بتاريخ 27-11-2014، أصدرت محكمة جنايات بيروت حكما غيابيا بحق ثلاثة أشخاص من التابعية السورية بممارسة الاتجار بالبشر من خلال دفع أبنائهم الى التسوّل. وتعود القضية التي تابعتها المفكرة القانونية منذ بداياتها الى أوائل 2013 عند توقيف احدى المحكوم عليهم، وهي على مقربة من أربعة أطفال ضبطوا في جرم التسوّل (بيع العلكة)[1]. وخلال التحقيقات مع المرأة المذكورة، أدلت بأن اثنين من هؤلاء الأطفال هما ابنها وابن شقيق زوجها، وأنها عاطلة عن العمل وأنها كانت تنتظرهم وهم يقومون ببيع العلكة وأنها لم تكن تتسول الا أنها لم تكن تمانع ان أعطاها أحد المارة المال لأن زوجها متوفّ وليس لديها أي عمل ولا تتلقى المساعدة من أحد. وتبعا لذلك، تم استدعاء والديْ طفلين آخرين والتحقيق معهما. فصرحت والدة أحدهما بأنها تعمل في تنظيف البيوت وأن والد ابنها متوفّ وأنها هربت مع ابنها من سوريا بسبب الأوضاع هناك قبل حوالي الشهرين، وأنه بسبب الظروف المادية السيئة فان ابنها القاصر يعمل على بيع العلكة لمساعدتها على تأمين مصروف المنزل. أما والد الطفل الآخر، فصرّح أنه يعمل كعامل عادي وأنه كان حضر من سوريا قبل حوالي الشهر بسبب الأوضاع هناك وأن ابنه يخرج يوميا من المنزل من تلقاء نفسه لبيع العلكة بالنظر للضائقة المادية التي يعانون منها.

وعلى أساس هذه الأقوال، تم توقيف الأشخاص الثلاثة المستمع اليهم وادعت عليهم النيابة العامة بجرم ارتكاب جناية الاتجار بالبشر، وأصدرت فيما بعد الهيئة الاتهامية قرارا اتهاميا بارتكابهم الجرم المذكور لتُحيلهم موقوفين الى محكمة جنايات بيروت. كما فُتح محضر على حدة لجهة عدم حضور ذوي القاصر الرابع. أما الأطفال الأربعة، فقد تم تسليمهم عملا باشارة النيابة العامة الى مركز جنح الأحداث في الكحالة ولم يتضمن الحكم أي معلومة بشأن مصيرهم فيما بعد.  
    
في بدء المحاكمة، بدت المحكمة متفهّمة الى حد ما لأوضاع هؤلاء، الأمر الذي انعكس في قرارها باخلاء سبيلهم بعد ثلاثة أشهر ونصف من توقيفهم. الا أن تغيبّهم عن جلسات المحاكمة اللاحقة أدى عمليا الى غياب أي دفاع عنهم. فلم ينهض في المحاكمة أيّ سعي الى نقض حجج الاتهام أو الى مناقشة مدى انطباق نصوص الاتجار بالبشر عليهم. كما أن المحكمة لم تقم تلقائيا بأي مناقشة قانونية لأسس الاتهام، فاقتصر تعليلها على القول بأنّ كلا من هؤلاء قام ب"استغلال ولده القاصر" عبر دفعه للقيام بالتسول وبيع العلكة، لتخلص الى القول بتوفّر عناصر جرم الاتجار بالبشر. وقد حددت المحكمة العقوبة انطلاقا من ذلك بعشر سنوات سجن وبغرامة مئتي مليون ليرة لبنانية. ومن يقرأ الحكم يستنتج أنه يكفي حسب المحكمة أن يدفع أيّ شخص ابنه لبيع العلكة، ليصبح في موقع الجاني الذي يتاجر بالبشر، فيستحق أشدّ العقوبات. ونشدد هنا على أن حيثية المحكمة تناولت حصرا استغلال كل من هؤلاء لابنه، من دون تضمينه اي اشارة لحصول استغلال لأبناء الغير أو لوجود عصابة منظّمة بشكل من الأشكال.

وهذا الحكم، الذي هو ربما أول الأحكام الصادرة تطبيقا لقانون الاتجار بالبشر، يستدعي بالواقع النقد من زاويا عدة.
فمن زاوية قانونية، نلحظ أن المحكمة تعاملت مع الأفعال المحالة اليها وكأنها لا تحتمل الا وصفا واحدا هو وصف الاتجار بالبشر. وهي بذلك، استبعدت ضمنا من دون أي تعليل امكانية اضفاء وصف مختلف عليه. وهي بذلك أقْصَت من حيثياتها ليس فقط الأبعاد الاجتماعية لمباشرة تطبيق قانون الاتجار بالبشر وانعكاساته على المنظومة القانونية وخصوصا العقابية منها، انما أيضا أي تحليل قانوني لمدى توفر عناصر الاتجار بالبشر من شأنه أن يسهم في تطوّر فقه قانوني في هذا المضمار الطارئ على قانون العقوبات.   
   
وتبيانا لذلك، نسجل أنه قبل اقرار قانون تجريم الاتجار بالبشر في 2011، كان دفع القاصر الى التسوّل من قبل أبويه يحتمل وصفا واحدا هو الوصف الذي نصت عليه المادة 618 من قانون العقوبات في نصه الأصلي منذ 1943. وبحسب هذه المادة، يشكل هذا الفعل جنحة يعاقب عليها بالحبس لمدة أقصاها سنتين وبغرامة أقصاها 200 ألف ليرة لبنانية (يلحظ الفارق الكبير بين هذه العقوبة والعقوبة المحكوم بها). وفي 2011، أخضع قانون العقوبات الاتجار بالبشر لعقوبة جنائية تصل الى عشر سنوات حبس والى غرامة باهظة (مئتي ضعف إلى أربعمائة ضعف الحد الأدنى الرسمي للأجور)بعدما عرّف الاتجار بالقصّر على أنه اجتذاب قاصر أو نقله أو استقباله أو احتجازه أو تقديم المأوى له، لغرض استغلاله واعتبر استغلالا ارغام قاصر على التسول. وبالمقابل، أبقى المشرع المادة 618 من دون تعديل، مما أوجد وصفين قانونيين مختلفين لدفع الطفل الى التسول، أحدهما جنجي والآخر جنائي ذات نتائج قانونية جد متباينة. وبفعل هذا الواقع، بات من الضروري حكما أن يتم التحري عن الوصف الصحيح على ضوء ظروف كل قضية وعناصرها الواقعية، علما أن الوصف الأول يبدو الأكثر رجحانا في القضية الراهنة طالما أنه يُستبعد أن يكون الغرض من ايواء المحكوم عليهم لأولادهم هو استغلالهم فقط.

ومن هنا، يتبدى خطأ المحكمة بيّناً في تعاملها مع الأفعال تلك على أنها تقع بداهة تحت وصف الاتجار بالبشر من دون التدقيق في عناصرها الواقعية، بل من دون القيام بأي جهد فقهي لتوضيح هذه العناصر. فاذا كان الاستغلال ثابتا في مجمل هذه الأفعال، يبقى أن ثمة ضرورة قانونية لاستشراف الحدود التي يتحول الفعل في حال تعديها الى جناية اتجار بالبشر. فهل يُعقل أن يكون الغرض من ايواء المحكوم عليهم لأولادهم هو استغلالهم فقط؟ وهل أن دفع هؤلاء الى التسول حصل في سياق بحث عن موارد لضمان معيشة العائلة التي هم أعضاء فيها أم أنه يكشف عن نية جرمية في استغلالهم على نحو يحوّل رابط المحكوم عليهم بأبنائهم الى رابط استغلال محض؟ وما الى ذلك من تساؤلات مشروعة لم تُبدِ المحكمة أيّ ميل للتحري عنها.

وأبعد من ذلك، يصحّ التساؤل عن معنى استهداف قانون الاتجار بالبشر في تطبيقاته الأولى لأشخاص تتوفر فيهم عناصر التهميش من تابعية سورية وفقر وبطالة وتهجير.. الخ. فهل حقا انوجد هذا القانون ليطبق على أضعف الفئات اجتماعيا أم أنه انوجد لحماية هؤلاء في مواجهة القوى النافذة؟ فماذا بشأن آلاف العمال والعاملات الأجانب الذين يتعرضون للعمل القسري في ظل نظام الكفالة؟ ماذا بشأن آلاف "الفنانات" اللواتي يتم التحكم بأجسادهن الى أقصى حدود تحت رقابة الأجهزة الأمنية وانخراطها الكامل؟ لماذا لم تحرّك النيابات العامة أي ساكن في هذا الشأن؟
مع قراءة الحكم موضوع هذا التعليق، بامكاننا الاعراب عن خشية اساسية وهو أن تؤدي توجهات العمل القضائي الى تجريد قانون تجريم الاتجار بالبشر من أهدافه الأساسية، فيتحول الى أداة جديدة لمكافحة أشكال المقاومة التي قد يعتمدها البؤساء ضد نظام يهمشهم بدل أن يكون أداة جديدة تعزز حظوظ نجاحهم في مقاوماتهم تلك، بهدف التحرر من قيود الاستغلال.   
 
نشر في العدد الرابع و العشرين من مجلة المفكرة القانونية

[1] سارة ونسا، قانون الاتجار بالأشخاص في أولى حالاته التطبيقية: سلاح ضد الفئات الضعيفة أم لمصلحتها؟ المفكرة القانونية، عدد 11، أيلول 2013.