تصدرت مسألة اللجوء السوري الى لبنان وإعداد اللاجئين المقيمين على أراضيه الخطاب العام مع بداية أولى موجاته في العام 2011. لكن على الرغم من مرور أكثر من ثلاث سنوات على بداية هذا اللجوء واستمراره، يلحظ أن مقاربة الدولة اللبنانية لهذه المسألة اقتصرت على جوانبه الأمنية، وخصوصاً على تنظيم دخول اللاجئين السوريين الى لبنان، أو بالأحرى، على تضييقه والتهويل به من دون إيلاء اهتمام كاف لسواها من الإشكاليات. ففي حين أشارت الدولة اللبنانية في متن "ورقة سياسة النزوح"[1] التي صادقت عليها الحكومة اللبنانية في 23/10/2014 الى أن لبنان "أصبح على شفير انفجار اجتماعي اقتصادي أمني يهدّد وجوده، إن لم يعمد، ...  الى اتباع سياسة مسؤولة تؤدّي الى تقليص أعداد النازحين السوريين الموجودين على أرضه والى توفير أمن اللبنانيين والسوريين، والى تخفيف الأعباء عن شعبه واقتصاده"، يسجل تنصلها عن اتخاذ أي خطوات نحو تنظيم سوق العمل أو مسألة السكن تماشياً مع مستلزمات الوضع الراهن وحفاظاً على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين اللبنانيين واللاجئين السوريين على حد سواء. وعليه، استمرت وزارة العمل على نهجها الدائم في مقاربة العمالة الأجنبية، فاكتفت ككل سنة عموماً بإصدار لائحة بالمهن المحصورة باللبنانيين (القرار المؤرخ في 16/12/2014) دون أن تترجم بأي خطوات عملية تجاه تنظيم سوق العمل وتفعيل الرقابة على ممارسات أصحاب العمل المجحفة تجاه العمال (طرد عمال لبنانيين وتوظيف غيرهم دون احترام ظروف العمل أو التصريح عنهم وتسجيلهم في الضمان الاجتماعي). وبالطبع، كان لغياب الدولة عن تنظيم سوق العمل نتائج سلبية جداً على جميع الأصعدة، فضاقت الحالة الاقتصادية على الفئات الأفقر والأكثر تهميشاً وزاد معه العنف الممارس على اللاجئين السوريين الذين تحملوا ولا زالوا يتحملون وحدهم اللوم[2].

حمل هذا الواقع عمال البناء في زغرتا (شمال لبنان) على تنظيم أنفسهم منذ العام 2012 الى أن حصلوا على علم وخبر صادر من وزارة العمل خلال شهر تشرين الأول من العام 2013.

لا تضم نقابة عمال البناء في زغرتا عمالاً أجراء في شركات، بل هي تجمع أصحاب المهن الحرة المعنية بالبناء (نجارين، معلمي كهرباء وصحية...) قرروا أن ينظموا أوضاعهم نظراً لتدهور ظروفهم الاقتصادية. فمع العلم أن أصحاب المهن الحرة يعتبرون أصحاب عمل، إلا أنهم قد ينتمون الى أدنى "طبقات أصحاب العمل" وتقرّبهم هشاشة أوضاعهم الى العديد من العمال الأجراء الذين يعانون من انعدام أي تغطية صحية شاملة مثلاً، من فئة أصحاب العمل.

ونظراً لأهمية تأسيس نقابة مماثلة في الظروف الراهنة، قابلت المفكرة القانونية ثلاثة من مؤسسيها، وهم سايد جعيتاني، ميلاد صادق ويوسف دحدح (النقيب)، الذين استفاضوا في الحديث عن الأسباب التي حدتهم الى إنشائها. فإلى جانب مشكلة غياب أي ضمان صحي يشملهم، لعبت منافسة اليد العاملة الأجنبية، وخاصة السورية، دوراً كبيراً في هذا المجال. وهم يشرحون أنه مع ازدياد أعداد اللاجئين السوريين وفي ظل حاجتهم الماسّة الى العمل من أجل تأمين لقمة عيشهم، تدنت بدلات العاملين في سوق البناء. وقد حمل ذلك المقاولين ومتعهدي البناء في المنطقة على الاستغناء عن اليد العاملة المحلية واستبدالها باليد العاملة السورية.

ويصرح النقابيون أنها النقابة الأولى التي تم تأسيسها في زغرتا، وأن عدد المنتسبين اليها زاد بوتيرة سريعة (تضم اليوم النقابة حوالي المئة شخص). وهذا الأمر إنما يؤكد أنها نشأت عن حاجة ملحة لعدد كبير من أصحاب المهن. كما يعزو النقابيون نجاح النقابة في استقطاب العاملين في مجالها الى تمسكها باستقلاليتها إزاء جميع الأقطاب السياسية والزعامات العائلية الإقطاعية الموجودة في المنطقة. وهم يؤكدون أنهم رفضوا الانضمام الى نقابة عمال البناء الموجودة في طرابلس، كونها تضم حسب رأيهم أسماء وهمية، وقد أفرغها سياسيّو المنطقة.

يشدد النقابيون على أنهم لا يطالبون بطرد العمال السوريين، فهم يعلمون أن الحاجة الى هذه اليد العاملة ماسّة، لكن يطالبون الدولة بتنظيمها. وإذا قرأنا لائحة أهداف النقابة، يظهر لنا أنها تطمح الى قيام ما كان على الدولة اللبنانية فعله منذ زمن طويل وبشكل أكثر إلحاحاً مع تزايد أعداد المواطنين السوريين في لبنان، أي تنظيم العمالة الأجنبية تنظيماً واقعياً وعقلانياً يأخذ بعين الاعتبار مختلف المصالح المتناقضة. فليس المطلوب لا تجاهل تزايد أعداد هؤلاء في لبنان، ولا تهجيرهم أو منع دخولهم، بل التعامل مع الواقع كما هو.

وهذا ما نقرؤه في ورقة الأهداف التي حددتها النقابة وفندتها في تسع نقاط. فإلى جانب مسألة العمل على إيجاد تأمين صحي لكل العمال المنتسبين للنقابة وهي مسألة يعتبرها العمال النقابيون أولوية، نقرأ "إيجاد فرص عمل جديدة من خلال مكتب النقابة وعلاقاتها بالعامة"، بالإضافة الى "تنظيم اليد العاملة الأجنبية ومنع المزاحمة غير المشروعة ومساعدة طلاب المدارس لإيجاد فرص عمل لهم في أوقات فراغهم بالتعاون مع معلمي البناء" وأن "يكون مكتب النقابة عنواناً للعرض والطلب ومكان وجود العامل الزغرتاوي وعنواناً لطالبي اليد العاملة اللبنانية". وكأنما النقابة تسعى ليس فقط الى حماية أعضائها من العمالة الأجنبية بل أيضاً الى استقطاب اليد العاملة اللبنانية القليلة الكلفة (الطلاب في أوقات فراغهم) الى العمل في مجال البناء.

تستمر الدولة في اعتماد نهج الإهمال في تنظيم العمل وحماية العامل اللبناني والذي شهدناه سابقاً من خلال ضرب النقابات العمالية وتعطيل المؤسسة الوطنية للاستخدام، والذي نشهده اليوم عبر إحجامها عن تنظيم سوق العمل وحماية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للعمال. وهي باعتمادها النهج هذا وضعت عن قصد العمال اللبنانيين بمواجهة العمال السوريين. أما اللافت في موضوعنا هذا فيكمن في ردة الفعل التي صدرت عن قطاع عمال البناء في زغرتا والتي يمكن وصفها بالعقلانية في مقاربة مزاحمة اليد العاملة اللبنانية. الدولة اللبنانية مطالبة اليوم أكثر من أي وقت بأن تبادر وتتحمل مسؤولياتها في تنظيم قطاع العمل، مع ضمان حقوق كل من اللاجئين السوريين والعمال اللبنانيين، فإذا عدلت عن ذلك، فسنشهد المزيد من المبادرات الصادرة من هنا وهناك والتي لن تكون جمعيها بالضرورة شبيهة بتجربة نقابة عمال البناء، بل ممكن أن تترجم بأعمال عنف تجاه اللاجئين السوريين مثل ما سبق وحصل. يبقى أن نتمنى ألا تنزلق النقابة، خاصة في حال عدم استجابة الدولة لمطالبهم، الى خطاب يلقي اللوم على العمال السوريين.
 
٭باحثة في القانون، من فريق عمل المفكرة القانونية

نشر في العدد الخامس و العشرين من مجلة المفكرة القانونية

[1]نزار صاغية وغيدة فرنجية “أهم ملامح السياسة اللبنانية في قضية اللجوء السوري: من سياسة النعامة الى "السلطة الناعمة"، المفكرة القانونية، العدد 23، كانون اول 2014
[2]سارة ونسا، "كيف ساهمت الدولة اللبنانية في تحفيز العنف ضد اللاجئين السورين؟"، المفكرة القانونية، منشور على الموقع الإلكتروني، أيلول 2014