ان اهم ما توصل اليه القضاء هو ما نص عليه القانون رقم ٣٥ لسنة ٨٤ بحصانة النائب العام وعدم تعرضه للعزل، ولا يتصور ان ينادي البرلمان بعزل النائب العام". وبالمخالفة لمسلك رئيس نادي القضاة، اعترف رئيس مجلس القضاء الاعلى بوجود بعض الفساد الذي لحق بالقضاء ولم يرفض استخدام كلمة "التطهير" كما فعل الزند بل استخدمها الغرياني بنفسه قائلا "اذا كان القضاء تعرض لعمليات افساد فى البلاد الفاشية، فان القضاء المصرى يباشر التطهير الذاتى فى سرية، واستقلال القضاء سوف يساعد على التطهير الذاتى، وهو قاطرة الاصلاح فى كل المجالات".
هذا الخطاب ذو الافكار الواضحة والاسلوب المهذب لقي استحسانا من القضاة ومن البرلمان. فكان تعقيب رئيس مجلس الشعب على خطاب الغرياني ان قال ان "مجلس الشعب يعي مبدأ الفصل بين السلطات" وان "من اولوياته اصدار قانون السلطة القضائية ليتمتع القضاء باستقلاله، ولن ينتهى دور الانعقاد الحالى حتى يتم الانتهاء من هذا القانون"[8].
 اما القضاة فقد ابدوا ترحيبهم بخطاب الغرياني الذي "احبط فتنة وبوادر معركة مع برلمان الثورة، حاول اثارتها المستشار احمد الزند، رئيس نادي القضاة المحسوب على النظام المخلوع"[9].
وقد اشادت قيادات تيار استقلال القضاء بخطاب الغرياني الذي وصفوه بانه "عاقل وحكيم" ووأد فتنة كان يفتعلها رئيس نادي القضاة، وكادت تشعل حربا بين مجلس الشعب والسلطة القضائية. وهذا ما يتأكد بعد مرور شهرين على هذا الموضوع. وربما ساهم الاحترام الذي يحظى به القاضي حسام الغرياني عند الاغلبية البرلمانية في اعتبار خطابه القول الفصل وخارطة طريق في مسألة العلاقة بين السلطتين[10].  
ما مستقبل العلاقة بين السلطة التشريعية والسلطة القضائية؟ 
ولكن هذا لا يعني ان ملف العلاقة بين السلطتين قد اغلق نهائيا. فمن ناحية لن يرأس القاضي الغرياني مجلس القضاء الاعلى بداية من الاول من يوليو/تموز. وتم اعادة انتخاب القاضي الزند رئيسا لنادي القضاة في اواخر شهر مارس/آذار. ومن ناحية اخرى، هناك العديد من المسائل العالقة التي من المنتظر ان تتعاون او ان تختلف فيها السلطتان.
اما التعاون فسيأتي عبر اقرار قانون جديد للسلطة القضائية يكون معبرا عن تطلعات القضاة (تم اعداد اكثر من مشروع قانون للسلطة القضائية ابرزها المشروع الذي اعدته اللجنة التي شكلها القاضي الغرياني ورأسها القاضي المتقاعد احمد مكي)[11].
اما المواجهة، فقد تحدث اذا تبنى البرلمان فكرة تطهير القضاء اي عزل القضاة الذي ثبت تزويرهم الانتخابات او تنفيذ اوامر السلطة السياسية بالتصرف بشكل معين في القضايا التي نظروها. صحيح ان القاضي الغرياني اوضح ان القضاء يطهر نفسه بنفسه الا ان هذا القول لم يعد مقنعا لكثير من المصريين الذين تابعوا القضية التي عرفت اعلاميا بقضية "التمويل الاجنبي". ففي اعقاب تنحي الدائرة عن نظر هذه القضية كشف القضاة اعضاء الدائرة التي نظرت القضية ان القاضي عبد المعز ابراهيم وقضاة آخرين قد ضغطوا عليهم لكي يفرجوا عن المتهمين[12]. وقد اعترف عبد المعز ابراهيم انه تدخل لدي القاضي محمد شكري رئيس الدائرة. ومع ذلك رفضت الجمعية العمومية لمحكمة استئناف القاهرة مجرد سحب التفويض الممنوح لابراهيم لادارة شؤون المحكمة. فقرر القاضي محمد شكري تقديم استقالته! وقد وصف بعض القضاة هذا اليوم بانه يوم اسود في تاريخ القضاء المصري. وامتلأ جروب "ائتلاف قضاة الاستقلال"[13] على الفيسبوك بعبارات الاسى والاعتذار للشعب المصري. وقد اظهرت هذه الواقعة ان القضاء قد يحتاج تدخلا خارجيا كي يستطيع تطهير نفسه.
المواجهة قد تحدث ايضا اذا اراد البرلمان التدخل لوقف ظاهرة التوريث في القضاء وغياب المعايير الموضوعية لدخول سلك القضاء. من الممكن حل هذه المشكلة وتجنب المواجهة عن طريق انشاء مدرسة للقضاء او اكاديمية للقضاء يشرف عليها قضاة وغير قضاة تكون وظيفتها اختيار اشخاص بناء على معايير موضوعية لكي يدخلوا القضاء.
هناك ايضا مسألة اخرى فرضها الوضع السياسي الجديد بعد قيام الثورة. قبل الثورة، لم يكن للبرلمان اي شرعية فلم يكن مطروحا او متصورا اعطاؤه اي سلطات فيما يخص تعيين القضاة في المناصب القضائية العليا مثل رئيس المحكمة الدستورية العليا او النائب العام، وهي السلطات التي كان يمتلكها الرئيس. فهل حان الوقت ان يرث البرلمان صاحب الشرعية هذه السلطات (خاصة ان هناك اتجاها لتقليص سلطات رئيس الجمهورية والتحول لنظام دستوري يلعب فيه البرلمان دورا اهم من ذي قبل)؟ حتى الآن هذه المسائل لم تطرح للنقاش، ولكنها بالتأكيد ستطرح خلال صياغة الدستور التي ستجري خلال الاشهر المقبلة. ولو تم اعطاء البرلمان مثل هذه السلطات فمن المؤكد ان العلاقة بين السلطة القضائية والسلطة التشريعية ستشهد منعطفا جديدا.  
علي كل حال، علي الجميع ان يعي ان الثورة قد القت وستلقي بظلالها على موازين القوى بمصر. فاذا كان القضاء قبل الثورة – بالرغم من عيوبه - الملجأ الاهم للمظلومين وصاحب شرعية مستمدة من تاريخه العريق، فانه اصبح الآن في مصر شرعية جديدة هي شرعية الصناديق. بل اثبتت الثورة ان الحصانات القانونية والحراسات الامنية لم تعد كافية لحماية المؤسسات ما لم تقترن برضاء شعبي. وفي ظل تنامي تبجيل الديموقراطية كفكرة في النقاش العام في مصر فانه من غير المستبعد ان تحدث مواجهات بين السلطة التشريعية – التي هي نتاج فكرة الديموقراطية – وبين السلطة القضائية ما لم تعد الاخيرة بناء شرعيتها من جديد على اسس الاستقلال والكفاءة.   

نشر في العدد الرابع من مجلة المفكرة القانونية
 


[1] يقول شريف يونس ان نظام الحكم الذي اقامه نظام يوليو – اي النظام الذي يحكم مصر منذ عام 1952 - يقوم علي ازدواج اصلي بين نوعين من المنظمات: مؤسسات رسمية معلنة واجهزة الامن العليا. السلطة الحقيقية كانت في يد اجهزة الامن التي تتخفي وراء المؤسسات الرسمية عبر التحكم في الوصول لهذه المؤسسات والتدخل في عملها. انظر شريف يونس، القضاة والانتخابات. خطاب نزاهة الانتخابات: الابعاد والدلائل والجذور، بحث منشور في كتاب بعنوان "القضاة والاصلاح السياسي" الصادر عن مركز القاهرة لدراسات حقوق الانسان عام 2006. 
[2]لا يمكن انكار ان للمحكمة الدستورية العليا احكاما مهمة في تعزيز الحريات ودولة القانون ابرزها حكمها الصادر في 8 يولية/تموز 2000 الخاص بمسالة اشراف القضاة علي الانتخابات والذي جعل تزوير الانتخابات اشق علي السلطة السياسية. ولكن المتابع الدقيق لقضاء المحكمة يعلم انها - منذ عام 2001 - فقدت بريقها. فاحكامها وقراراتها - في السنين العشر الاخيرة - تاتي دائما علي هوي الحكومة. هذا التدهور في دور المحكمة راجع غالبا الي السلطة غير المقيدة لرئيس الجمهورية في تعيين رئيسها. قبل عام 2001 كان  العرف ان ياتي رئيس المحكمة من بين قضاتها. ولقد خالف مبارك هذا العرف عند تعيينه اخر 4 رؤساء للمحكمة فاتي بقضاة من خارجها بل من غير المتخصصين في القانون العام. فرئيس المحكمة الحالي عمل سنين عديدة في القضاء العسكري قبل ان يعمل بالقضاء العادي. لمزيد من التفاصيل بخصوص الدور السياسي للمحكمة، انظر – علي سبيل المثال - بحث تامر مصطفي المعنون "الدور السياسي  للمحكمة الدستورية.. بين المبادئ والممارسة" والمنشور بالمرجع السابق ذكره.
[3]المادة 119 من قانون السلطة القضائية تعطي رئيس الجمهورية الحق في تعيين النائب العام من بين نواب رؤساء محاكم الاستئناف او مستشاري محكمة النقض او المحامين العامين الاول اي من بين الاف القضاة دون ان يحتاج الي اخذ مجلس القضاء الاعلى. وبذلك يكون رئيس الجمهورية حرا في اختيار من يأتي على هواه.
http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=327488[4]
http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=326208[5]
 http://www.almasryalyoum.com/node/643776[6]
[7]http://www.amlalommah.net/new/index.php?mod=article&id=2659
 http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=327626&IssueID=2405[8]
 http://www.ikhwanonline.com/Article.aspx?artid=100790&[9]
 [10] تواترت الانباء خلال شهر مارس/اذار عن ان جماعة الاخوان المسلمين حاولت اقناع الغرياني بالترشح للرئاسة على ان تدعمه.
 [11] الحقيقة ان استقلال القضاء لن ياتي عبر اقرار قانون السلطة القضائية فقط. فعوائق استقلال القضاء لا توجد بذورها في هذا القانون فقط ولكن في قوانين عديدة. فمثلا قانون المحكمة الدستورية العليا يعطي سلطة كبيرة لرئيس الجمهورية في اختيار اعضائها. قانون القضاء العسكري كذلك يسمح بمحاكمة المدنيين عسكريا وتنص المادة 48 من هذا القانون على ان المحاكم العسكرية هي المختصة بتحديد اختصاصها وحدها اي انها لا تلتزم باحكام المحاكم الاخرى كما لو كانت المحاكم العسكرية هي المحاكم العادية والمحاكم العادية هي الاستثنائية!
 http://www.youtube.com/watch?v=ozOIFD1trjU&feature=player_embedded[12]
http://www.youtube.com/watch?v=FkIPsp70EvY
 
 http://www.facebook.com/#!/groups/135760179827976/[13]