لا شك بأن بروز تنظيماتٍ في بلدٍ ماتعتبر أن المنطق التآمري هو المحرّك الأول للحكم هي من علامات انغلاق اللعبة البرلمانية في هذا البلد على نفسها وشعور ناسه بابتعاد القرارات التي تتحكّم بمصائرهم عن رأيهم ومنالهم، فتتعزز نظرة هذه التنظيمات من مَشاهد الصَفقات، والنِقاشات المغلقة، والاتفاقات الجانبية التي يقوم بها المُشرّعون، والتي يُضطرون الى إعلانها والإفصاح عنها عند المُفترقات المؤسساتية المُتنوّعة. فكيف ببلدٍ مثل لبنان أصبح بَرلمانه مُنغلقاً على الانتخابات، أي على خيار الناس، بالكامل، فلم تترك فيه الطبقة السياسية من مجال لسردية مختلفة؟

لكن أي مراقبة للأرض السياسية اللبنانية بالمقابل، وللتعبئة الشعبية فيها، تقول بأنه حتى في حالات قصوى من الانغلاق كهذه، لا تزال الطبقات المسيطرة تجاري الى حد ما الأرض الشعبية، في نمط حكمها، مُستندة الى وسائل شرعية[1] مُتنوعة ورديفة لإقامة حكمها وتجديده. لكن على هذه الوسائل أن تَتكيّف وتأخذ شكل السرديات الخاصة بالنظام البرلماني، وهي التي تعمل على أساس أن كل شيء ما زال على ما يرام. ومن هذه السرديات، ما يقوله النظام البرلماني عن نفسه: بما أن البرلمان يمثل المجتمع،وجب الإقرار بوجود اختلافات وتنوّع داخل المجتمع، وبأن هذا التنوع يجب، في حال احتوائه على صراع اجتماعي معيّن، ألا يردّ الى وجوب إعادة صياغة كل شيء بحيث يختفي الاختلاف وأداته، البرلمان.
من هنا تقوم "نظرية المؤامرة"، بما هي نَظرَة مُعينة يستجدي بها الناس لتلمّس الأشخاص والأحداث السياسيين، لتعكّر صفاء سردية النظام البرلماني الأساسية هذه لأنها تنطلق من فكرة أن الاختلاف السياسي العلني هو زائف، وأن الناتج من ذلك هو اختلاف أكثر جوهرية في الحقوق وفي إنسانية الناس داخل النظام البرلماني، إذ هناك من يستفيد أكثر من غيره من استقرار هذا النظام.

في المقلب الآخر من الاعتقاد بالمؤامرة، تقف "الفضيحة" كشكل آخر من العلاقة الرمزيةبين الناس والطبقات الحاكمة.وبالرغم من وجود أوجه الشبه بين المؤامرة والفضيحة، قد تُفتي الفضيحة بالاستنتاج النقيض، بأن النظام التعددي ما زال مفتوحاً على المفاجآت، لتُسلّط الضوء على الاختلاف في الشخص الواحد، إذ يكون الشخص غير ما يقوله ويدّعيه، كما تقول النظرة الى المؤامرة. والفضيحة هنا تشكل برهاناً إضافياً لمن يفكّر بوجود المؤامرة. لكن تستمر سردية الفضيحة لتقول إن الشخص المفضوح هو "وحيد" في ازدواجيته، هو حالة فريدة، وعليه الآن مواجهة مبادئ وتبعات النظام البرلماني والحياة التعددية من محاسبة وإذلال علني ...الخ. ما يعني أنه بقي للنظام البرلماني إيجابية، وإطار محاسبة لأقوياء القوم، وأن التغيير ما زال ممكناً.

المؤامرة والفضيحة هما إذاً منظومتان (ليستا الوحيدتين) من العلاقات الرمزية التي يطرحها النظام البرلماني والمركزي (حيث مركز حاكم بعيد المنال)، تستمدّان موادهما، كما يمكن أن نتصوّره، من مجموعة من مواصفات الحكام والعاملين في الإدارات العامة، وعلى الحكّام بالتالي، أي الطبقة الحاكمة، التكيّف معهما، إذا ما أرادت أن تستمرّ زمنياً، وعليها أن تقيم الحساب لنزعة الناس لرصد وترقّب الاثنتين (المؤامرة والفضيحة)، وصولاً الى استخدامهما من قبل بعض أعضاء الطبقة الحاكمة ضد بعضهم الآخر.

انطلاقاً من هذه التوضيحات، ورصداً منا لمناهج الحكم المتنوّعة المُعتمدة من قبل السلطات في لبنان، سيتطور هذا المقال بمنطق شبيه بالنظرة الى المؤامرة[2] لمعالجة "فضيحة" تسنّى في الأشهر الخاتمة لعام 2014 للبنانيين متابعتها عن كثب، ألا وهي فضيحة الغذاء الفاسد في المطاعم والمصانع والمسالخ التي أثارها وزير الصحة وائل أبو فاعور.

بدايةً، وتبعاً لما لَفت اليه زملائي في "المفكّرة القانونية"سابقاً، يقتضي الإقرار بأن الطريقة التي انطلقت بها الحملة ضد "الغذاء الفاسد" لم تكن عادية. وزيرٌ للصحّة، وأي وزير، من أولئك الذين ينتمون الى حزب كان دائماً في صفّ الأغنياء، إن لم يكن ممثلاً مباشراً لمصالحهم، وإذ به يلجأ "للتشهير" عبر الإعلام المرئي بمؤسسات اقتصادية متنوّعة، بعضها له سلطة من ذاك الصنف الذي يَمنع نشرات الأخبار التلفزيونية من انتقادها لكثرة موْنتها عند الشركات الإعلانية، وقد هبّ بالفعل لنجدتها وزراء آخرون، سابقون وحاليون، أبدوا علناً اعتراضهم أو تحفّظهم على عمل زميلهم (أبرزهم الوزير الحالي ميشال فرعون والسابق فيصل كرامي). فما عدا مما بدا؟
 
فهم الموضوع من حيث المواقع السياسية
من بين التكهنات الحاصلة في الساحة الإعلامية حول أسباب الوزير أبو فاعور في إطلاق الحملة، كان لزاوية "التدبير التآمري" بعض الوزن، مع تغليب الأسباب الطائفية أو المناطقية. قيل إن الوزير أبو فاعور لم يمسّ بمطاعم بيروت، أو أنه يشّن حملة على طرابلس مثلاً. على أن الوزير كان يختار تسمية مطاعم ويتجنّب تسمية مطاعم أخرى قد تكون محسوبة لفريقه، أو طائفته، أو منطقته الانتخابية. وقد تكون هذه الملاحظات صحيحة إلى حد ما، بالشكل، لكن المنطق الذي تدعو اليه والاستنتاجات التي يدعو اليها لا شك خاطئة، إذ إن أي تحليل لبادرة تصدر من الطبقة الحاكمة وتدّعي استهداف جهات من الطبقة الحاكمة نفسها، ولو كانت الجهات المُستهدفة اقتصادية وليست سياسية، أي تحليلٍ إذاً يجب أن يأخذ بعين الاعتبار الطبيعة "غير الطائفية" والديناميات الخالية من التمييز الطائفي التي تتّسم بها العلاقات بين أركان هذه الطبقة السياسية المالية في معظم أوقاتهم. إن رجال الأعمال، والسياسيين المرتبطين بهم، لا يأبهون للانتماء الطائفي عند خوضهم "بالبزنس". ويمكن الجزم في جميع الأحوال أن الفريق الجنبلاطي، ذا الحجم المحدود من حيث استحواذه على مواقع سلطة إدارية بالمقارنة مع الأفرقاء الطائفيين الآخرين، لن يكسب عما قريب "حصةً أكبر للدروز" عبر فتحه حرباً على "حصص باقي الطوائف". وعليه لا يمكن التصديق أن وزيراً حزبياً منضوياً في فريق عمل شخص مُتمرّس مثل جنبلاط في التخاطب والتفاوض مع الطبقة العليا في تعدد طوائفها لحدود استثمار الذات أكثر من أي سياسي آخر، قد يتجنّب الأخذ بالاعتبار لهذه الديناميات ولو تصرّف عفوياً وتلقائياً ومن دون سابق تفكير.

وقوفاً عند هذه الملاحظات، ودون الانجرار في ما تقدّمه المسرَحَة التلفزيونيّة من شخصيات وأبطال منغمسين في "قضية الأمن الغذائي" أو "التلوث الغذائي"، وبالمقارنة مع السوابق التاريخية للمعنيّين وبفهم "المواقع" السياسية بحسب "تَمَوقُعها" التاريخي والاجتماعي، ليس من الصعب الاعتبار أن "الفضيحة" التي أطلقها الوزير أبو فاعور تعمل ضمن حدود مُتَّفق عليها على مستوى قيادات القوى المسيطرة الرئيسية في البلاد، قيادات "الصف الأول" كما تسمى عادةً، أو من يصلح تسميتهم في ظروف إعلامية وتلفزيونية أكثر نقاءً وأقل تضليلاً "بالشلّة الحاكمة". وما علينا إلا بمقارنة هذه "الفضيحة" التي أطلقها الوزير أبو فاعور بفضيحة أخرى لا تقل أهمية وجدية وشَبهٍ نظري، عَمِل الحزب التقدمي الاشتراكي على إخمادها وسترها، وهي فضيحة النفايات ومكبّ الناعمة/عين درافيل في كانون الثاني 2014، والتي شهدت نتيجتها البلاد تجمّع النفايات المنزلية في الشوارع وشلل نظام التخلّص منها بشكل شبه كامل[3]. وقد لعب الحزب الاشتراكي وغيره من الأفرقاء السياسيين من كل "الخنادق" دوراً فعالاً وعدائياً لإيقاف الحراك الذي نظّمه أهالي المنطقة المجاورة للمكب والذي نال آنذاك تأييداً شعبياً نسبياً بحسب أحد الاستطلاعات[4]. والطريف أنه يبدو أنّ تبنّي الحزب لحملة الوزير أبو فاعور مؤخّراً تجرّه بالموازاة إلى أخذ المواقف مجدداً في موضوع مكبّ الناعمة، لضرورات الانسجام مع الذات أمام جمهور المنطقة الواقعة في مجاله الانتخابي.
 
حدود الفضيحة ومحدوديّتها
بموازاة عملية الفضح، كان بعض الوزراء، ومنهم الوزير الجنبلاطي أكرم شهيّب، يعتمدون خطاباً أكثر لطفاً وتفهّماً إزاء ممثّلي قطاع الأعمال في دوائر لقاء وتشاور مُتخصصّة[5]، لكن مواقفهم بقيت محصورة، ومعروضة بشكل غير مباشر بالمقارنة مع الروحية الشعبية التلفزيونيّة لمؤتمرات الوزير أبو فاعور الصحافي ومع رد الوزير فيصل كرامي (وهو سياسي لا ينتمي الى كتلة حزبية كبيرة). فإذاً، يجب فهم هذه المواقف على أنها، بحكم محدوديتها، تهدف الى تطمين الجهات المعنية بعمليات التشهير والفضح، أو تطمين ساحة "الأعمال" عامة. لكن لماذا لا يحصل التطمين بالسر مثلاً؟ (وقد تكون حصلت بعض التطمينات بالسر فعلاً بالموازاة) ولماذا اللجوء إلى بعض أطر العلنية للقيام بذلك، مثل عقد اجتماع بين ستة وزراء من الحكومة مع ممثلي القطاعات الاقتصادية المُختلفة؟ الجواب سهل: لأن المطلوب ليس انهيار الهيكل كاملاً، والهيكل يعني هنا مؤسسات الأعمال وديناميات توسّعها وربحها وتوزيع ربحها بالإضافة إلى استقرار هيئات تمثيلها أمام الرأي العام، على أن يتمّ التجديد بالأرجح لرئاسة محمد شقير لرئاسة غرفة التجارة والصناعة لبيروت وجبل لبنان، وبالتزكية أيضاً، في انتخابات الغرفة المقبلة.
 
وعليه، يبدو جلياً أنه على المستوى الرمزي، ودون انتظار نتائج التحقيقات والملاحقات والإجراءات الاحترازية، لا يمكن اعتبار الفضيحة التي أطلقها وائل أبو فاعور فضيحة بكامل المعنى النظري للكلمة، إذ لا يُتوقع أن تنتج هذه مشهداً تكون فيه الضحية المفضوحة متروكة من دون سيطرة على مجرى الأحداث وعلى سبل استمرارها، ولا مشهد اعتذار أو انتحار بفعل الندم أو انسحاب من الحياة العامة. وحلقة أبو فاعور الفضائحية تبدو شبيهة في هذا الخصوص بحلقة أخرى اضطر من خلالها ممثل لقطاع الأعمال الى "تحمّل" الفضيحة أو الإذلال الإعلامي دون أن يكون لهذه نتائج. ذلك عندما ألزم رئيس المجلس النيابي نبيه بري رئيس جمعية المصارف فرنسوا باسيل بالاعتذار من المجلس علناً بعدما كان باسيل قد نعت النواب بصفة "الحرامية". وبالرغم من الفروقات بين الحلقتين، من حيث لحظاتها (الأولى بدت عفوية والتالية مُحَضَّرة)، يدعو تشابهما إلى معالجة حلقة أبو فاعور بمنظار مشترك مع سابقة بري[6]، وهو طبعاً ليس بالضرورة المنظار الوحيد: على أن "الفضيحة" تعمل كأداة بيد الطبقة الحاكمة – في عهد انسجام أعضائها – بغية تحقيق احتواء لضغطٍ شعبي أو اجتماعي ما آتٍ من خارجها.
 
وعلى المرء أن يعي متى جرى إقحام "القانون" لخدمة سيناريو فيلم فاشل، مثل وصفات أفلام "الويستارن" حيث يضع "الكاو بوي" إشارة "الشيريف" على ثوبه لحظات قليلة قبل أن يُعدم خصمه منتقماً، بدل أن يُقتبس أو يُستشهد بالقانون ضمن منطق تحقيق "حكم القانون". فبدل مؤتمر صحافي، والتحصّن استثنائياً بالبند 45 من قانون حماية المستهلك الذي يسمح لوزارة الصحة بإعلام المواطنين، كان أجدى بالوزير أبو فاعور أن يُطلق لائحةً أو مؤشراً ما، يأخذ شكل منشور بحجم PDF، ليس عليه أن يطبعه حتى، تقوم وزارته بنشره دورياً على موقعها على الإنترنت، ويكون بتصرّف الإعلام والمواطنين (الذين لا يعودون بحاجة اليوم إلى الإعلام لتناقل معلومات كهذه)، فيه لائحة المطاعم التي قام خبراء الوزارة بتفّقدها وتقييمها. والخطوة هذه لا تحتاج إلى "تنسيق جهود" مع غير وزارات أو إلى "ورشة عمل"، ولا إلى مال إضافي، ولا خاصةً إلى هذه المسرحة المُرهقة للعاملين في الوزارة ومختبراتها وكأن عقود عملهم مع الدولة أصبحت مرتبطة بتوقيتات "فضيحة" الوزير ولعبتها الإعلامية والدعائية (وسيقتضي عليها التوقف إذاً في مرحلة لاحقة). هذا النوع من "اللائحة السلبية" كانت لتُؤخذ بجدّية أكثر من "اللوائح الاحتفالية"، مثل الجوائز، ومؤشرات الامتياز (مثل ال-ISOوما أدراك ما ال-ISO) التي تتابعها المؤسسات الخاصة وتتغنى بها وتتسابق عليها، وقد تؤدّي (لائحة الوزارة) إلى تسابقٍ بين المؤسسات من النوع المَرجو. بدلاً من ذلك، يكمل الوزير حتى كتابة هذه الأسطر عملية الفضح، دون وتيرة واضحة (وهذا مبدأ الفضح)، ودون تقديم أي تقييم إحصائي ومعياري يُحدد الحجم الكامل للقطاع الذي يجب التحقيق فيه ويمكن من خلاله تقدير مستوى تحقيق الوزارة لأهدافها، وقد يتوقف الوزير مثلما انطلق عند أي لحظة. ربما يتوقفّ الفضح قريباً بحجة تجنّب أذية "السياحة" و"العجلة الاقتصادية" و"موسم الأعياد"، ولإعطاء المجال للقضاء ليلعب دوره، ليزيد لا-معنى إضافياً إلى سردية الوزير المُنفعل، وهو الافتراض أن نظام "الأمن الغذائي"، من مراقبة ومحاسبة ومعالجة، سوف يقوم بعمله الآن وهو لم يقم بعمله بالأصل بسبب تعطيل الجهاز القضائي المُختص من بين أسباب شتى[7].
 
إخفاء بنية السوق كأساس للفضيحة
هذا السيناريو، الذي يُسطّح الموضوع ويخفي معالم أركانه، من مسؤولين، وأجهزة، ومؤسسات، قد تصبغه بالجدّية الطريقة التي طُرح بها، إذ ذُكرت أسماء كبيرة مثل مزارع "تنمية" و"كبابجي" إنما من خلال خلطها مع أسماء صغيرة، معروفة ربما بنطاق مناطقي بأقصى تقدير، وأسماء ذات "محسوبية" رمزية واضحة (وغير مالية) في الذاكرة المدينية مثل "ملك البطاطا" (الذي "زاره الحريري" في التسعينيات). والنتيجة من هذا الخلط هو الستر على حقيقة أن الغذاء مثل غيره من القطاعات الاقتصادية هو قطاع لا تتساوى فيه الأرباح وبالتالي المسؤوليات والقرارات الصحّية الناتجة، أي إلى ستر بنية (أو بنى) القطاع الغذائي. هي صورة بسيطة ونموذجية لهذه البنية، تشبه بنى القطاعات الاقتصادية الأخرى ودينامياتها التنافسية، التي أمكن للقراء متابعتها في الموضوع الذي أثارته جريدة "الأخبار" على صفحتها الأولى في عدد 22 تشرين الثاني 2014، مستفيدةً من صخب فضيحة الغذاء، عن "فَلورة" الملح، أي إضافة مادة الفلور (أو الفلورايد) إلى الملح الذي فرضه قانون خاص صادر في العام 2011 ( رقمه 178، صادر في 29 آب) فرضاً إلزامياً على كل أصناف الملح في السوق اللبنانية دون استثناء. وفي هذا المجال، يعزو رئيس جمعية حماية المستهلك زهير برو إقراره والمسار الذي أدّى إلى اختراعه إلى وكلاء استيراد الملح وغير سلعٍ أجنبية في حربهم على الصناعيين المحليين وجهدهم لاحتكار السوق المحلية (الأخبار في 24 تشرين الثاني 2014). إذ توجب هذه الإضافة على الصناعيين المحليّين شراء مادة الفلور والتَدَرّب على استخدامها وتعديل منهجيّة معاملهم وبالتالي إعادة تكييف أسعار منتجاتهم مع التكلفة الإضافية المُترتبة عليهم. غير أن الفكرة من موضوع "فلورة" الملح لها مترتبات من نوعٍ آخر، تتعدى البنية الربحية لسوقي الملح والاستيراد، إذ إن الفلور واستعماله في المعامل يضر كثيراً، وضرراً مميتاً، بصحة العاملين فيها، وإضافته المنشودة في القانون بحجة تقوية الأسنان، وبرأيٍ جازم لخبراء من كل المجالات الاختصاصية المعنية بالصحة عرضتها الأخبار، تضر بصحة الأطفال الرضّع والنساء الحوامل والناس ضرراً كبيراً. وما كان من الوزير أبو فاعور، الشاب، العملي، السريع البديهة، بسحر ساحر، وبعكس قرار الحكومة التي شارك فيها حزبه وأقرّت القانون ثم المرسوم الموجب، إلا أن طلب في اليومين التاليين لمقالة "الأخبار" بتجميد العمل بالمرسوم الرقم 11841 الصادر بتاريخ 22 أيار 2014 المُلزم للمعامل المَحلّية بمادة الفلور، طبعاً دون أن يعلم الرأي العام بأسماء المسؤولين عن وجود قانون أو مرسوم كهذا.

هذه البنية، وهذه السياسات، وهذه الأوزان في المسؤوليات، كما طبيعة هذه المسؤوليات الجرمية والجنائية، هي جزء من الأمور التي يَسترها منطق الفضيحة الذي يعتمده الوزير أبو فاعور، الذي يوازي الجميع بعضهم ببعض دون أن يسلّط الضوء فعلياً على أحد. إن أي مقاربة لموضوع فضيحة الغذاء، من حيث هي سياسة يتبعها حزب من الأحزاب المهيمنة في شأن سوق مُعيّنة، لا يمكنها أن تتجاهل أبعاد هذه البنية الاقتصادية والحروب التنافسية الدائرة في داخلها، والتي كان للحزب المذكور وسلك رجال الأعمال الدائر في فلكه دور فعال في مثيلاتها. وقد تميّز الحزب الجنبلاطي وغيره في نقاطٍ مفصلية من المواجهة بين أصحاب الرساميل والعمال مثلاً، أو بين أصحاب الرساميل والمواطنين، في موقفه الحازم والريادي في التضامن مع أصحاب الرساميل[8]. وعليه، لا يمكن أن نستبعد من فرضية الاحتواء أعلاه أن تكون السياسة المُعتمدة هذه موجّهة أيضاً إزاء المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم في القطاع الغذائي، على أن تقوم (السياسة) بدور التهديد طلباً للرشوة أو بهدف ضمّ هذه المؤسسات الى منظومة العلاقات الزبائنية. فلا يبدو حتى الآن أن الصدام مع المؤسسات الخاصة قد ولّد تصادُماً مع جزء من الجمهور الانتخابي للحزب الاشتراكي مثلاً، ما يعزز فرضية أن المساحات الاجتماعية التي تضربها الفضيحة تبقى ضمن دائرة "المشاع" المفتوح على مشاريع السلب ووضع اليد.
 
فضيحة كلاسيكية
لكن الوظيفة الكلاسيكية للفضيحة، على ما يذهب إليه الكثير من المنتقدين "الراديكاليين" عادةً، تبقى في العمل على احتواء الجمهور العريض للمواطنين تحديداً، عن طريق "إلهائهم" كما يقال، أو عن طريق "شغل بالهم بالأمور الصغيرة". لكن هل مسألة أمن الغذاء فعلاً صغيرة؟ وألا تستحق أخذها بجدية أكثر، وتقييمها على "تقدّميتها" المرجوّة (على وزن "أخذ الأمور إلى الأمام" كما يقال في اللغة العامية) مهما "تواضعت" خطوات الوزير أبو فاعور؟ فالحُكم كما نعرفه في لبنان، ممسوك المفاصل، ولا يمكن للمشاريع الإصلاحية أن تتحرك ضمن مساحاته بالوسائل المؤسسية التقليدية دون مواجهة عراقيل. نترك هذه الفرضية، فرضية أن الوزير أبو فاعور لم يكن بإمكانه أن يفعل غير الذي فعله، مفتوحةً للاستكشاف لمن أراد أن يراهن على تغيير في عمل كتلة جنبلاط النيابية مُزمن وواعد بالأمجاد. يبقى أن هناك طريقة أخرى للنظر إلى موضوع جدّية الفضيحة المطروحة. إذ إن الفضيحة هذه يمكن مقارنتها نظرياً بالأساطير. ويقول عالم الاجتماع لوق بولتانسكي في مقالة له عنالرواية البوليسية ونشأتها، مستشهداً بكلود ليفي ستروس، إن هذه (الروايات) تعمل مثل الأساطير، على تحريك التناقضات الموجودة في المجتمع وجرّها على الفعل (font travailler) عبر قلبها في شتّى الاتجاهات. والفكرة غير المباشرة التي يمكن اعتمادها من هذه الاستعارة، وهي من مذاهب علم الاجتماع المُستحبة والداعية للتواضع الدائم في قياس الأمور مهما بلغت أهميتها و"سماويتها"، هي أنه، مثل الأساطير عند الشعوب التي يُنظر اليها على أنها قديمة أو مُتخلّفة، قد تنوجد في أي مجتمعٍ منظومات ووسائل تقود أكثر أشياء المجتمع جدّية مثل الآلهة والأبطال والقوى الما-ورائية الرهيبة، في "نزهةٍ سردية" مجانية المظهر. فلا تناقض هنا بين "وهم" أو "مجانية" النزهة من جهة، وجدية العناصر الُمكّونة لها من جهة أخرى. وقد أتيح للمراقب والمراقبة أن يشاهد في الأشهر الماضية نموذجاً عن هذه العلاقة الرمزية، التي قد تفهم تبسيطاً من البعض "كانحراف"، في الموضوع الذي أثاره الأمين العام لحزب الله في أحد خطابات عاشوراء عن الإيمان "بالمهدوية" الآخذ في الانتشار داخل جمهور حزبه (أي أن بطل الرواية المنحرفة كان المهدي المنتظر وحربه الخاتمة للزمن). هذا المثال، مثل غيره، قد يشير الى احتمال وجود استعدادٍ كبير عند فئات من الجمهور الوطني لهذا الشكل من العلاقات الرمزية التي لا يستقيم الكلام بحقّها الآن دون مزيد من التَقصّي.

فإذاً لا تناقض بين منطق الفضيحة، "المجّاني" والخفيف، وجدية الأمور التي تعالجها وتحرّكها الفضيحة، ولا ضير في طرح فرضية كهذه. ويمكن التكهّن أكثر في الغايات المرجوّة من السياسة هذه، إذ ليس هناك شيء أكيد في ما كان حافزاً للوزير أبو فاعور في إطلاق حملته في تاريخها وعلى رضوخ باقي أركان الحكم للّعبة هذه. والحافز/السبب الملموس قد يكون صعب الحصول عليه، لا يعرفه سوى حلقة ضيّقة من السياسيين أو النافذين، وكاتب هذه السطور ليس بوارد الاختلاط بالساسة السياسيين عما قريب للاستفسار عن الموضوع ويفضّل مثل الصابرين من الإماميين ترك ظهور الأسباب للوقت الطويل. قد تشمل الحوافز عدة مستويات، منها تحديداً إضفاء السردية "الأسطورية/الميثولوجية" على هذا الصنف من الكتل السياسية التي تسمى "بالوسط"، فيما منافِساتها الأكبر حجماً والجماهيرية الطبع في الساحة السياسية مثل حزب الله، والتيار الوطني الحر وتيار المستقبل تطوف في فائض من الخطاب "الميثولوجي" الخاص بها وحدها، أي الخطاب الذي يحرّك الأذهان دون تحريك الواقع. ومن الأسباب قد تكون مهمة تحريك "الحياة السياسية" وإعادة "بعث الحياة فيها" بعد حلقتي التعطيل المتمثلتين بتمديد مجلس النواب لذاته والتحدّي الذي تمارسه التنظيمات الجهادية في مواجهة الدولة من خلال أسر عسكريين واستخدامهم كرهائن تعدم بعضهم دورياً أمام عجز الطبقة السياسية المفضوح. وهي جميعها أحداث يستحيل على خطاب القوى السياسية الكبرى (أي 8 و"14 آذار") معالجته، ما قد يفسّر هدوء هذه القوى النسبي المُسجل كعلامة رضى على سياسية زملائها "الوسطيين". ومن الطريف في الموضوع مشاهدة "المُمثلين" السياسيين لهذه الرواية يأخذون أدوارهم بكامل الجدية، إذ تعود الحياة الى الحزب التقدمي الاشتراكي فيما يوعز وليد جنبلاط عبر "قناة تويتر" تقديم "الدعم كل الدعم" للوزير أبو فاعور (موقع "النشرة" الإلكتروني في 13 تشرين الثاني 2014) وكأنه تنقصه قنوات الدعم الأخرى أو كأنه يشاهد ما يحصل من خارج الحكومة بينما يعتمد الحزب الاشتراكي على اللا-مركزية في توزيع العمل بين عناصره.
 
الخلاصة المكتسبة من الفضيحة: القطاع الخاص مُجرم
إذا كان الهدف من سياسة الاحتواء هذه، ومن الضوء الأخضر المُعطى للحزب التقدمي الاشتراكي ولحركة أمل في غيرها من القضايا الإصلاحية، تركيز وتثبيت النظام القائم بالتوازي مع تحوّلات أهواء الناس التي يمكن للسياسيين رصدها عن طريق قنواتهم الخاصة حيث لا يمكن للمراقب والباحث سوى طرح الفرضيات، يبقى أن بعض "الواقع" الذي يَبرز من هذا النمط من الحكم لا يخرج سليماً، ويمكن الركون على السردية/الفضيحة المطروحة وعلى توزيعها للأدوار "الشريرة" لبناء النقد. من بين هذه الأدوار، يأتي الدور المعطى للجهة المُسمّاة "بالقطاع الخاص"، بالضبابية المعهودة التي يَحملها هذا المصطلح عند الجهات المُتحدثة باسمه والمسوّقة لهذا النوع من المنطق الضبابي. ونعني ممثّلي القطاعات "الاقتصادية، "الهيئات"، "الغرف"، "الكارتيلات" على ما يسمّيها وليد جنبلاط في دعمه لأبو فاعور. وفي هذا السياق، نرى رئيس غرفة الصناعة والتجارة والزراعة محمد شقير محاولاً تخفيف الأضرار، فيقول في اجتماعه مع الوزراء السِتة من الحكومة لمعالجة تبعات الفضيحة إن "المسؤولية تَنقسم" في موضوع تسميم الغذاء بين القطاع الخاص والقطاع العام ("السفير"، في 24 تشرين الثاني 2014)، مُقحماً "القطاع العام" في أمور لا تعنيه. وهو بذلك جرى على عادة الخلط والإقحام المعهودة لمتحدّثي هذه الغرفة وغيرها كما حصل عند تدخلّهم اللا-قانوني في شأن معاشات موظّفي القطاع العام في معركة سلسلة الرتب والرواتب. وقراءات "الفضيحة" هذه، سواء أخَذَت البنية المخفية لقطاع الغذاء في الحسبان أو لم تأخذها وخَلَطت بين المؤسسات بكل أحجامها، هذه القراءات كافة لا تترك مجالاً للشك في أن "القطاع الخاص"، و"المبادرة الفردية"، و"الفردانية المتروكة لأهوائها"، و"الرساميل"، و"الكارتيلات"، والناس "الفالتة من رقابة الدولة" كانت كلّها في هذا الموضوع غبيّة وساقطة وفاشلة، وأهم شيء، مُجرمة ومُتآمرة على حياة المواطنين قطعاً. "القطاع الخاص" سقط، وهو مجرم في جميع الأحوال ويقتضي العمل بتوسّع على معاقبته.
 
* رسام وباحث في علم الإجتماع. من فريق "المفكرة القانونية".

نشر في العدد الخامس و العشرين من مجلة المفكرة القانونية
 


[1] الشرعي هنا بمعنى "ليجيتيم" الفرنسي، وليس القانوني.
[2] وهو تشبيه لعلم الاجتماع قال به الباحث لوق بولتانسكي، في كتابه "ألغاز ومقامرات: تحقيق في شأن تحقيقات"، دار غالّيمار، باريس 2012. وقد شكلت لنا قراءة الكتاب ولمقالٍ علمي ممهدٍ لنشره متعةً معرفيةً كانت لا شك مصدر وحي لتمريننا في هذا المقال، ولو لم نشاء التقيّد بترتيبات بولتانسكي النظرية.
[3] كما يمكن مقارنة هذه الفضيحة والتوافق السياسي من حولها، بموضوع تجديد عقد العمل لشركة سوكلين، الذي انقسم حوله اركان الطبقة السياسية بشكل أكثر حدية.
[4] انظر مقالتنا في الموضوع، رائد شرف، "عن طمرٍ للنفايات والطبيعة والسكن والكلام"، المفكرة القانونية، العدد الرابع عشر، آذار 2014.
[5] أنظر تغطية اجتماع الوزراء مع رئيس غرفة الصناعة والتجارة والزراعة في جريدتي "الأخبار" و"السفير" في 24 تشرين الثاني 2014.
[6] التي قمنا بمعالجة ظروفها البنيوية تفصيلياً في مقالة سابقة، انظر رائد شرف، "وحدة الموظفين والاساتذة الممنوعة"، المفكرة القانونية، العدد السابع عشر، حزيران 2014.
[7] أنظر مثلاً مقالة نرمين السباعي، "محكمة حماية المستهلك معطلة منذ 2005"، المفكّرة القانونية، العدد الثالث عشر، شباط 2014.
[8] أنظر مقالاتنا في المفكرة القانونية عن دور هذه الاحزاب، لا سيما الدورالجنبلاطي، في موضوعي سلسلة الرتب والرواتب ومطمر الناعمة.