قتلها وجلس على الكنبة ليدخن سيجارة.

رماها من الشرفة, ثم دخل لينام.


مجرمو هذه الأفعال لم يلوذوا بالفرار بعد جريمتهم وبقوا في أماكنهم كأن شيئاً لم يكن. كأن الجريمة العنيفة التي ارتكبوها ضد زوجاتهم ليست جريمة بل فعل جدّ روتيني من ضمن حياتهم اليومية. قد يبدو غريبا أن نتوقف عند هذه التفاصيل الدقيقة لهذه الحوادث، المهمّ فيها هو رمزيتها والاشكالية التي يطرحها فعل اللامبالاة بعد القتل، محاولات القتل او التعنيف، كأنّما الجاني لم يقتل أو يعنف انسانا.

أهمية هذه التفاصيل تقع في صلب الفرضية التي تطرح فكرة التجريد من الإنسانية كوسيلة مقاربة تحليلية للعنف. فالتشييئ المتكرر للمرأة بدايةً بجسدها وطريقة تعامل المجتمع معها هو دلالة واضحة على هذا التجريد. والدليل الأكبر هو أن الجاني يلوذ في معظم الأحيان بالفرار او بتركيب سيناريوهات من الممكن أن تغطّي على جريمته. لكن في حوادث العنف التي سُجلت، نرى نمطاً من اللامبالاة، كأنما جرائم القتل ومحاولات القتل ليست الا امتدادا للعنف اليومي الزوجي الممارس ضد الزوجة فلا يصبح حدثا استثنائيا حتى ولو أدى الى موت الزوجة المُعنَفة.

فهذا النوع من العنف، القاتل منه وغير القاتل، ليس سوى نتاج للتشييئ الذي يحصل يومياً على عدة أصعدة ويؤدي الى تجريده المرأة من الإنسانية فيصبح جسدها قابلا للتدوير disposable. فتصبح المرأة شيئا وتُجرد  من صفتها كانسان، فمن السهل رمي الأشياء عن الشرفة مثلاً.  

التشييئ في النظام الاقتصادي
ان التشييئ ليس بجديد على أجساد النساء في لبنان. فالنظام الاقتصادي الذي يبني رأس ماله على فكرة استهلاك أجساد النساء كسلعة متداولة في الإعلانات وصناعة الموسيقية والاعلام والترويج للبضائع عبر بيع جسد المرأة يساهم بشكل كبير في تحوّل النظرة الى جسد المرأة من كونه جسد إنسان ليصبح سلعة يسهل تداولها. فهذه الإعلانات تؤمن بيئة خصبة لتحويل النساء الى أشياء.

التشييئ في التركيبة الاجتماعية
ان التركيبة الاجتماعية الذكورية التي تصور الزواج على أنه عملية تبادل بين الذكور فتنتقل المرأة من منزل أبيها الى منزل زوجها بناءً على عقد اجتماعي يساهم أيضاً في تصوير النساء على أنهن أشياء يصح تملكها.ومثال على ذلك فكرة دفع المهر التي تصور الزواج على انه عملية شراء وتبادل سلعة.  كما نعلم كم هو من الصعب على المرأة الحصول على الطلاق في المحاكم الروحية المسيحية.  بالإضافة الى ذلك، تشارك النظرة الى المرأة على انها هي تحمل شرف العائلة في جسدها الى حد يصح معه استباحة قتلها في حال أخلّت بالعقد المفروض عليها بحفظ هذا الشرف. وهذا ما يساهم بتذنيب المرأة عند تعنيفها فيصبح شرفها وافعالها عملية تساؤل في المجتمع، فماذا فعلت لتستحق هذا الفعل من العنف، بدل التحديق في التركيبة الاجتماعية التي تحرض عليه.

التشييء من الناحية القانونية
ان التأخير في إقرار قانون العنف الاسري لأكثر من ستّ سنوات أظهر العنف الأسريّ هامشيّا لدى السلطات الحاكمة، وخاصةً أن القانون لم يصنّف الاغتصاب الزوجيّ ضمن أفعال العنف، بحجة أنه يشكل استيفاء لحقّ زوجيّ. وهذا ما يقع في صميم التشييئ. فاذا اضفنا الى ذلك العوامل التي تناولناها سابقاً، يأتي القانون ليُمأسس فكرة أن جسد المرأة ليس من ملكيتها بل من ملكية زوجها، وبالتالي يمكنه ممارسة الجنس معها حينما يشاء من دون رادع اجتماعي او قانوني. بالإضافة الى ذلك، تضع المحاكم الشرعية والتقاليد الاجتماعية في معظم الأوقات بنية العائلة في مقدمة الأولويات بالنسبة الى سلامة المرأة أو حياتها. فنرى الجهود المبذولة للمصالحة مع الزوج العنيف من قبل رجال الدين او الاهل او الجيران، وهي جهود تؤدي في العديد من الأحيان الى تفاقم العنف وموت  الزوجة.

كل هذه العوامل، من التشييء والتسليع والتجريد من الإنسانية والكثير غيرها، تؤدي الى رسم لوحة مؤلمة قوامها: قاتل ومقتولة ووقاحة الذكورية المستفحلة في ارتكاب الجريمة وكأن شيئا لم يكن. ومن المهم هنا أن نضيف أن المعنف وخاصةً في حالات العنف الاسري قلما يكون مريضا نفسياً، فهو فاعل اجتماعيا ولا يعتدي على المسؤول عنه في العمل مثلا. وهنا تأتي خصوصية العنف المبني على النوع الاجتماعي.  

أخيراً, يجدر الذكر أن هذه الظاهرة غير جديدة على المجتمع بل أصبحت متداولة نظراً الى الوعي الاجتماعي المكتسب من الحملات الاعلانية والاعلامية التي شنتها وتستمر بشنها المجموعات النسوية وجمعيات حقوق المرأةفي لبنان.