عطفا على المقال الذي نشرته "المفكرة القانونية" في عددها السابق بشأن الخطة الوطنية لحقوق الانسان من زاوية الحق بالعمل والضمان الاجتماعي، تنشر المفكرة هنا مقالا للكاتب نفسه بشأن كيفية مقاربة حق السكن في الاعمال التحضيرية لهذه الخطة. هذا مع العلم ان الخطة الوطنية، التي يتولى مجلس النواب وتحديدا لجنة حقوق الانسان النيابية وضعها بالتعاون مع برنامج الامم المتحدة الانمائي ومكتب المفوض السامي لحقوق الانسان لم تعلن بعد حتى تاريخ كتابة هذه السطور (المحرر). 

لقد رفع المسودة الأولى لهذه الخطة- والتي اطلق عليها اسم "المسودة رقم صفر"[1]- السيد امين مكي مدني بصفته خبيرا دوليا، وذلك في ضوء الدراسات الخلفية التي اعدها خبراء وطنيون بخصوص 23 مجالا. وكان  المدير العام السابق لمؤسسة الاسكان المهندس انطوان شمعون[2] هو الذي اعد المسودة الاولى للورقة الخلفية المتعلقة بحق السكن. وازاء الانتقادات التي وجهت للمسودة رقم صفر، عادت اللجنة النيابية المذكورة وطلبت من المحامي بول مرقص وفريق عمله من مؤسسة جوستيسيا إعادة صياغة الخطة، فوُضعت مسودة جديدة[3].
 وما يريده هذا المقال هو اجراء قراءة نقدية للاشكاليات التي تناولتها توصيات هذه الخطة تحديدا في ما يتعلق بالحق في السكن، وذلك في مختلف مراحلها في ضوء الورقة الخلفية في هذا الشأن، فضلا عن المسودتين اللاحقتين المشار اليهما اعلاه.
فبمعزل عن الحلول التي اقترحتها او لم تقترحها هذه الوثائق، ما هي الاشكاليات التي تناولها او لم يتناولها كل منها من خلال التوصيات النهائية التي رفعها في خاتمته تحديدا؟ ما هي الاشكاليات التي ابرزتها او اتفقت عليها او حجبتها او غيبتها في هذا الاطار؟ هذا ما ساحاول تبيانه من خلال الجدول المقارن ادناه، علما ان العلامة (+) تعني تناول الاشكالية، بعكس علامة (–) التي تؤشر الى غياب الاشكالية عن التوصيات الختامية:
الموضوع الدراسة الخلفية المسودة رقم صفر المسودة الاخيرة
توحيد مؤسسات الاقراض السكني و (بالتالي) تبسيط المستندات المطلوبة للحصول على القرض السكني + (مراقبة الحصول على اكثر من قرض سكني) + +
ترسيم استراتيجية اسكانية وتطوير القطاع السكني في اطار شامل لتنمية سكنية مستدامة + + +
تشجيع البناء السكني التأجيري لفئات اجتماعية معينة ولا سيما لذوي الدخل المتدني غير القادرين على الاقتراض + + + (وذوي الدخل المحدود)
توزيع فرص البناء على المناطق + + +
تأمين الموارد المالية لمؤسسات الاقراض السكني وتفعيلها وتعزيز المشاركة بين القطاعين العام والخاص + + +
توفير البنى التحتية والخدمات العامة الضرورية للمناطق التي يتم فيها مشاريع بناء + (لا سيما العشوائية بغية تحقيق التنمية السكنية والعيش الكريم والحد من الهجرة الداخلية) + (لا سيما العشوائية) +
إشكاليات اساسية اخرى وعديدة[4] + - -
 
وفي ضوء مقارنة التوصيات الختامية أعلاه، امكن تدوين الآتي:
-         فيما عدا بعض الفوارق الشكلية، بدا نص المسودتين الاخيرتين متطابقا، علما ان توصيات مدني كانت بدورها مقتبسة عن توصيات شمعون بدليل ان الخبراء اجمعوا على ست توصيات من التوصيات السبع المدرجة في الجدول اعلاه. مع العلم انه يوجد بعض الفروقات الثانوية كأن تضيف المسودة الاخيرة وجوب افادة ذوي الدخل المحدود (وليس فقط ذوي الدخل المتدني) من برنامج معيّن، او كأن تحذف المسودة الاخيرة الاشارة الى المناطق العشوائية تحديدا بخصوص تأمين البنى التحتية والخدمات العامة، اذ انها تذكر المدن والقرى التي يتم فيها مشاريع بناء بشكل عام.
-         بالمقابل، نلحظ ان الدراسة الخلفية قد اثارت توصيات اساسية عديدة تدل على خبرة واسعة لم ترد في اي من المسودتين. ومن ابرز هذه التوصيات: ايجاد البرامج الاستثنائية الخاصة بالشباب- تعزيز امكانية تحويل الايجار الى تملك بالنسبة لغير القادرين على الاقتراض واصحاب المداخيل الصغيرة- تشجيع برامج الادخار والتسليف السكني- اطلاق برامج تشجيع العودة الى القرى واستصدار النصوص الكفيلة بتحقيق هذه الغاية- ايجاد الاطار القانوني الذي يسمح بطمأنة القطاع المصرفي ويشجعه على الاقراض في المناطق غير الممسوحة- تحفيز البلديات على اعداد وتنفيذ مشاريع سكنية على اراض تملكها او مشاعات تديرها- تقديم حوافز للجمعيات الخيرية والاجتماعية لتنفيذ مشاريع استثنائية بغية تأجير او بيع الوحدات السكنية باعفائها- فصل المخصصات المالية اللازمة لتنفيذ السياسة الاسكانية عن تلك المخصصة لتنفيذ السياسة الاجتماعية- ضرورة مشاركة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي والاوقاف الدينية في تمويل القروض السكنية او المساهمة بتقديم عقارات تصلح لانشاء مشاريع اسكانية- اقتراحات بالنسبة الى المؤسسة العامة للاسكان لا سيما لجهة مصادر التمويل (ومن ابرز تلك التي طرحها شمعون: زيادة عامل الاستثمار العام- الرسم على رخص البناء- عائدات اليانصيب الوطني)، ولجهة تخصيص وتوزيع الاعتمادات للافراد والهيئات المنتفعة بنسب مئوية تساهم في الانماء المناطقي وفي حل المشكلة السكنية (بناء 30%- تملك 40%- ايجار تملكي 30%).
واللافت ان الورقة الخلفية تتّسم بالبراغماتية والمنهجية وبالطابع التخطيطي والتدريجي على الامدين المتوسط والبعيد اذ اعتبرت ان "الغاية من كل المقترحات اعلاه هي تنفيذ السياسة الاسكانية على مراحل بشكل يسهم في تأمين حوالي 10% من الحاجات السكنية سنويا على مدى السنوات العشر القادمة فيما يتعلق باحتياجات الشريحة الاجتماعية التي تعنى بها المؤسسة (...)".
وعليه، يظهر ان الورقة الخلفية تمتاز بوضوح المنهجية التي تتبعها: اولا، وبعد ان عرضت الدراسة للخطة التي تقترحها والاولويات لتطبيقها، حرصت على تحديد مؤسسات القطاعين العام والخاص المعنية بتنفيذها (الوزارات والمؤسسات العامة، والمجلس النيابي، والمصرف المركزي، والجمعيات والاتحادات التعاونية، والمصارف التجارية)، مما يعكس السمة الرسمية والاستراتيجية والعملية المفترض بالخطة الوطنية ان تتصف بها- ولو انه يؤخذ على الورقة تغييبها هنا دور مصرف الاسكان. ثانيا، تميّز الورقة الخلفية من جهة بين المعالجات الآنية والمعالجات المستقبلية، ومن جهة اخرى بين التدابير على المستوى الوطني والتدابير على المستوى المحلي معالجة كلا من هاتين المسألتين الاخيرتين على حدى مما يسهّل فهم مضمونهما على القارئ العادي:
-         ومن اهم ما جاء في الشق الوطني استشراف هذه الورقة حادثتي انهيار مبنيين سكنيين مؤخرا اذ دعت الى ايجاد توجه سياسي صريح لمعالجة الاشكالية الضخمة المتمثلة بعشرات الآلاف من السكان المقيمين في مساكن متدنية نوعيا وتفتقر غالبا الى الحد الادنى من مستلزمات البنى التحتية والخدمات العامة الضرورية وتسودها العشوائية والفوضى وينخفض مستوى وكلفة مواصفاتها "مما يجعل حياة سكانها مهددة بالخطر من جراء انهيارها عليهم وتفشي الامراض والاوبئة (...)". كما طالبت الدراسة باجراء المسوحات اللازمة لمختلف انواع المساكن والاراضي، وبتنفيذ الخطط الانمائية الخاصة بالارياف واعتماد اللامركزية، وباصدار التشريعات الكفيلة بتشجيع البناء السكني لا سيما البناء المنبثق من واقع تراث العمارة اللبنانية.
-         اما لجهة ما اوردته الورقة في الشق المحلي اي بشأن دور السلطات المحلية/المجالس البلدية، فأذكر: مراقبة تشييد المساكن- المحافظة على تراث العمارة اللبنانية- انشاء الحدائق العامة والملاعب والاندية وقطاعات غير تقليدية- وضع آليات تشاورية مع الجمهور لاطلاعه على مسار خطط التنمية المحلية- ادماج برامج للتمكين وتحسين اداء البلديات في القطاعات التربوية والخدماتية بهدف رفع مستوى التمثيل الانتخابي وبالتالي استقطاب المرأة ومشاركتها وكذلك الفئات الاكثر تهميشا والتي تمثل الشريحة الاوسع من المستهدفين بالخطة الوطنية لاعمال الحق في السكن- اعادة هيكلة البلديات بما يكفل لها بناء قدرتها المؤسسية بدينامية تستطيع معها تخطي المعوقات والاشكاليات التي تمنعها من اداء دورها في معالجة واقع فقدان اهلية ضمان حيازة السكن الملائم.    
وازاء ذلك، نأسف ان تكون مسودتا الخطة الوطنية قد افقرتا الورقة الخلفية بدلا من تطويرها. ولربما يكون ذلك ناتجا عن كون منظميها حقوقيين تنقصهم الخبرة التقنية والعملية في هذا المجال والتي وحده يتمتع شمعون بها.
ومع تدوين هذه الملاحظة، تجدر الاشارة اخيرا الى مسائل اغفلتها التوصيات للوثائق الثلاث كافة واهمها قانون الايجارات القديمة، رغم كونه اكثر الاشكاليات اهمية وحيوية والحاحا، سيما وان لجنة الادارة والعدل تستعين بخبرة شمعون في هذا المجال[5]. فهل يعني تغييب هذه المسألة اعلانا ضمنيا بان تحرير هذه الايجارات بات حتميا وان لا حاجة تاليا لمزيد من التوسع؟ كما لا نجد اثرا في التوصيات الختامية للمخيمات او لتأثيراتحرمان اللاجئين الفلسطينيين من التملك على حقوقهم بالسكن. الغياب نفسه نسجله بشأن المساكن المتعدية على الاملاك العامة او الصعوبات المتمثلة في البناء على عقارات مملوكة بالشيوع.  
 
 
نشر في العدد الرابع من مجلة المفكرة القانونية
 
 


[1]مسودة رقم صفر: الخطة الوطنية لحقوق الإنسان 2011-2015"، نُشرت سابقاً على الموقع الإلكتروني الخاص بمجلس النواب اللبناني(http://lp.gov.lb).
[2] انطوان شمعون، "الخطة الوطنية لحقوق الانسان: الحق في السكن"، سلسلة الدراسات الخلفية، مجلس النواب-لجنة حقوق الانسان النيابية وبرنامج الامم المتحدة الانمائي، 2008.
[3]"مشروع الخطة الوطنية لحقوق الإنسان: 2012-2017"، المحامي بول مرقص (تنسيق)، والباحثة الحقوقية ميريام يونس والمحامية المتدرجة نانسي نحولي (إعداد)، منشور في الموقع الإلكتروني الخاص بمجلس النواب والمشار إليه أعلاه.
[4] سأستعرض أدناه وعلى حدى ابرز الاشكاليات التي تطرقت اليها الدراسة الخلفية في توصياتها الختامية.
[5] راجع: جريدة "النهار"، 14/2/2012، خبر تحت عنوان "لجنة المال اجتمعت بكل اعضائها، والادارة واصلت "التنقيب" في الايجارات".