من هم الأعضاء من غير القضاة بالمجلس الأعلى للقضاء المزمع انشاؤه في تونس؟ المسألة تحولت الى موضوع خلاف: المحامون  يؤكدون انهم الأحق بعضوية المجلس لكونهم مستقلين ومن أهل الاختصاص، الهياكل القضائية ميالة الى ان يكون هؤلاء اساتذة جامعيين. وتاليا، يؤدي الخلاف الحاصل بين المحامين والقضاة الى حصر الخيار ضمن فئتين: الاساتذة الجامعيين والمحامين. وفي هذا المقال، تحاول الباحثة آمنة مطير أن تكسر الثنائية لتطرح أحقية كتبة المحاكم في عضوية المجلس الاعلى للقضاء، هذا الحق الذي متى تحقق ينهي تصورا طبقيا للمهن القضائية استمر طويلا (المحرر).        
                                                                            

حاول المشروع الاولي للقانون الاساسي للمجلس الاعلى للقضاء ان يقدم تصورا لمعايير اختيار ثلث اعضاء المجلس الاعلى للقضاء من غير القضاة، فاقترح في الفصل 21 ان تستحدث لجنة وطنية يكون من مهامها "تلقي ترشحات المستقلين ذوي الاختصاص من مجالس القضاء الثلاثة والبت فيها" حسب معايير الخبرة والكفاءة والنزاهة والحياد". لم يتعرض مشروع القانون لمفهوم ذوي الاختصاص، فلم يبيّن المقصود منه، الا ان النقاش العام بين مكونات المشهد القضائي التونسي حول مقتضيات المقترح التشريعي عن مشروع القانون كشف طغيان تصور يحاول حصر المعنيين بحق الترشح من غير القضاة في الاساتذة الجامعيين والمحامين.

يبدو حضور الجامعيين من جهة والمحامين من جهة اخرى في المجلس الاعلى للقضاء حتميا باعتبار دورقطاعيهما في الدفاع عن مبادئ استقلالية القضاء، فيما تظهر محاولة اختصار مشهد المستقلين من ذوي الاختصاص في المحامين والجامعيين غير منصفة لغيرهما من الشركاء الاصليين في اقامة العدل وخصوصا منهم كتبة المحاكم.

قد تكون المطالبة بحق كتبة المحاكم في التواجد بالمجلس الاعلى للقضاء مستغربة في الوسط القانوني والقضائي التونسي. فقد يرى هؤلاء: "ما علاقة كاتب المحكمة بالمجلس الأعلى للقضاء الذي يضمّ أساسا القضاة، وخيرة القانونيين؟"

يكشف السؤال المفترض وقبله التجاهل الحاصل لكتبة المحاكم في الحديث عن المهن القضائية والقانونية التي يجب ان تكون ممثلة بالمجلس الاعلى للقضاء عن نظرة سائدة تحاول تهميش دور كتبة المحاكم في النظام القضائي وتكشف عن عدم دراية بأهمية دور كتبة المحاكم في النظام القضائي التي تجعلهم شركاء في اقامة العدل.

فكاتب المحكمة ينتمي إلى مؤسسة مهنيّة قضائيّة، ونظامه الخاص  يجعله مختلفا عن المهن القضائية الأخرى. فهو موظّف عدلي يعمل داخل المحكمة، وهو يلازم القاضي عند انتصابه للنّظر في القضايا، وهو من جهة جزء لا يتجزّأ من الهيئة القضائية الحكمية شأنه شأن القاضي والنيابة العمومية. وفي هذا السياق أكّدت محكمة التعقيب بدوائرها المجتمعة أنّ "حضور كاتب المحكمة جلسة الحكم إجراء جوهري وضمانة أساسية لكل الأطراف إذ أوكل إليه المشرع تحرير محضر فيما يدور بالجلسات من مرافعات والإشهاد على المحكمة وعلى مقرراتها بنفس المحضر"[1].
ومن جهة ثانية، فإنّ انتماءه للهيئة الحكمية القضائية لا يمسّ من استقلاليته عن أعضائها، فهو ليس "بكاتب القاضي" مثلما يتبادر إلى أذهان أغلب الناس، وإنّما هو كاتب المحكمة ينتمي إلى مؤسسة مهنية قضائية وينظّمه قانون أساسي خاص.

ويكون بذلك كاتب المحكمة عضوا في تركيبة المحكمة يشهد على أنّ عمل القاضي مطابق للحقيقة وللقانون. كما يتولى  كاتب المحكمة مهامّ أخرى لا تقلّ أهمية عن حضوره ضمن الهيئة الحكمية وتدخل ضمن العمل القضائي.

ويكون كاتب المحكمة في عمله قريبا من القاضي ومستقلّا عنه في الآن نفسه، يعمل جنبا إلى جنب معه بما يجعل منه شريكا أساسيا في اقامة العدل والمعني الاول بتنظيم العمل بالمحاكم وبتصورات اصلاح القضاء.

ويتبين مما سلف أن شرط الاستقلالية يتوفر في كتبة المحاكم وأنهم يتمتعون بموازاتها أكثر من غيرهم بصفة المتخصصين في العمل القضائي باعتبار مؤهلاتهم العلمية وخبرتهم العملية. وتكون تاليا المطالبة باسناد قطاعهم حقا في التمثيلية بالمجلس الاعلى للقضاء اكثر من مبررة خصوصا وان من صلاحيات المجلس الاعلى للقضاء ابداء الاقتراحات في التشريعات التي تهم القضاء والتي تعرض عليه وجوبا كما يقتضي ذلك الفصل 114 من الدستور التونسي. ويكون من المنطقي التصريح بان اي تشريع يمس القضاء في مفهومه الواسع يؤثر في عمل كتبة المحاكم بما يستدعي مشاركتهم في ابداء الرأي حوله.

يؤدي الاعتراف بحق كتبة المحكمة في عضوية المجلس الأعلى للقضاء الى تحقيق مكسبين هامين،  أوّلهما أنّ تركيبة مجلس القضاء العدلي تكون أكثر توازنا بوجود ممثّل عن أهمّ المهن القضائية وأقربها إلى ميدان القضاء والقضاة بما يسمح بتحقيق تصور شامل للقضاء صلب المجلس الاعلى للقضاء. وثانيهما ادبية واعتبارية ذات اهمية خاصة اذ تؤدي العضويّة متى تحققت لاعادة الاعتبار لكتبة المحاكم في النظام القضائي وتقطع مع التصورات التي تحاول تهميش كتبة المحاكم. ومن شأن الاعتراف بهذه الأحقية أن يؤشّر الى ثورية المجلس الاعلى للقضاء التونسي وأن يرسي خطوة اولى في اتجاه اصلاح جذري بين مكونات المشهد القضائي.  
     
محامية وباحثة في القانون                   

 
 


[1] قرار تعقيبي عدد 003737 صادر عن الدوائر المجتمعة مؤرخ في 27 مارس 2003، قرارات الدوائر المجتمعة لمحكمة التعقيب 2002\2003 ص 384.