مؤخرا، وجه التجمع النسائي الديمقراطي الى وزير الخارجية والمغتربين جبران باسيل كتابا مفتوحا يدعوه فيه الى عدم تطبيق الشرط بأن تكون المرشحة الى الوظيفة عزباء، والى إلغاء الفقرة الأخيرة من المادة 12 من مشروع القانون التي تفرض هذا الشرط لما" تحمله من تمييزٍ وذكورية. وكانت وزارة الخارجية أعلنت في كانون الثاني 2015 عن تنظيم مباراة لملء المراكز الشاغرة في وظائف الفئة الثالثة في السلك الخارجي في ملاك وزارة الخارجية والمغتربين.

وقد رأى التجمع النسائي الديمقراطي في استمرار العمل في هذا الشرط تمييزاً جندرياً واضحاً وصارخاً، وأعلن من خلال صفحته على "الفايسبوك" البدء بحملة للضغط على الوزارة المعنية لتعديل القانون الذي يهمش حق المرأة المتزوجة في الترشح الى الوظيفة السابق ذكرها. وتبعا لذلك سارع الوزير باسيل الى ارسال مقترح بالغاء المادة 12 المشار اليها أعلاه من دون أن يلغي الشرط المذكور من شروط المباراة.
بمعزل عما سيؤول اليه هذا المقترح، فان تحرك التجمع النسائي الديمقراطي شكل مناسبة لاعادة النظر في كيفية مقاربة المرأة من قبل الادارات العامة. فالى جانب الشرط المذكور وما سيؤول اليه الحراك النسوي، ترشح اللغة المستخدمة في الاعلان عن تنظيم المباراة عن خطاب ذكوري لم يعد من المناسب تجاهله. ومن هنا، نود تسجيل ملاحظات ثلاث:

لغة الاعلان هي لغة ذكورية:
بدايةً إذا نظرنا الى الاعلان نفسه، نجد ان اللغة المعتمدة فيه تتوجه الى الذكور حصراً. فمن شروط الإشتراك في المباراة، أن يكون المرشح .. "لبنانياً منذ عشر سنوات"، "أتم العشرين من العمر"، "سليماً من الأمراض والعاهات" التي تمنعه من القيام بالوظيفة و"متمتعاً بحقوقه المدنية" و"ﻏﻴﺮﻣﻌﺰول أو ﻣﺼﺮوف ﺑﺴﺒﺐﺗﺄدﻳﺒـﻲ ﻣﻦوﻇﻴﻔﺔ أو ﺧﺪﻣﺔ ﰲإﺣﺪى اﻹدارات أو اﳌﺆﺳﺴﺎت اﻟﻌﺎﻣﺔ أو اﻟﺒﻠﺪﻳﺎت" و"ﺣﺎﺋﺰا ﻋﻠﻰ اﻟﺸﻬﺎدات واﳌﺆﻫﻼت اﳌﻄﻠﻮﺑﺔ".

أما المحل الوحيد في الاعلان الذي ذُكرت فيه "تاء" التأنيث فكان عندما اشترط ان تكون المرأة عزباء. فكان استعمالها هنا ليس فقط للتمييز بين الرجل والمرأة، بل ايضاَ فيما بين النساء.
وإذا اعتبرنا ان اللغة هي وسيلة للتواصل، فإن لغة التعميم توحي بانه يتوجه أساسا الى الذكور، وبأن توظيف المرأة يبقى استثناءً على القاعدة العامة القائمة على توظيف هؤلاء.
وفي هذا المجال، وفي حديث للمفكرة القانونية، سجلت الناشطة النسوية حياة مرشاد، من التجمع النسائي الديمقراطي، ان هذه اللغة نجدها في كل المراسيم والتعاميم الصادرة عن الدولة باستثناء السجل العدلي. وشددت على أهمية تأنيث اللغة التي تتبعها الناشطات في حياتهن اليومية وفي البيانات التي يصدرنها، حيث أن الإعتراف بالمرأة كمواطنة مساوية للرجل يتطلب تغييرا في اللغة أيضا. وهذه المعركة طويلة وضرورية لتعزيز المساواة بين المرأة والرجل في لبنان والدوائر الحكومية.

لماذا عزباء؟
ولكن، وبالعودة الى أساس تدخل التجمع النسائي الديمقراطي، لا بد من التوقف عند الخلفية المهنية لوضع هذا الشرط بأن تكون المرشحة عزباء. وهنا، أمكن تسجيل الخلفيات الآتية:

أولاً: أن المرأة العزباء تعدّ أكثر كفاءة وقدرة إذ انه ليس لديها مسؤوليات زوجية أو مسؤوليات أمومة،

ثانياً: أن جذور هذا التعميم (أي المطالبة بنساء عازبات لشغل الوظائف الشاغرة) مبني على فكرة أن الرجل هو المعيل الوحيد للعائلة، على الرغم من انه ثبت تاريخياً ان هناك العديد من المنازل التي تقوم بنيتها الإقتصادية على مدخول المرأة الأم حصراً.

قذْف المطلب الاجتماعي في ملعب التشريع: لماذا المماطلة في اقرار الحق؟ 
لم ينتظر وزير الخارجية والمغتربين جبران باسيل طويلا للتجاوب مع مطلب التجمع النسائي الديمقراطي. فقد أعلن عبر "تويتر" عن توقيعه لمشروع قانون تعديل نظام الوزارة مطالباً بإلغاء الفقرة الرابعة من المادة 12 التي تشترط أن تكون المرشحة الى سلك الخارجية عزباء. لكن، بالمقابل، بقيت شروط الترشح الى المباراة في الدورة  هذه على حالها من دون تعديل، رغم تعارضها التام مع الاتفاقيات الدولية القاضية بالغاء التمييز ضد المرأة.

وعليه، واذ أبدى الوزير باسيل سرعة لافتة في التجاوب مع المطلب النسوي، فانه واقعيا قذف بهذا المطلب في بوتقة البيروقراطية التشريعية. فمتى يوافق مجلس الوزراء على التعديل المقترح؟ ومتى يوضع على جدول أعمال اللجان النيابية ومن ثم الهيئة العامة لاقراره؟ وهل سيكون له، رغم بساطة ما فيه، مسار مختلف عن المسار الطويل الذي جابهه ويجابهه كم كبير من مشاريع القوانين الحيوية؟

ومن دون التخفيف من أهمية الخطوة وضرورتها في جميع الحالات، ثمة سؤال لا بد منه في هذا المضمار: فألم يكن من الأجدى بالوزير باسيل أن يقدّم، الى جانب مقترحه بتعديل المادة، قراءة قانونية مفادها أن هذه المادة تعتبر ساقطة فورا لتعارضها مع الاتفاقيات الدولية التي تعلوها من حيث قوتها، وأن يصدر نتيجة لذلك اعلانا بحذف هذا الشرط؟ وطالما أنه لم يفعل، يبقى بإمكان الحراك النسوي العمل على فرض الغاء الشرط من دون انتظار المسار الطويل للعمل التشريعي. كأن يتم ترشيح نساء متزوجات، والتقدم بدعاوى قضائية "رابحة حكما" لفرض قبول هذه الترشيحات في حال تمسكت الادارة بعدم جوازها.

وفي الختام، يسجل ان التجمع النسائي الديمقراطي يعمل حاليا على وضع مخطط لجردة بالنصوص التمييزية في قوانين الوظيفة العامة للعمل على تعديلها. وليس لنا الا ان ندعو له بالتوفيق.