بعد الحراك الذي شهدته محاكمة مارسيل خليفة في 1999، شهدنا خفوتا في تحركات الفنانين التي عادت لتظهر بشكل خاص في السنة الأخيرة، في قضايا مختلفة. وهكذا، نشأت حملة "بيروت عاصمة عالمية للفساد" المطالبة بمحاكمة مسؤولي الفساد، بمبادرة من مجموعة من الفنانين وتزايدت التحركات المناهضة للرقابة على الاعمال الفنية من موسيقى وافلام وعروض مسرحية ومطبوعات وأعمال منشورة، ونظّم العرض المسرحي الاحتجاجي على تسكير مسرح بيروت، "ردوا المسرح لبيروت" فضلا عن تحركات عدة دعما لهذا الفنان أو ذاك في قضية قضائية معينة كما حصل في قضايا الغرافيتي (سمعان خوام) أو أيضا قضية زيد حمدان على خلفية أغنية جنرال سليمان أو أيضا قضية العرض الفكاهي لراوية الشاب وادمون حداد الذي نظّم لأهداف خيرية فعدّ مخالفا للآداب العامة. فما هي مطالب هؤلاء الفنانين وحاجاتهم؟ وفي أي ظروف نشأت هذه التحركات؟ وما هي الوسائل التي تستعملها للتعبير عن مطالبها؟ وهل يمكننا أن نعتبر أن الفنانين عادوا الى اداء دور اجتماعي وسياسي فعّال؟

تشير حنان الحاج علي الى عدم خلو المساحة الفنية من الحراك الاجتماعي وان مني هذا الحراك بهزائم متتالية. وهي تذكر بالحملة التي قامت بها مجموعة من المثقفين والفنانين والمهندسين في تسعينيات القرن الماضي، في مواجهة مشروع سوليدير للحفاظ على ذاكرة بيروت والرمزية التاريخية لوسط المدينة. وهي تصف تلك الحملة بالخاسرة وقد أدّت الى كسر الثقة بين جيل الفنانين الشباب الذي تخرّج بعد الحرب وبين الجيل الذي عاش "أمجادها"[i] ولم يترك الا "الخديعة، والفشل، والهزيمة"[ii]. وترى الحاج علي أن حراك الفنانين الحالي تأثر من دون ريب بموجة الثورات التي تحدث في المجتمعات المحيطة، حيث برزت مشاركة الفنانين فيها عبر اشكال متعددة. ويضيف روي ديب بأن الحراك يعود أيضا الى أرضية كانت في طور التجهيز ساهم في اعدادها التواصل بين الفنانين وعدد من المحامين المستقلين. فالى جانب سعي بعض هؤلاء الى اقناع الفنانين باستعمال القانون للدفاع عن مصالحهم، فان التواصل فيما بينهم قد تعزز من خلال أعمال المشورة القانونية أو في قضايا الدفاع عن الفنانين في قضايا فضائية غالبها يتصل بالرقابة على الأعمال الفنية. 
وبالواقع، نرى أن بعض الحملات انطلقت مؤخرا من مجموعات تأسست على أثر تراجع حملة "اسقاط النظام الطائفي" (2011). فنشأت حملة "بيروت عاصمة عالمية للفساد" التي قام منظموها، ومعظمهم من الفنانين والناشطين الحقوقيين، بالاعتصام وتقديم عريضة الى ديوان المحاسبة من أجل المضي قدماً في محاكمة المسؤولين عن الفساد في فعاليات "بيروت عاصمة عالمية للكتاب" الذي نظم عام 2009، ومن أجل دعم القضاء وتعزيز استقلاليته. ويتحدث جنيد سري الدين عن تجربته التي تأثرت في الحراك الحقوقي والسياسي العام في البلد. فبعد مرحلة التسعينات التي يصفها جنيد "بالعبثية والعدمية حيث تأثر الطلاب بأساتذتهم الذين عاصروا اواخر الفترة الحداثية للفن، والتي تميّزت باليأس من القضايا الاجتماعية والامتناع عن النقد السياسي والاجتماعي"، إلا أن "التحركات العربية أحدثت صدمة تعتبر بمثابة زلزال كبير في تصوراتنا للعمل المطلبي الجماعي."[iii]
من جهة أخرى، يتفق روي ديب ونائلة جعجع على استفادة الحراك الحالي من تجارب سابقة في المجالين الاجتماعي والفني. وتدلي جعجع بأن تحرك مسرح بيروت كان واضح المطالب بخلاف حملة "اسقاط النظام الطائفي" الذي تم الاختلاف على مضمونه وغاياته، فمهمة اسقاط النظام وتغييره هي مهمة حزب سياسي، أما العمل المطلبي فهو يهدف الى اصلاح معيّن مبني على قضايا محدّدة مع عدّة واسعة تستعمل في المسيرة المطلبية. ويرى روي ديب أن المرحلة الحالية التي يعيشها الفنانون تأتي في اثر تبخّر احلام الستينات والسبعينات في فترة ما بعد الحرب. وتشرح الحاج علي بأن مرحلة السبعينات قد شهدت بالفعل مرحلة يوتوبيا في مجال الأعمال المسرحية. فقد نجح الفنانون في ازاحة مقص الرقابة عن هذه الأعمال في قضية مسرحية مجدلون، حيث عرض للمرة الأولى موضوع الفدائي الذي كان لا يزال من المحرّمات السياسية[iv]. ولكن هذه اليوتوبيا قد تبخرت تماما أثناء الحرب بعودة الرقابة، وأيضا مع الخسارة التي مني بها الفنانون في معركة إعادة إعمار وسط بيروت.
 وهكذا، وبعد فترة من الجمود، يعتبر روي ان هناك جيلاً جديداً من الفنانين، يواجه اشكاليات ولديه حاجات جديدة. فهو جيل لم يعش فترة الحرب انما تأثر بأساتذته الذين عايشوها وبنوا أعمالهم عليها. فكان السؤال لدى الخريجين ماذا سيقدمون من جديد وبالفعل قرروا الان أن لديهم شيئا يقولونه.
ويحتوي الحراك على تنوع في الآليات والأشكال والوسائل العملية والتنظيمية التي يعبّر من خلالها وينطلق منها. بدأ العمل بين مجموعات فنية وثقافية على تأسيس"مرصد الرقابة – تحرّك من اجل إعادة النظر في قوانين الرقابة في لبنان"[v]، وبخاصة منذ خمس سنوات حيث اصطدم الفنانون بغياب السياسات الثقافية وبالتجهيل القانوني مما أدّى إلى انعدام الحماية والدعم لهم. تم إعداد دراسة "أعمال الرقابة قانوناً" ونشرها في كانون الأول 2010، فشكلت منطلقاً لصياغة مسودة "قانون حرية الأعمال السينمائية والأعمال المصورة" لتكريس حرية الانتاج والعرض والذي تم الإعلان عنه في مؤتمر نظّم في سينما ميتروبوليس في 15 كانون الأول 2011.وتتحدّث حنان حاج علي عن بدء الدراسة التي انطلقت من حاجة متزايدة لدى الفنانين لمعرفة الارضية القانونية التي على اساسها تقع الرقابة على أعمالهم والضغط لتعديلها، وعدم الاكتفاء بالحملات الاعلامية التي كانت تنشأ عقب كل منع او رقابة. وتم التعاون مع فريق متخصص من الباحثين الحقوقيين لإعداد الدراسة التي تضيء على اربعة مجالات تخضع للرقابة؛ الأعمال السينمائية المصورة، الأعمال المسرحية، المطبوعات والنشر ووسائل البثّ المرئي والمسموع. ويعد المرصد مع منظمة "مهارات" الحقوقية، التي انضمت إلى هذا الجهد لاحقاً، خطة عمل من أجل "التوعية والمناصرة وخلق أرضية مؤاتية لطرح المشروع"[vi].
والمرصد الذي تشكل تنظيمياً من دون هيكلية قانونية –على الاقل ليس بعد- يقوم على العمل الشبكي الطوعي والجهد الذاتي لجمعيات فنية بالاضافة الى أفراد فنانين وحقوقيين، حسب حنان حاج علي، حيث اقتصر التمويل على تأمين أتعاب الخبراء القانونيين والنشر. وهو يشبه الى حد بعيد التحرك حول قضية مسرح بيروت الذي يأخذ أيضاً الطابع الطوعي والشبكي والتخصصي، والذي يقوم به بالمناسبة تقريباً التحالف نفسه لمرصد الرقابة، اذ يتم توزيع العمل على لجان مختصة بمتابعة مهام محددة والنقاش يكون على مستوى المجموعة كاملة. وهذا الطابع اللاهرمي متأثر ايضاً بالأشكال التنظيمية التي تأخذها الحملات والمنظمات الناشئة حديثاً. الا أن الهدف هذه المرةليس تعديل قانون انما هو تفعيل قانون موجود ورقمه37/2008 يتعلّق بحماية الممتلكات الثقافية التي تحظى بتعريف متطور مستند الى اتفاقية الاونيسكو للمحافطة على التراث غير المادي لعام 2003[vii]. وكما أن واقع تعدّد أصحاب المصالح، من جمعيات فنية وناشطين، ومالكي العقار، والمجتمع في لبنان، يعكس إشكاليات متعددة تغني النقاش العام. وهي من جهة تتعلق بالثقافة السائدة حول الملكية الفردية التي يحميها الدستور، إلا أنها لا يمكن أن تتعدّى على مساحة الملكية المجتمعية المتمثلة بالذاكرة والتاريخ المرتبط بالمكان والأعمال التي تنظم فيه. إشكالية أخرى تثيرها قضية مسرح بيروت وهي تحمّل الجهات الحكومية مسؤولياتها بالتدخل مباشرة لحماية فضاء ثقافي، تتعلق بالحاجة الى رسم السياسات الثقافية والفنية –ولا يغيب عن بالنا ما آلت اليه عمليات التخطيط ورسم السياسات العامة في بلدنا.
أما الفارق الأساسي في حملة "ردّوا المسرح لبيروت" فهو مزاوجة العمل الاحتجاجي في الفضاءات العامة والعمل الحواري مع وزارة الثقافة المعنية المباشرة والشريكة الأساسية لنصرة هذه القضية ومع إدخال طرف ثالث وهو مالك العقار، حيث يؤكّد الناشطون في الحملة على ضرورة التعويض عليه بشكل مناسب. وذلك إن دلّ على شيء، فهو يدلّ على تنوّع الأفكار في النقاشات بين الناشطين ومنهجية ناضجة وتشاركية في ايجاد الحلول بين جميع أصحاب المصالح. فمن جهة، حسب نائلة جعجع، لدى كثيرين توجس من الدخول في عملية حوارية مع الوزارة، وهم يفضّلون المواجهة، الغاضبة أحيانا، في الشارع. أما البعض الآخر فيرى ضرورة في إبقاء قنوات الحوار مع الوزارة مفتوحة لأنها الجهة الوحيدة القادرة على حماية المسرح. وهكذا تتوالى الاجتماعات مع لجنة متخصصة في الوزارة لمتابعة القضية، ولمساعدتها تقنياً وإقناعها بوجهة النظر القانونية للحملة، وهي تتقاطع مع أعمال احتجاجية كالاعتصام الذي نظّم في كانون الأول 2011، والعمل المسرحي الرمزي الاحتجاجي الذي نظم في 27 آذار 2012 بمناسبة اليوم العالمي للمسرح، حيث جمع على خشبة مسرح المدينة 50 ممثلا وممثلة قدموا عروضاً من أعمال مسرحية عديدة عبر فيها المحتجّون عن الاختناق الحاصل في المساحات الفنية والفضاءات العامة، وقد ختم النشاط بمسيرة قام فيها المحتجّون من مسرح المدينة إلى مسرح بيروت. وقد ضم النشاط الأخير المئات من المشاركين وكان له صدى واسع في الإعلام ولدى الرأي العام والوسط الفني حيث اتّخذت معظم المسارح في بيروت –وصولاً الى مسرح باردو في تونس- "مسرح بيروت" اسماً لها في هذا اليوم.
 ومن هنا تتبين مدى أهمية معرفة الأرضية القانونية لكل قضية شأن عام يتم التحرّك حولها، فهذا "يعطي قوة للحجة ويغيّر في خطاب الحركة ويجعله مقنعاً أكثر"[viii]. "وهذا يعطي ثقة ودفعاً أكثر ويفتح الباب أمام حماية مساحات أخرى مهدّدة خاصة وأن الدولة لا تمتلك أي خطة لدعم المساحات الثقافية" يقول روي ديب، كما أنه في حال الحصول على أي مكسب فيكون بذلك حافزاً ومشجعاً للحركات المطلبية الأخرى وإن تفاوت الموضوع صعوبة من قضية إلى أخرى.
بأية حال إن دور الحركة الفنية الناشطة والناشئة في صراعها مع السلطة لا يتعلق فقط بمدى تصادمها مع الأخيرة أو اعتماد أسلوب الحوار أو التفاوض معها، إنما في عدم تحويل هذا الصراع إلى بدل عن ضائع، خاصة على اعتبار أن الحركة الاجتماعية تعاني من ركود. فدور الفنانين لا يكمن في الدفاع عن قضاياهم فقط إنما في السعي إلى التشبيك مع نضالات أخرى في مواقع أخرى وحول قضايا أوسع. فكما أن الفن ليس فنا ذاتيا يُعجِب صانعه (شلته) إنما يتوجه للجمهور، فللحركة الفنية الناشئة دور في العمل على قضايا هذا "الجمهور" بالمعنى الأوسع خارج خشبة المسرح أو شاشة السينما والقضايا المرتبطة بها مباشرة، مع عدم تحميل هذه الحركة ما يفوق قدرتها.
صراع الحركة الفنية ليس سهلا مع السلطة، فالسلطة تنأى بنفسها عن رسم السياسات العامة والتخطيط بما خص المساحات الفكرية من مسارح وما شابه، متحججة بالحرية الاقتصادية، لكنها تستعمل قوتها المادية والرقابية في التدخل في الأعمال الفنية أو منعها بكل بساطة.
 


[i]مقابلة مع روي ديب.
 
[ii]مقابلة مع حنان الحاج علي.
 
[iii]مقابلة مع جنيد سري الدين.
 
[iv] للمزيد الاطلاع على الدراسة " أعمال الرقابة" قانوناً، نزار صاغية ونائلة جعجع ورنا صاغية، مرصد الرقابة، 2010، وبمكن تحميلها على الرابط التالي: http://www.lb.boell.org/downloads/Censorship_Book_Arabic.pdf
 
[v] المنظمات والأفراد الأعضاء: الجمعية اللبنانية للفنون التشكيلية - أشكال ألوان، جمعية السبيل – أصدقاء المكتبات العامة، بيروت دي سي Beirut DC، متروبوليس سينما، Né à Beyrouth، مركز بيروت للفن Beirut Art Center، أمم للتوثيق والأبحاث، زيكو هاوس Zico House، الجمعية التعاونية الثقافية لشباب المسرح والسينما "شمس"، بيار أبي صعب، مؤسسة هينرش بُل – مكتب الشرق الأوسط، معهد غوته – لبنان.
 
[vi] كما تؤكّد ليال بنهام من مؤسسة "مهارات".
 
[vii] يرتكز مطلب اعتبار مسرح بيروت من الممتلكات الثقافية وبالتالي تحمّل وزارة الثقافة مسؤولية حمايته على المواد 1 و2 و15 من القانون رقم 37/2008. حيث تنص المادة الأولى على أن "تعتبر من الممتلكات الثقافية الممتلكات المنقولة وغير المنقولة (...) كائناً كان يمتلكها أو يحوزها" وفي الفقرة (ج) من المادة نفسها يحدّد المشترع "أن يشكل الحفاظ عليها صالحاً عاماً لبنانياً (...)". أما المادة الثانية فقد حددت في فقرتها الأولى بعض الفئات التي يجب أن تنتمي اليها الممتلكات الثقافية بأنها تلك "الممتلكات غير المنقولة، أي الأماكن والمواقع الأثرية، أو التاريخية، أو العلمية، والمنشآت والمعالم والصروح والمباني أو أجزاء المباني ذات القيمة التراثية، أو التاريخية، أو العلمية، أو الجمالية، أو المعمارية، أو الرمزية، سواء كانت دينية أو مدنية (...)". كما أن المادة 15 من نفس القانون حددت مسؤولية وزير الثقافة بتمكينه بقرار صادر عنه "وضع اليد بصورة مؤقتة (...) على أي ممتلك ثقافي يتعرض لأي من الأخطار التي تنطوي عليها الضمانات التي يؤمنها هذا القانون بما في ذلك احتمال تقل الملكية (...) أو تغيير معالمه (...) أو تعرض الممتلك للإهمال أو لإمكانية التلف (...)"
 
[viii]مقابلة مع نائلة جعجع.