من ضمن متابعتها لأوضاع القضاء وسياسات مكافحة الارهاب في العالم العربي، تنشر المفكرة القانونية تقريرا حول محكمة الارهاب في سوريا. وتتحفظ المفكرة بالطبع على نشر اسم كاتب التقرير لأسباب بديهية تتصل بسلامته (المحرر).
 
 
تمّ إحداث محكمة قضايا الإرهاب بالقانون رقم 22 لعام 2012  لتكون بديلاً عن "محكمة أمن الدولة العليا" سيئة الصيت التي تم إلغاؤها في شهر نيسان 2011 تحت ضغط مطالب الحراك الشعبيّ في سورية. إلا أنه في الواقع جاء تشكيل محكمة قضايا الإرهاب كالتفاف على هذا الحراك، حيث بدت هذه المحكمة أكثر سوءا من محكمة أمن الدولة العليا. فالمحالون إليها يحاكمون أمامها في ظروف صعبة لا تُحترم فيها حتى أدنى المعايير الدولية للمحاكمات العادلة. كما أنّ لأجهزة الأمن سطوة وهيمنة كبيرتين عليها بقضاتها وموظفيها، فالعناصر الأمنية تشرف على عملها من بابها لمحرابها كما يقول المثل الشعبي.

  فإذا كانت محكمة أمن الدولة العليا وبرغم سوء سمعتها وتشددها إلا أنها كانت تسمح للمحامين بالإطلاع على ملفات موكليهم وتصوير كافة أوراق الملف، وكان يُسمح للمحامي بالتحدث إلى موكله، كما أن قضايا مثل التظاهر والكتابة والنشر في وسائل التواصل الاجتماعي ولا سيما على الفيس بوك ضد النظام لم يكن الأمن يحيل تلك الأمور إلى محكمة أمن الدولة العليا التي خصصها للنظر بالجرائم الخطرة الواقعة على أمن الدولة الخارجي أو الداخلي وعلى أمن النظام بالدرجة الأولى. أما الحال في محكمة الإرهاب فهو مختلف تماماً ويميل إلى التشدد كثيراً، حيث أن أبسط الجرائم تُحال إليها بما في ذلك التظاهر أو الاعتصام أو الكتابة ضد النظام على الفيس بوك.

وباختصار، فإن محكمة الإرهاب في سورية لا تمت بصلة إلى القضاء، فهي أشبه بفرع أمني، قضاتها وموظفوها عبارة عن جزء من أجهزة الأمن، فلا يتم تعيين موظف في المحكمة أو قاض إلا بعد الحصول على موافقة أمنية مسبقة.
 
في تشكيل محكمة الإرهاب:

تتألف محكمة الإرهاب من ثلاثة أقسام: نيابة عامة ودائرة تحقيق ومحكمة جنايات الإرهاب. وفيما يأتي سنوضح كل قسم على حدة:

1- النيابة العامة: تتألف النيابة العامة في محكمة الإرهاب من عدد من القضاة المدنيين والعسكريين يبلغ عددهم حوالي خمسة عشر قاضياً يتم تعيينهم بمرسوم من قبل رئيس الجمهورية باقتراح من قبل وزير العدل بعد الحصول على الموافقة الأمنية، حيث يقوم قضاة النيابة العامة بدراسة ملفات المعتقلين المفروزة إليهم من قبل رئيس نيابة المحكمة. وبعد الانتهاء من دراستها، يقوم القضاة بتنظيم إدّعاء يتماشى مع التهم المنسوبة إليهم في الضبط الأمني وفي الغالب يكررون نفس التهم الواردة في الضبط الأمني، ثم تُعاد تلك الملفات إلى رئيس النيابة لكي يشاهدها، ويقوم بفرزها ثانية إلى قضاة التحقيق.

2- دائرة التحقيق: تنقسم دائرة التحقيق إلى سبع دوائر يرأس كل دائرة قاض واحد حيث يبلغ عدد قضاة التحقيق سبعة قضاة بينهم أربعة قضاة عسكريين وثلاثة مدنيين. ويرد إلى كل دائرة على حدة ما بين 2000 و2500 قضية في العام الواحد. وتحتوي كل قضية على موقوف أو مجموعة من الموقوفين قد تصل الى 100 موقوفا. وبحسب قانون إنشاء المحكمة، فإن قاضي التحقيق يملك صلاحيات قاضي الإحالة. فقرار إخلاء السبيل الصادر عنه مبرم وغير قابل للطعن. وحاليا، تجري محاولات لتعديل قانون المحكمة، بحيث يتم السماح للنيابة العامة بالطعن بقرارات إخلاء السبيل في مسعى جديد لتعقيد الأمور أمام المعتقلين. ويملك قاضي التحقيق صلاحية استجواب الموقوف لديه بدون حضور محام، وهو ليس مُضطرّاً لتعيين محام أو تسخيره فيما إذا طلب الموقوف ذلك. ويسمح قاضي التحقيق للمحامي بالإطلاع على ملف القضية في الوقت الذي يراه القاضي مناسباً له. ولا يُسمح من جهة أخرى بتصوير ملف القضية إطلاقاً.. ومن أجل إرهاق المعتقلين والمحامين، يطلب القاضي من المحامي إذا رغب بالإطلاع على ملف القضية أو ضم وكالة أو مراجعة القاضي أن يتقدم بطلب خطي ملصقاً عليه الطوابع التي تبلغ قيمتها حوالي 500 ل.س، ولا يسمح القاضي بتقديم إخلاء سبيل إلا مرة واحدة في الشهر. وتجدر الاشارة الى أن الرشوة تلعب دورا هاما في مرحلة التحقيق.

إن قضاة التحقيق في محكمة الإرهاب كما قضاة محكمة جنايات الإرهاب معفيون من التقيد بالأصول والإجراءات أثناء الاستجواب. فالأمر متروك لمشيئة القاضي الذي يملك الصلاحية المطلقة في التعامل مع المعتقل الواقف أمامه. فله أن يستجوبه بدون حضور محام، ولا يعتدّ بطلب الموقوف بأنه يريد محامياً معه في الاستجواب. كما أن القاضي لا يستجيب لطلب الموقوف أو وكيله بعرضه على الطبابة الشرعية للتأكد من تعرضه للتعذيب وغالباً ما يتقيد القاضي بالاعترافات الأمنية الواردة في الضبط الأمني.. وإذا ما أراد القاضي مخاطبة الفرع الأمني الذي اعتقل الموقوف الذي يحاكم أمامه للاستفسار عن أمر معين، فإنه غالباً لا يلقى أي رد من فرع الأمن المعني.

ويصدر القرار عن قاضي التحقيق إما بالاتهام والإحالة لمحكمة الجنايات. وإما يقرر القاضي منع محاكمة المدعى عليه وهو ما يعتبر بمثابة البراءة. ويُمنع تصوير قرار القاضي ويضطر المحامي إلى تسجيل مضمون القرار على ورقة منفصلة.
وفيما يلي مثال عن قرار قاضي التحقيق ضد أحد المعتقلين:

"نحن قاضي التحقيق الأول ... لدى محكمة قضايا الإرهاب وبعد الاطلاع على:

1_ إدعاء النيابة العامة بحق المدعى عليه .... ولزوم محاكمته أمام محكمة قضايا الإرهاب عن الجرائم المعزوة إليه .

2_ ضبط فرع التحقيق الصادر عن شعبة المخابرات العسكرية الفرع 235  التابعة المـؤرخ في ...... والمتضمـن كافة التحقيقات الأولية الجارية مع المذكور .

3_ التحقيقات الجارية مع المدعى عليه أمامنا.

4_ كافة أوراق الدعوى والتحقيقات الجارية فيها وكافة تفرعاتها.

في المناقشة والتطبيق القانوني واتخاذ القرار:

حيث أنه من الثابت بأوراق هذه القضية، والتي بلغت من الثبوت حد الكفاية لترجيح الإتهام والإدانة،

ملاحظة: (لا يوجد سوى الضبط الأمني واعترافات المدعى عليه المدونة فيه).

وبعد سرد الاعترافات الواردة في الضبط الأمني، يضيف قرار قاضي التحقيق:

"وقد تأكد ذلك باعترافاته أمام قسم المخابرات العسكرية بدمشق، وإن  انكار المدعى عليه في استجوابه أمام المرجع القضائي، وهذا الإنكار ما هو إلا وسيلة  للتهرب والتملص من المسؤولية المترتبة على فعله. ويدحض اعترافه الأمني المنسجم والمتطابق مع وقائع هذه الدعوى وهي اعترافات واضحة وصريحة ومنسجمة مع الحقيقة وواقع الدعوى، ولا يمكن أن يدلي بها إلا من كان قد اقترفها بالفعل".

ويتابع القرار:

"لذلك أقرر: - اتهام المدعى عليه بجنايات ارتكاب الأعمال الإرهابية ولزوم محاكمته أمام محكمة جنايات قضايا الإرهاب".
 
3- محكمة جنايات الإرهاب:

تتألف هذه المحكمة من ثلاثة قضاة أحدهم قاض عسكري، يرأسها قاض مدني، ويصدر القرار عنها بالأكثرية. وتعقد جلساتها في قاعة صغيرة نسبياً، وهي تنظر في القضايا التي يحيلها إليها قضاة التحقيق في المحكمة وتتراوح أحكامها في حدها الأدنى بين ثلاث سنوات والإعدام. إلا أن غالبية الأحكام التي صدرت عنها حتى الآن تتراوح بين عشر وعشرين سنة، وقد صدرت عنها العديد من أحكام الإعدام (صدر حكم إعدام بحق عدد من السياسيين المنشقين كعبد الحليم خدام نائب رئيس الجمهورية السابق، وفراس طلاس نجل وزير الدفاع الأسبق مصطفى طلاس). وهي الآن تحاكم آلاف المعتقلين من بينهم المعارض السوري كمال اللبواني والشيخ عدنان العرور وغيرهم من المعارضين السوريين.. وقد بلغ عدد القضايا المحالة إليها من قضاة التحقيق لعام 2015 /3500/ قضية وتحوي كل قضية ما بين معتقل و100 معتقل فلا يقل عدد الذين يحاكمون أمامها اليوم عن عشرة آلاف معتقل موزعين على مختلف السجون المدنية والعسكرية فالمحافظات السورية التي تقع تحت سيطرة النظام.
 
4- محكمة النقض الخاصة بقضايا الإرهاب:

 شكلت هذه المحكمة بناء على مرسوم صادر عن رئيس الجمهورية ويقع مقر هذه المحكمة في مبنى وزارة العدل وهي مختصة بالنظر بالطعون على القرارات الصادرة عن محكمة جنايات الإرهاب.. وتتألف الهيئة الحاكمة من ثلاثة قضاة مستشارين من بينهم قاض عسكري ويرأسها مستشار مدني. ومهمة هذه المحكمة النظر بمدى التزام محكمة جنايات الإرهاب القوانين والإجراءات المنصوص عليها في قانوني الإرهاب وإنشاء المحكمة. فإذا ما رأت المحكمة أن القرار المطعون فيه تضمن مخالفة للقانون، نقضت القرار وأعادته للمحكمة لتصحيح خطئها، وإذا كان الطعن للمرة الثانية، فعندها تتحول المحكمة إلى محكمة موضوع وتنظر في أساس الدعوى ثم تصدر حكمها ويكون حكمها مبرماً. وكان الرئيس بشار الأسد قد أصدر المرسوم 233 تاريخ 3/8/2014 قضى بتغيير قضاة محكمة النقض بقضاة جدد على خلفية انزعاج السلطة من كثرة القرارات التي نقضتها الهيئة السابقة[1].
 
اختصاص محكمة الإرهاب:

بالعودة إلى قانون إنشاء المحكمة رقم 22 لعام 2012  نجد أنه منحها اختصاصاً واسعاً للنظر في جرائم الإرهاب بصرف النظر عن مرتكبها إن كان مدنياً أم عسكرياً أو سوريا أم أجنبياً. وهو ما نصت عليه المادة /3/ فقرة ( أ- تختص المحكمة المحدثة بالنظر في جرائم الإرهاب وفي الجرائم التي تحالإليها من قبل النيابة العامة الخاصة بالمحكمة). وكذلك المادة 4: ( يشمل اختصاص المحكمة جميع الأشخاص من مدنيين وعسكريين).وفي الواقع، وخلافاً لما نصت عليه الفقرة الأولى من المادة /3/ المذكورة أعلاه، فإن من يحيل الجرائم إلى المحكمة ليست النيابة العامة فيها، بل الفروع الأمنية وإن دور النيابة يقتصر في الغالب على تنظيم إدعاء بالتهم الواردة في الضبط الأمني ومن ثم تحيلها إلى قضاة التحقيق في المحكمة.
 
قضايا سياسية تحت غطاء مكافحة الإرهاب:

بعد تشكيل محكمة الإرهاب، ومع بداية العام 2013، أُعطيَت التوجيهات للفروع الأمنية بعدم إحالة المعتقلين على خلفية الأحداث التي تشهدها سوريا إلى المحاكم العادية، بل إحالتهم فوراً إلى محكمة الإرهاب أو عن طريق النيابة العسكرية. ويتساوى في ذلك من كتب مقالاً ضد السلطات، أو من شتم الرئيس أو من كتب على الفيس بوك ضد النظام، مع من حمل السلاح ضده. كما يتساوى أيضاً من قام بالتظاهر ضد النظام أو من حاول مساعدة النازحين من مناطق القتال أو من قدم ربطة خبز أو علبة دواء  للمهجرين، مع من خطف وقتل.. الجميع إرهابيون بنظر النظام، تطبيقاً لمقولة الرئيس الأسد "من ليس معنا فهو ضدنا"..والأمثلة كثيرة على ذلك: (الفنانة ليلى عوض، والفنانة سمر كوش التي صدر حكم بحقها خمس سنوات بتهمة تمويل المجوعات الإرهابية، بينما كانت توزع مساعدات غذائية وطبية على العائلات الهاربة من جحيم القتال.. ولا ننسى أيضاً إحالة ملفات الكثير من المثقفين والكتاب والفنانين إلى محكمة الإرهاب لمحاكمتهم بتهم مختلفة مما اضطرهم إلى الهروب خارج سوريا من أمثال المعارض السوري ميشيل كيلو والكاتب فايز سارة والمفكر برهان غليون والفنانة مي سكاف والفنانة أصالة نصري ويارا صبري وجمال سليمان والشيخ معاذ الخطيب وجميع أعضاء المجلس الوطني وأعضاء ائتلاف قوى المعارض الوطنية لقوى الثورة ...الخ). أي أن النظام يستخدم بشكل واسع هذه المحكمة وتحت يافطة محاربة الإرهاب لمحاربة معارضيه السياسيين ونشطاء حقوق الإنسان، وكبت الرأي المخالف له.

وباختصار، يمكن القول أن معظم المعتقلين المحالين إلى محكمة الإرهاب هم من الذين أظهروا عداءً للنظام، سواء من خلال كتاباتهم أو تصريحاتهم أو من خلال قيامهم بتقديم مساعدات غذائية وأدوية للأهالي الذين نزحوا من مناطق القتال.. وهناك عدد قليل من الموقوفين المحالين إلى محكمة الإرهاب ممن حملوا سلاحاً وحاربوا النظام ومنهم من قام بعمليات خطف وقتل..
 
انتهاك واسع للمعايير الدولية والوطنية للمحاكمات العادلة

إذا طبقنا المعايير الدولية على إجراءات المحاكمة في محكمة الإرهاب، سنكتشف فوراً ودون أي جهد أنها لا تلتزم حتى بما هو منصوص عليه في التشريعات الوطنية، فهي معفية من التقيد بالأصول والإجراءات وفق ما نص عليه قانون إنشائها في المادة "7" منها: (مع الاحتفاظ بحق الدفاع لا تتقيد المحكمة بالأصول المنصوص عليها فيالتشريعات النافذة وذلك في جميع أدوار وإجراءات الملاحقة والمحاكمة). وتبعاً لذلك لا تتقيد بعلنية المحاكمة ولا بعقد الجلسات على قوس المحكمة، والمحكمة تتمتع بصلاحيات مطلقة في طريقة محاكمة المتهمين لديها، فلها أن تعقد جلساتها في قاعة المحكمة، كما لها أن تعقد جلساتها في مكتب رئيس المحكمة. وحالياً، تتمّ معظم الجلسات في مكتب رئيس المحكمة بعيداً عن أعين المحامين وأهالي المعتقلين.. ولا يسمح رئيس المحكمة بحضور الجلسات في مكتبه سوى وكيل المتهم حتى عند إصدار الأحكام. وإذا غاب المحامي، يسخّر رئيس المحكمة محامياً أخر للحضور معه كإجراء شكليّ بحت. ويسمح رئيس المحكمة للمحامين بالتحدث مع موكليهم بعد انتهاء الجلسة، إلا أن العناصر الأمنية تعطل قرار رئيس المحكمة وتمنع المحامين من لقاء موكليهم.. ولا يُسمح للمحامي بتصوير أوراق القضية، بل يُسمح له بالإطلاع فقط وضمن دقائق معدودة لا تكفي للإطلاع بما يكفي على ملف القضية. والقرار الصادر عن المحكمة قابل للطعن بالنقض خلال ثلاثين يوماً من اليوم التالي لصدور القرار وجاهياً. أما القرار الصادر غيابيا فلا يجوز الطعن به، ولا يعتبر لاغياً إلا إذا قام المحكوم غيابيا بتسليم نفسه طواعية للمحكمة، فإذا ألقي القبض على المحكوم غيابياً فلا يلغى الحكم الغيابي بل يصبح مبرماً وينفذ بحقه، وفقاًلما نصت عليه المادة 6 من قانون إنشاء المحكمة: (لا تخضع الأحكام الغيابية الصادرة عن المحكمة لإعادة المحاكمة في حالإلقاء القبض على المحكوم عليه إلا إذا كان قد سلم نفسه طواعيةفي مخالفة صريحة لما هو منصوص عليه في قانون أصول المحاكمات الجزائية السوري). وهذه المادة تتعارض مع المادة 333 من قانون أصول المحاكمات الجزائية التي تنص: (إذا سلم المتهم الغائب نفسه إلى الحكومة أو قبض عليه قبل سقوط العقوبة المحكوم بها بالتقادم فيعتبر الحكم وسائر المعاملات الجارية، اعتباراً من صدور مذكرة إلقاء القبض أو قرار المهل، ملغاة حكماً، وتعاد المحاكمة وفقا للأصول العادية).
 
ويجري استجواب المتهمين في المحكمة تحت حماية أمنية في مناخ مخيف. يسأل رئيس المحكمة المتهم الماثل أمامه عن صحة الاتهامات الواردة  في الضبط الأمني، فإذا قال المتهم أنه تعرض للتعذيب وأنه بصم على أوراق بيضاء، نهره  رئيس المحكمة، ويسخر منه بقوله: "جهاز المخابرات  جهاز وطني لا يقوم بتعذيب الناس. إنكم تتجنون عليه .. كفاكم كذباً".. تجري المحاكمة بسرعة البرق، حيث يتم استحضار ما بين 80 و100 معتقل في اليوم الواحد وتنتهي خلال ساعتين: إنها أسرع المحاكمات في تاريخ البشرية. يتمنى فيها المعتقل أن يصدر الحكم بسرعة حتى يرتاح من عناء استحضاره إلى المحكمة وما يلاقيه من عذاب طوال الطريق من السجن إلى المحكمة.

باختصار، فإن هذه المحكمة لديها قاعدة ثابتة تقول: "أن المتهم أمامها مدان حتى تثبت براءته".

وتعتمد المحكمة بشكل أساسي على الاعترافات المسجلة في الضبوط الأمنية التي انتزعت من المعتقلين بالضرب والتعذيب والإكراه الشديد. ومع أن معظم المحالين إلى هذه المحكمة يحتجون أمامها بأنهم قد تعرضوا للتعذيب وأجبروا على التوقيع على أقوال لم يدلوا بها، فإن المحكمة تتجاهل ذلك تماماً مبررة ذلك بقولها :"أن إنكار المتهم لأقواله الأمنية ما هي إلا محاولة للتملص من الجرم والإفلات من العقاب" .وهذا يكفي لإبطال تلك الأحكام لاستنادها إلى محاكمة مبنية على أقوال انتزعت تحت التعذيب.

في احدى الجلسات سأل رئيس المحكمة السابق (ميمون عز الدين) المتهم عن التهم الموجهة إليه، فردّ المتهم أنها غير صحيحة وأنه وقّع على بياض تحت التهديد بالقتل والتعذيب الشديد، فانتفض عز الدين موجها اليه كلاماً نابياً: "أن أجهزة الأمن هي مؤسسة وطنية لا يمكن أن تقوم بتعذيب الناس وهي التي تحمي أعراضكم وأموالكم". وفي جلسات أخرى كان يستجوب المتهم على قوس المحكمة بطريقة ساخرة ويهزأ منه أمام الموقوفين والمحامين بطريقة توحي بالإذلال.

أما القرارات والأحكام الصادرة عن المحكمة، فهي نسخة طبق الأصل عن قرار قاضي التحقيق مع إضافات بسيطة تتعلق بمقدار العقوبة التي تتراوح بين ثلاث سنوات والإعدام. وقد أصدرت المحكمة العديد من أحكام الإعدام، وإن غالبية أحكامها تتراوح بين عشر وعشرين سنة مع غرامات باهظة تظل الى خمسة ملايين ليرة سورية. وجميع الأحكام التي تصدرها قابلة للطعن أمام غرفة خاصة لدى محكمة النقض.
 
 
معاناة  المعتقلين قبل وبعد الوصول إلى محكمة الإرهاب ..؟

منذ بداية الحراك الشعبي في سورية في منتصف آذار لعام 2011 , بدأت أجهزة الأمن المذكورة أعلاه وبمختلف فروعها باعتقالات واسعة طالت بالدرجة الأولى النشطاء وطلاب الجامعات وأحالتهم إلى المحاكم بشكل كيفي حسب رغبة رئيس كل جهاز أمني. فنفس التهمة المنسوبة للمعتقل يمكن أن يُحال بموجبها للقضاء الجزائي العادي أو القضاء العسكري أو محكمة قضايا الإرهاب. إلا أنه منذ سنتين عمدت السلطات السورية بتوجيه السلطات الأمنية إلى إحالة كافة المتعقلين من فروع الأمن مباشرة إلى محكمة الإرهاب أو عن طريق النيابة العامة العسكرية بحراسة وإشراف عناصر الشرطة العسكرية، دون المرور بالقضاء العادي. وقد يمر المعتقل بمرحلة أخرى قبل إحالته للقضاء المختص, وهي مرحلة الإيداع في فرع الشرطة العسكرية في حي القابون بدمشق أو سجن صيدنايا العسكري وحتى في سجن عدرا، ناهيك عن الرحلة الطويلة التي يعيشها المعتقل لدى إحالته من المحافظات الأخرى إلى مدينة دمشق، كونها المحافظة الوحيدة التي يوجد فيها محكمة مختصة بقضايا الإرهاب. ومنذ لحظة وصول أوراق المعتقل إلى محكمة الإرهاب يتم تسجيلها في سجلات الموجود في نيابة محكمة الإرهاب في حال كانت إحالته مباشرة من فروع الأمن بمدينة دمشق وريفها، بينما تُسجل الأوراق في سجل الوارد في حال ورودها من المحافظات الأخرى بينما يبقى المعتقل في السجن التابع للمحافظة التي ألقي عليه القبض فيها دون أن
يُرحل إلى سجن عدرا  بدمشق.

ولدى إحالة الأوراق إلى محكمة قضايا الإرهاب، لا يتم إحالة المعتقل معها إلى المحكمة، حسب ما جرى عليه التعامل. فأحياناً تصل الأوراق إلى محكمة قضايا الإرهاب، بينما لا يزال المعتقل موجوداً لدى فرع الأمن الموقوف لديه، أو لدى فرع الشرطة العسكرية، أو قد يكون بصفة الإيداع لصالح فروع الأمن في سجن دمشق المركزي (عدرا) أو سجن دمشق العسكري (صيدنايا)  دون أن يتمتع المعتقل فيها بأي حق من حقوق نزيل السجون الأخرى في الأحوال العادية (كالزيارة العادية أو أن يتم تسجيله أصولاً على سجلات السجن).

بعد تسجيل الأوراق في سجلات المحكمة يتوجب على المعتقل انتظار دوره في الاستجواب وقد يستغرق أسبوعا أو أسبوعين حسب كثافة المعتقلين المحالين إلى المحكمة، علماً أنه في العامين الأولين من تشكيل المحكمة كان المعتقل ينتظر عدة أشهر حتى يأتي دوره في الاستجواب وهو موقوف في سجن عدرا من دون أي مذكرة قضائية، بل استناداً لمذكرة أمنية، أي يتم إيداعه في قسم الإيداع بسجن عدرا لصالح محكمة الإرهاب. ويبقى في قسم الإيداع إلى حين استدعائه من قبل قاضي تحقيق محكمة الإرهاب. فإذا قرر القاضي توقيفه، يقوم بإصدار مذكرة توقيف ترسل مع عناصر الشرطة المكلفة بنقل المعتقلين من السجن إلى المحكمة وبالعكس. عندها، يقوم مدير السجن بإصدار تعليماته للعناصر المكلفة بالإشراف على السجن بنقل المعتقل من قسم الإيداع الأمني إلى قسم التوقيف القضائي في السجن، حيث يتم توزيع اللباس المخصص للسجن على الموقوفين الجدد وتوزع عليهم حرامات وفرش وإذا توفر سرير يتم توزيعه لمن يدفع أكثر من بين هؤلاء.

في يوم الاستجواب، يتم اقتياد المعتقلين من سجن دمشق المركزي (عدرا) أو سجن دمشق العسكري (صيدنايا) وحتى من سجن فرع الشرطة العسكرية بحّي القابون بدمشق مقيدين بالسلاسل، مرتدين لباس السجن المخصص للمجرمين الجنائيين. وأحيانا، يأتون حفاة وشبه عراة وخاصة منهم المعتقلين الموقوفين في سجن صيدنايا والشرطة العسكرية (حيث سبق أن تم إحضار العديد منهم إلى المحكمة حفاة لا يرتدون سوى ملابسهم الداخلية، وكان واضحاً وبشكل جلي أنهم ارتدوها لحظة سوقهم للمحكمة). وأذكر يومها كيف قام القضاة الموظفون وعناصر الأمن بارتداء الكمامات على أنوفهم من شدة رائحة الإنتان التي يعاني منها المعتقلون وكأنهم خرجوا للتو من القبر، ناهيك عن أوضاعهم الصحية السيئة من هزال بالجسد وأمراض جلدية وتورم بالقدمين بشكل مخيف، مع وضوح آثار الضرب والتعذيب بشكل مخيف لا يمكن وصفه. ويلحظ أن سورية صادقت على اتفاقية مناهضة التعذيب بموجب المرسوم التشريعي رقم 39 تاريخ 1-7-2004، ولكنها لم تعترف باختصاص لجنة مناهضة التعذيب المنصوص عليها في المادة 20 منها.
ولدى وصولهم إلى محكمة قضايا الإرهاب، يتم وضعهم في زنزانة المحكمة الموجودة تحت الأرض، حيث يتم إدخالهم مطأطئي الرأس على وقع الكلام النابي من عناصر الحراسة، ويتعرضون للضرب في حال قيامهم بأي شيء لا يعجب السجانين، كأن يقوم أحدهم بالسلام على محاميه أو قريبه بالإشارة أو رفع حاجب عينيه. ويُمنع المعتقلون من التحدث مع أي شخص حتى من بين ذويهم ووكلائهم، تحت طائلة ضربهم وإهانتهم وتعرضهم للسبّ والشتم والقدح بأشنع الألفاظ، لدى اقتيادهم إلى قاضي التحقيق.

يدخل المعتقل إلى مكتب قاضي التحقيق ظناً منه أنه في مكتب أمني، حيث يقوم القاضي وبنبرة حادة بتلاوة التهم المنسوبة عليه بشكل سريع دون أن يعطى أي فرصة للدفاع عن نفسه أو أن يسمح حتى للمحامي الدفاع عنه أو توضيح حالة موكله، ولا يسمح للمحامي بطرح الأسئلة إلا فيما ندر خلال الاستجواب.

وبعد استجواب المعتقل، يقرر القاضي تركه أو توقيفه وغالباً ما يكون قرار القاضي هو التوقيف، حيث تتم إعادته إلى السجن ليصبح موقوفاً لصالح محكمة الإرهاب. وقد يجتهد قاضي التحقيق ولا يعجبه الوصف الجرمي المنسوب للمعتقل فيطلب من النيابة العامة تغيير الوصف الجرمي باتجاه التشدد.

 بعد ذلك، يحق للمعتقل تقديم طلب إخلاء سبيله بعد فترة تصل إلى الشهر من تاريخ استجوابه، وفي حال تم رفض طلب إخلاء السبيل، فلا يسمح له ولا لوكيله تقديم طلب إخلاء سبيل جديد إلا بعد مضي شهر على تاريخ رد الطلب السابق. مع العلم أن البت بطلبات إخلاء السبيل قد يأخذ أكثر من ذلك، وفي كثير من الحالات يقرر قضاة التحقيق إحالة القضية للجنايات قبل البت بطلب إخلاء السبيل.

وفي حال الموافقة على طلب إخلاء السبيل بعد طول معاناة، تكون كفالة إخلاء السبيل كبيرة جداً مقارنة بالحالة المادية للمواطن السوري ومتوسط دخله، وكثيراً ما تصل إلى مبلغ ربع مليون ليرة سورية.

ومما زاد من معاناة المعتقلين سوءاً، هو قيام إدارة سجن عدرا القريب من دمشق حيث يحتوي على العدد الأكبر من الذين تتم محاكمتهم أمام محكمة الإرهاب، بتوزيع سجناء الإرهاب على سجون أخرى في المحافظات السورية استناداً لتعليمات أمنية. فيتم وضع سجناء دمشق في سجن اللاذقية، وسجناء اللاذقية في سجن حماه، بحيث لا يكون هناك سجين في محافظته، بل يتم وضعه في محافظة أخرى. والهدف من ذلك هو إرهاق أهالي المعتقلين ومزيد من المعاناة  لهؤلاء وإطالة أمد إجراءات المحاكمة  كما حصل مع رئيس المركز السوري لحرية التعبير والإعلام الصحفي مازن درويش ورفيقه حسين غرير وهاني زيتاني، فتم نقل مازن درويش الذي يقطن في دمشق من سجن عدرا إلى سجن حماه، بينما تم نقل هاني زيتاني إلى سجن السويداء، مما أدى إلى تعطيل جلسات المحاكمة نظرا لعدم استحضارهم من سجني حماه والسويداء. والهدف واضح هو إطالة أمد المحاكمة وعدم إطلاق سراحهم.

لا يمكن إعطاء المعتقلين في سوريا وصفاً مناسباً لهم سوى الأحياء الأموات، فالداخل مفقود والخارج مولود، والمولود منهم ربما يلد مع أمراض جسدية ونفسية وإعاقات دائمة.
 
الخاتمة:

الهدف من هذا التقرير هو تسليط الضوء على محكمة الإرهاب التي أنشأها النظام السوري بديلاً عن محكمة أمن الدولة العليا السيئة الصيت. ولكنها- أي محكمة الإرهاب- جاءت أكثر سوءا منها. وقد استخدمها النظام تحت مظلة محاربة الإرهاب لمحاربة نشطاء حقوق الإنسان ومعارضيه السياسيين من خلال وصمهم بالإرهاب والانتماء للمجموعات التكفيرية المتطرفة. ويظهر هذا التقرير معاناة المعتقلين من خلال سوقهم من أقبية الفرع الأمنية المتعددة وإجراءات المحاكمة أمام محكمة الإرهاب التي تفتقد إلى الحد الأدنى التي حددتها المعايير الدولية للمحاكمات العادلة وكذلك معاناتهم بعد خروجهم من الفروع الأمنية وإيداعهم في السجون السرّية المدنية منها والعسكرية، ليرى العالم  حجم المعاناة التي يعانيها الشعب السوري ولاسيما المعتقلون منهم.

والأمل طبعا أن ينجح الشعب السوري بالخروج من مأساته حتي يتمكن من إعادة بناء دولته الوطنية، دولة الحق والقانون، دولة المؤسسات على أساس مبدأ المواطنة بصرف النظر عن السياسة والدين واللون والعرق والجنس.
 


[1] مرسوم إعادة تشكيل محكمة النقض الخاصة بالإرهاب http://www.alwatan.sy/view.aspx?id=18807