نظّمت «الحملة المدنية للإصـلاح الانتخابي» مسيرة يوم الأحـــد 13 أيار، انطلقت من أمام وزارة الداخلية في الصنائع، مُــرورا بالســراي الحكومي باتجاه البرلمان، تحت عنوان "النسبية بتستاهل نتحرّك". وهذا أوّل تحرّك في الشارع حول النسبية تلجأ إليه الحملة ولعلّها "محاولة لتطوير أدوات الضغط التي تستخدمها، والتي يفترض أن تأتي في سياق تفكير استراتيجي تتخذه الحملة"[i]. يتأثر التحرك بالأشكال الجديدة التي يأخذها الحراك الاجتماعي في لبنان؛ فبعد أن سعت الحملة في الفترة السابقة، إلى التأثير في رأي عام معيّن مكوّن من المسؤولين السياسيين عبر النشاطات الهادفة الى التوعية وعبر التعاون التقني معهم، رأيناها في المظاهرة الأخيرة تحاول أن تستقطب تحرّكاً شعبياً مطلبياً في الشارع. وهذا ما يؤكّده المتابعون للحملة وأعضاؤها على حدّ سواء؛ "بعد أن التزمت الحكومة الحالية في بيانها الوزاري بإنجاز قانون انتخابي جديد قبل سنة من موعد الانتخابات المقبلة في 2013، اليوم، أي قبل شهر من انقضاء هذه المهلة، لم يوضع البند بعد على جدول أعمالها. لذلك قرّرت الحملة القيام بتظاهرة رمزيّة وكأنها ترافق المشروع في المسار الطبيعي الذي يأخذه قانون الانتخاب من وزارة الداخلية الى مجلس الوزراء وصولاً إلى مجلس النواب"[ii]. وقد بلغت أعداد المشاركين تقريبيا الخمسمائة.

تأسّست الحملة، في العام 2006، بمبادرة من ثلاث جمعيات وهي "الجمعية اللبنانية من أجل ديموقراطية الانتخابات" و"الجمعية اللبنانية لتعزيز الشفافية" و"المركز اللبناني للدراسات"، تزامناً مع إعداد مشروع القانون الانتخابي من قبل "الهيئة الوطنية الخاصة بقانون الانتخابات النيابية"، والتي شكلتها الحكومة اللبنانية عام 2005. والحملة أتت لإتاحة الفرصة أمام المجتمع المدني لإبداء الرأي في النقاش العام حول النظام الانتخابي ورفع مطالبه، وهي تحالف واسع لأكثر من ثمانين جمعية منتشرة على جميع الأراضي اللبنانية. لم تقتصر المظاهرة الأخيرة على المنظمات الأعضاء في الحملة، فقد "شاركت منظمات جديدة فيها مثل مجموعة "نسوية"وحملة "اسقاط النظام الطائفي" ونقابات الأساتذة في المدارس الرسمية والخاصة"[iii]. ومطلبها الأساسي هو اعتماد النظام النسبي الذي طغا على معظم اللافتات والشعارات المرفوعة فيها، وكما عبّر عنه بيان المؤتمر الصحفي الذي نظّمته الحملة تحضيراً للتظاهرة، بالإضافة إلى عدد من الإصلاحات التي تضمّنها مشروعي قانون[iv] كانت الحملة قد قامت بصياغتهما وقدمتهما إلى وزارة الداخلية والى أعضاء مجلس النواب في حزيران 2011، من أجل أن يعمل بهما في الانتخابات النيابية القادمة عام 2013.

الإصلاحات التي تضمنها مشروع الحملة هي خفض سن الاقتراع الى 18 سنة وضمان الحقّ للمقيمين في الخارج بالاقتراع واعتماد الكوتا النسائية واحترام حق أصحاب الحاجات الإضافية وذوي الإعاقة بأن يقترعوا باستقلالية وكرامة واعتماد ورقة الاقتراع المعدّة سلفاً وغيرها من التدابير الآيلة الى ضمان سريّة الاقتراع والحدّ من سلطة المال الانتخابي ومنح جميع المرشّحين مساحات متساوية في الإعلام. ورغم طغيان الشعارات المتعلّقة بالنظام النسبي في اللافتات المرفوعة، فمن اللافت أن أغلبيّة المشاركين في التحرك هم من الشباب والشابات الذين لا يحقّ لهم بالاقتراع  لعدم بلوغهم "سن الرشد السياسي" المحدد دستوراً بـ21 سنة. ويلحظ ان خفض سنّ الاقتراع كان عنواناً لتحركات كثيرة في الفترة الماضية فيما أن مطلب "النسبية" لم يتحول الى مادة للتظاهر الا في التحرك الاخير وفق ما يؤشر اليه شعار التظاهرة: "النسبية بتستاهل نتحرك". كما تجدر الإشارة إلى مشاركة مميّزة للأشخاص ذوي الإعاقة وخصوصاً من "اتحاد المقعدين اللبنانيين"، مما أضاف عنصراً جديداً على بنود المطالب الانتخابية. فقد أصبحت الحملة تأخذ في عين الاعتبار قدرة هؤلاء الناخبين بالولوج الى مراكز الاقتراع مما يمكّنهم من التصويت بشكل يحترم كرامتهم وحقّهم بالسريّة والاستقلالية. بالإضافة إلى ذلك تضمّنت المسيرة بعض اللافتات تطالب بإقرار نظام الكوتا النسائية الذي يتصدّر مطالب حركة حقوق المرأة في لبنان، على الأقلّ منذ عقد من الزمن. وتالياً، هذه المطالب التي سبق ان حرّكت الناس في الشارع هي عملياً التي جذبت القسم الأكبر من المتظاهرين مما يدل ان تحرك النسبية استفاد بالدرجة الاولى من التراكمات الاجتماعية الحاصلة حول "تخفيض سن الاقتراع" و"المعوقين" و"المرأة" فيما كان دوره في اجتذاب المواطنين أقل.

ورغم تأكيد بيان التحرّك على أنّ "النظام النسبي مع لبنان دائرة واحدة خارج القيد الطائفي ومع استحداث مجلس للشيوخ هو النظام الأفضل للبنان" كما يؤكّد البيان أنه  خيار الحملة الاستراتيجي، إلا أنها ارتأت أن تكون أكثر واقعيّة بحصر مطالبتها بمناقشة مشروع القانون "الموجود الآن لدى الحكومة" والذي أعدّه وزير الداخليّة الحالي[v]. وعلى الرغم من عدم تضمّن المشروع المذكور معظم الاصلاحات التي تطالب بها الحملة، فهي تأمل بإقرار بعض المطالب الآن ولا سيّما منها، النسبية والكوتا النسائية كمرحلة انتقالية، مثلما يشرح منسّق الحملة روني الأسعد. ويضيف بأن "هذا التحرّك هو أوّلي وسننتظر كيف ستتجاوب الحكومة معه، وعلى أساس ذلك ستتم متابعته"، إذ يعتبر أن ثمة فرصة اليوم من أجل إقرار النظام النسبي الذي يؤمّن حسب الحملة تمثيلاً أفضل وبخاصة للفئات والأطراف السياسية المهمشة، على الرغم من أن الوزير تبنى هذا النظام مقروناً بدوائر صغرى، خلافاً لمطلب الحملة بتبنيه في دوائر متوسطة (20 مقعد). علماً أنّ الجمعية اللبنانية من أجل ديموقراطية الانتخابات (أحد أعمدة الحملة وهي التي تمتلك خبرة طويلة وواسعة ومعرفة تقنية ونظرة شاملة للإصلاح الانتخابي) كانت قد وضعت منذ 2004 دراسة[vi]، شرحت في مقدمتها بأنها "تجمع وتحلل ما تم البحث فيه من قضايا قانونية وإدارية خاصة بالعملية الانتخابية" بناءً على خلاصة النقاشات التي ساهم أعضاء الجمعيّة وخبراؤها في إغنائها وقد انتهت الى التأكيد بأن اي شكل من أشكال النظام النسبي، مع الدوائر الكبرى يوفّر صحّة التمثيل ويسمح بتخطّي نظام الطائفية السياسية.

"إقرار النسبية مع الدائرة الكبرى وخارج القيد الطائفي خطوة على طريق إسقاط النظام الطائفي" لافتة ملفتة حملها ناشطو "إسقاط النظام الطائفي" في المظاهرة، حيث يظهر بوضوح تأثير الخطاب اليسار التقليدي الذي حمل هذا المطلب منذ أيّام كمال جنبلاط، زعيم الحركة التقدمية في السبعينات. فيتبيّن من كل ما تقدم أنّ الحملة عالقة بين دوغمائية بيانها وبراغماتية مطالبها، من دون ان يكون لها اي استراتيجية واضحة من أجل إقرار مشروعها، الذي هو ثمرة خبرات وجهود تراكمت على مدى أكثر من 15 سنة في مجال الإصلاح الانتخابي. والواقع انه بالتدقيق في كل ذلك، تبدو الحملة فاقدة لأدنى عناصر الثبات وكأنها تتخبط امام ثلاثة خيارات: خيارها الاستراتيجي وهو النسبية في دائرة واحدة خارج القيد الطائفي، وخيارها الممكن نظرياً الذي حدّدته من خلال مشروع القانون الذي قدمته وهو النسبية في دوائر وسطى، وخيارها الممكن سياسياً من خلال دعم مشروع الوزير وهو النسبية في دوائر صغيرة وهو حكما الخيار الذي يؤدي الى نتيجة محدودة جدا على صعيد تجديد الحياة السياسية وتحسين صحة التمثيل.
 
وإزاء هذا التخبط، يرى كرم كرم ان النقد الأساسي الممكن توجيهه للحملة حاليا هو "فقدانها للرؤية الشاملة، وللرافعة الفكرية والاجتماعية والسياسية، إذ أصبحت متخصصة في جزئيات تقنية". فهي تنتظر رد فعل الحكومة من أجل استكمال مسيرتها، كما أنها تخلّت عن مشروعها المتكامل الذي من دونه لا يستقيم النظام الانتخابي النسبي. فالنسبية لا يمكن أن تكون شعاراً وهذا ما كانت عودتنا عليه "الجمعية اللبنانية من أجل ديموقراطية الانتخابات" عبر بياناتها ودراساتها التي أغنت بها النقاش المتعلّق بالإصلاح الانتخابي في فترة من الفترات. "ورغم حسن نية المنظمين"، كما يؤكّد كرم كرم، لا نفع من "التظاهر في الشارع من أجل تبشير المؤمنين، فالنسبية مرتبطة بنقاش علمي وجدّي ورصين يكون أساساً لمحاججة الخصوم الأقوياء والمتعددين لعملية الإصلاح الانتخابي، بعيداً عن السجال السياسي الحالي حول موضوع النسبية الذي نراه يتكرر عشية كل استحقاق انتخابي وهدفه دائماً تفصيل القانون الانتخابي على قياس أطراف النظام".
وختاماً، لا بد من التساؤل حول صوابية اختيار شكل التحرّك الشعبي الضاغط اذا كان الهدف منه دعم مشروع الوزير. فألا يخاطر منظمو الحملة باستقلاليتهم ومصداقيتهم إذا سهل التخلي عن مشروع القانون الذي أعدّوه لدعم مشروع وضعه وزير الداخلية رغم نواقصه وفق تصريح منظمي الحملة انفسهم؟ وألا يعرّض ذلك قدرة الحملة على استمالة الرأي العام للاهتزاز؟
 


[i]مقابلة مع كرم كرم، باحث في العلوم السياسية وعضو مؤسس في المفكرة القانونية.
 
[ii]مقابلة مع محمد عيتاني، أحد العاملين بالحملة.
 
[iii]مقابلة مع زينة الأعور، المسؤولة الإعلامية في "الجمعية اللبنانية من أجل ديموقراطية الانتخابات".
 
[iv]قامت الحملة بصياغة مشروعي قانون، الأول متعلّقبالهيئة المسقلة المنظمة للإنتخابات، والثاني متعلّق بانتخابات 2013 النيابية، ويمكن تحميلهما على موقع الحملة الالكتروني على الرابط التالي http://www.ccerlebanon.org/ar/manual.asp?fromMenu=2
 
[v]ويمكن تحميله على صفحة الحملة على الرابط التالي http://www.ccerlebanon.org/ar/references.asp?fromMenu=3
 
[vi]نزار ورنا صاغية، اقتراحات من أجل إصلاح النظام الانتخابي في لبنان، الجمعية اللبنانية من أجل ديموقراطية الانتخابات، سجالات النهار، دار النهار للنشر، 2004.