في 8-5-2012، دعي القضاة العاملون في محكمة التمييز الى انتخاب عضوين من مجلس القضاء الاعلى. المرشحون ثلاثة كلهم رؤساء غرف في المحكمة، فيما الهيئة الناخبة مؤلفة من عشرة رؤساء غرف ومن زهاء تسعة وعشرين مستشارا الذين هم اعطيوا حق الانتخاب من دون حق الترشح. وكان المشرع قد عدل قانون القضاء العدلي في 2001 ليدخل للمرة الاولى مبدأ انتخاب اعضاء في مجلس القضاء الاعلى عملا باتفاق الطائف، مع تضييق العمل به في محلات ثلاثة على نحو يعكس حذرا شديدا ازاء ذلك: فهو من جهة حدد عدد المنتخبين باثنين فقط فيما تتولى الحكومة تعيين سائر اعضاء المجلس أي ثمانية، مباشرة او غير مباشرة؛ وهو ثانيا حصر الانتخابات في محكمة التمييز بحيث لا يكون للقضاة العاملين في المحاكم الاستئنافية او الابتدائية اي حق بانتخاب ممثلين لهم؛ وكما حصر اخيرا حق الترشح برؤساء غرف التمييز من دون المستشارين، وتاليا بالقضاة الذين يشغلون مناصب في اعلى الهرم القضائي والذين يشكل تعيينهم في هذه المناصب دليلا قويا على ارتضاء وزارة العدل ومجلس القضاء الاعلى بهم. واذ عبر مستشارو محكمة التمييز عن تململ محدود في الانتخابات السابقة (2009) لحصر حق الترشح بهؤلاء، فانهم استفادوا هذه المرة من احالة احد رؤساء الغرف القاضي غسان رباح الى المجلس التأديبي بناء على شكوى قدمتها مستشارتا غرفته على خلفية فساد لرفع درجة احتجاجهم. وبالفعل، كانت أخبار سرت عن تسجيل لكلام منسوب لهذا الأخير أورد فيه اسمي المستشارتين في غرفته (زورا) مسميا اياهما ب"البنات" للسعي الى زيادة قيمة "الرشوة" المعروضة عليه في ملف قضائي، فتقدمت هاتان المستشارتان بشكوى ضده امام هيئة التفتيش القضائي انتصارا لكرامتهما. وهكذا، ومن اصل 34 ناخبا ادلوا باصواتهم، لم يختر اربعة منهم ايا من المرشحين مكتفيا بتدوين عبارة: "مستشار محكمة تمييز"، فيما ان اربعة اوراق اخرى وضعت هذه العبارة الى جانب اسم احد المرشحين من باب التعبير عن موقف مؤيد لمعركة المستشارين مع حفظ الحق باعلان اسم المرشح الذي يفضلونه او بالتأثير في وجهة العملية الانتخابية. وقد تقرر عند فرز الاصوات عدم الغاء هذه الاوراق الأربعة الاخيرة درءا لارتفاع عدد الأصوات غير المحتسبة وعلى نحو يعكس ربما رغبة في التقليل من مظاهر هذا التحرك الاحتجاجي وأهميته. أيا يكن، وبمعزل عن هذا الأمر الأخير، يكون ثمانية ناخبين (اي ما يقارب ربع مجموع الناخبين او ثلث المستشارين في حال افترضنا ان المستشارين هم وحدهم الذين حرروا اوراقا مماثلة)، قد عبروا عن رفضهم لاستثناء المستشارين من حق الترشح وهم بذلك استخدموا آلية جديدة (صناديق الانتخاب) لتسجيل حراك قضائي جديد كسرا للصمت[1]. فما هي ابعاد هذا التحرك على صعيد التنظيم القضائي؟ هذا ما سأحاول عرضه ادناه.
 
اي استقلالية للقضاة من دون المساواة فيما بينهم؟  
هذا التحرك يعبر بالدرجة الأولى عن استياء قضائي ازاء الهرمية في تنظيم العلاقة فيما بين المستشارين ورؤساء الغرف وكما يعكس ارادة في تكريس المساواة فيما بينهم، فلا تكون حقوقهم منقوصة بالنسبة الى هؤلاء. والواقع ان مطلب المساواة بين القضاة ليس فقط مسألة مبدئية انما هو مرتبط ارتباطا وثيقا بضمان استقلالية القضاء وتاليا بحسن اداء الوظيفة القضائية. فان يصنف المستشار في موقع دوني او ان تكون حقوقه منقوصة بالنسبة الى رئيس غرفته انما يشكل ظرفا من شأنه أن يضعف دوره في المداولات القضائية (اي المداولات لاتخاذ قرار في ملف قضائي) وأن يغلب تاليا وجهة نظر هذا الاخير فيها. وهذا ما يتلاقى بالواقع مع سلسلة من التدابير والممارسات والاعراف التي تؤول كلها الى التقليل من شأن المستشار. ولعل اهم هذه الاعراف المواقف المسبقة التي يعبر عنها اكثر من رئيس غرفة ازاء اي رأي مخالف في هذه المداولات وذلك تحت تسميات مختلفة ابرزها ان من شأن أي رأي مماثل أن يمس بمقامهم وبهيبة الغرفة التي يرأسها ومعها بهيبة القضاء (مقابلة مع عدد من القضاة). كما منها ايضا، كيفية اجراء المناقلات القضائية على نحو يترافق غالبا مع  نقل عدد كبير من القضاة غير المرضي عنهم لسبب او لآخر والذين بلغوا درجة معينة الى منصب "مستشار محكمة تمييز" مع ابقائهم فيه لسنوات طويلة. وبنتيجة ذلك، درج داخل العدلية مفهوم المستودع depot  للدلالة على هذا المنصب، بمعنى انه المكان الذي يودع فيه القاضي الذي بلغ درجة معينة بانتظار تقاعده. وفي السياق نفسه، تجدر الاشارة الى أن غرف محكمة التمييز باتت في مراسيم التشكيلات الأخيرة تؤلف غالبا من رئيس وثلاثة او اربعة مستشارين، بحيث يكون للرئيس عمليا، وجزئيا بفعل الهرمية السائدة داخل القضاء، حق اختيار اثنين منهم للنظر في ملف معين، وتاليا في استبعاد، ساعة يشاء، من قد يراه "اشكاليا" أو معترضا، عن النظر فيه، مما يزيد ايضا وايضا من اضعاف موقع المستشار.  
اي تمثيلية للقضاة اذا انحصر الاختيار بمن يحظون برضى السلطة الحاكمة؟
اما البعد الثاني لهذا التحرك، فهو انه يهدف الى تحسين تمثيلية العضوين المنتخبين من قبل قضاة التمييز. وبالفعل، فان حصر عدد المرشحين برؤساء الغرف يؤدي الى حصر مجال الاختيار بأشخاص كانت السلطة الحاكمة قد منحتهم ثقتها بدليل تنصيبهم في مواقع عالية، وبكلام آخر الى منع القضاة من التمثل باشخاص قد تكون هذه السلطة غير راضية عنهم. ومن هذا المنطلق، يظهر حق الانتخاب المكرس في 2001 وكأنه تكريس لمشروعية اشخاص تعينهم السلطة اكثر مما هو تمكين للقضاة من تعيين ممثلين لهم يحوزون على ثقتهم هم للتعبير عن همومهم وهواجسهم. والى جانب ذلك، فان الاختيار ينحصر في مطلق الاحوال بعدد محدود من الاشخاص لا يتجاوز عدد اصابع اليد الواحدة لا بل انه يتلاشى تماما في حالات معينة. فالى جانب حصر حق الترشيح برؤساء الغرف (وعددهم هو 10)، فان الاعراف الانتخابية اللبنانية تؤول الى تخفيض هذا العدد في اتجاه منع ترشيح الرؤساء الذين ينتسبون الى طوائف يشغل منتسبون اليها المقاعد المخصصة لهم في مجلس القضاء الاعلى. وهكذا، لا يمكن لرؤساء الغرف السنة (وعددهم 2) الترشح طالما ان المقعدين المخصصين للسنة يشغلهما حكما النائب العام التمييزي ورئيس دائرة التفتيش القضائي اللذين درج العرف على تعيينهما من هذه الطائفة. وهكذا ينحصر الخيار بين ثمانية اشخاص فقط والذين قد لا يرغب بعضهم في الترشح او يكون قد قارب سن التقاعد مما يمنعه عن ممارسة ولايته في حال انتخابه الخ.. والامر يصبح اكثر فداحة في حال حصول الانتخاب تبعا لشغور منصب القاضي المنتخب: ففي هذه الحالة، قد ينحصر حق الانتخاب بشخص واحد مما يفرض التذكية كما قد يحصل في حال كان القاضي الذي انتهت ولايته ينتسب الى طائفة اقلوية (ارثوذكسي، كاثوليكي، درزي) ليس بمستطاع المنتسبين اليها ان يشغلوا اكثر من رئاسة غرفة واحدة. وهكذا، فان اختيار بديل عن القاضي سهيل عبد الصمد (منتسب الى الطائفة الدرزية) في 2008 انحصر بشخص واحد من طائفته (القاضي امين ابو نصار). وقد ظهرت فداحة حصر هذا الترشح في ظل الازمات الاخلاقية القضائية المتلاحقة والتي اصابت خلال سنتين ثلاثة من رؤساء الغرف وابعدتهم عن مناصبهم بطريقة او باخرى. فهذه الازمات المتعاقبة انما دحضت بالكامل القرينة السابقة المتمثلة في عد هؤلاء الرؤساء مثالا للكفاءة والنزاهة او الأجدر بثقة اقرانهم[2].     
تحو توسيع العمل بمبدأ الانتخاب ترشحا.. واقتراعا
وأخيرا، ثمة بعد ثالث لهذا التحرك. فالعمل على تكريس المساواة بين القضاة وعلى تحسين تمثيليتهم يشكل حكما مادة داعمة لتعزيز المطالبة بتوسيع العمل بمبدأ الانتخاب وبتعميمه ليشمل الدوائر الاستئنافية والابتدائية على حد سواء، وعلى نحو ينسجم اكثر مع اتفاق الطائف ومع المعايير الدولية. فان يرفض مستشارو التمييز استثناءهم من حق الترشح، يمهد الطريق لقضاة المحاكم الاستئنافية والابتدائية لتقديم مطالب مماثلة بل يدعوهم الى ذلك. ففي ظل اعتبارات كهذه، اي مشروعية لحصر الانتخاب في رأس الهرم من دون سفوحه؟
وقد جاء المشروع التعديلي لقانون القضاء العدلي والذي أعلنه وزير العدل شكيب قرطباوي في اليوم نفسه لاجراء الانتخابات ليعكس بعضا من هذه الهواجس والمطالب. فقد آل هذا المشروع من جهة الى زيادة عدد المستشارين في مجلس القضاء الاعلى، فأضاف الى اعضائه مستشارين من محاكم التمييز والاستئناف، وذلك عملا بوعد قطعه وزير العدل بتحسين موقع المستشارين على خلفية قضية غسان رباح[3]. كما عمل المشروع على توسيع اطار الانتخاب، بحيث نص على انتخاب العضو المستشار في محكمة التمييز كما اولى قضاة المحاكم الاستئنافية حق انتخاب عضو آخر من بين رؤساء غرف محاكم الاستئناف وذلك توسعت قاعدة الانتخاب لتشمل محاكم الاستئناف بعدما كانت مقصورة على المرحلة التمييزية. لكن وبالمقابل، وعلى اهمية هذه الاقتراحات التي أتت كرد فعل على الحراك القضائي الحاصل مؤخرا وبتأثير مباشر منه[4]، فانها تبقى منقوصة وغير مرضية في مبدئها وفي مفاعيلها على حد سواء: فهي تؤول في حال اقرارها الى تخفيف حدة اللامساواة الحاصلة بين القضاة، من دون ان تصل بحال من الاحوال الى مستوى اعلان مبدأ المساواة بحد ذاته. وهذا ما ينتج عن استعادة المشروع لقاعدة التمييز بين رؤساء الغرف والمستشارين: فعلى قضاة محكمة التمييز وفق له ان ينتخبوا اثنين من الرؤساء (2 من بين عشرة) وأحد المستشارين فقط (1 من بين ثلاثين). اما قضاة محكمة الاستئناف فلهم ان ينتخبوا عضوا واحدا من بين رؤساء الغرف، بما يستعيد هنا التوجه نفسه الوارد في مشروع 2001 بحصر حق الترشح في هؤلاء وحدهم وتاليا في حرمان المستشارين منه. ولئن يظهر المشروع من خلال ذلك قصورا كبيرا في استخلاص العبر من تجربة 2001، فانه يضع في حال اقراره في الوقت نفسه عنوانا للمعركة القادمة: معركة مستشاري محاكم الاستئناف. فلنهيئ العدة.  



[1] عن حراك سبقه باشهر، قضاة حرروا عريضة للمطالبة بالتحقيق في شبهة فساد قضائي ووقعوها الى جانب عشرات الافراد من خارج القضاء، يراجع المفكرة القانونية، العدد الرابع، هذه العريضة التي وقعت.
[2] نذكر في هذا المجال كلمة انطوان خير في مناسبة الانتخاب الحاصل في 19-10-2005 حيث صرح حرفيا: "ان انحصار الانتخاب بين قضاة محكمة التمييز له دلائل، حيث كان في نية المشترع ان يخصص قضاة محكمة التمييز بهذا الانتخاب، وهم عريقون في ممارسة عملهم القضائي واختيارهم القضاء وعلى مستوى المسؤولية الملقاة على عاتقهم بمعنى انه عندما يدلون باصواتهم يأخذون كل الاعتبارات التي تحيط باعضاء مجلس القضاء الاعلى" (المستقبل، 20-10-2005).
[3] وزير العدل في حلقة كلام الناس على القناة التلفزيونية LBC، ا آذار 2012.
[4] وما يؤكد ذلك هو أن وزير العدل لم يضمن أي من هاتين الخطوتين من ضمن الأفكار الرئيسية التي اعلن عنها عند تعيين أعضاء اللجنة لاعادة النظر بقانون القضاء العدلي.