انتشر يوم السبت الفائت الى جانب صور مظاهرة "للصبر حدود" التي دعت اليها منظمة "كفى" شريط مصور يظهر رئيس بلدية برمانا الغابة المحامي أمين أبو جودة يعتدي بالضرب المبرح على زوجته في موقف أحد المجمعات التجارية. كثيرة هي المسائل والاشكاليات التي ظهرت في هذه القضية، والتي يستحق كلّ منها التوقف عندها. فالمعنّف هذه المرة ليس مواطنا عاديا بل هو محامٍ ورئيس بلدية ينتمي الى طبقة ومهنة تعطيه العديد من الامتيازات شهدنا نتائج البعض منها خلال الايام القليلة الفائتة. فاستطاع من أقدم على ضرب زوجته أن يسبقها ويلجأ أولا الى القضاء فحصل على حكم من قاضي الأمور المستعجلة في جونية بمنع عرض الشريط المصور الذي يوثق واقعة الضرب على عدد من المحطات التلفزيونية. كما استطاع أن يتدخّل مباشرة عبر الهاتف في برنامجين تلفزيونيين بهدف تبرير نفسه[1] ("اسألوا عني"). فلهو هو وحده الحق في تناول القضية علنا وعبر الاعلام. وهو لم يكتف بذلك، فقد علمنا من مصادر في العدلية، أنه كان يلطي لزوجته التي ذهبت يوم السبت لتقديم شكوى ضده أمام النيابة العامة في جبل لبنان ومن ثم في قلمها. وكان اذ ذاك بإمكان النائب العام، أن يستدعي المحامي ذاك لاستجوابه[2]، على خلفية ارتكاب جرم مشهود من دون لعبة رفع الحصانات، لكن هذا ما لم يحصل.

عديدة المسائل التي برزت ولا تزال تبرز مع هذه القضية وعديدة هي المؤسسات التي وضعت أمام الاستحقاق، استحقاق تقيدها واحترامها لحقوق النساء. فإلى جانب القضاء تنتظر زوجة المعنف، ونحن معها، صدور قرار من نقابة المحامين (من المتوقع صدوره اليوم) بالنسبة لمسألة رفع الحصانة أو عدمها عن المحامي المعنف بالصوت والصورة، ومن دون لبس.  

لماذا الحصانة؟
كرست المادة 79 من قانون تنظيم مهنة المحاماة مبدأ حصانة المحامي/ة والتي تمنع ملاحقة محام عن "جريمة منسوبة اليه/ا لفعل نشأ عن ممارسة المهنة أو بمعرضها الا بقرار من مجلس النقابة يأذن بالملاحقة". اذا المادة واضحة من حيث حصر نطاق الحصانة بالأفعال المرتبطة والناتجة عن ممارسة المهنة. وأتت هذه المادة بهدف حماية المحامي/ة من مضايقات وملاحقات قد يتعرضون لها، من اي جهة كانت، بسبب القضية التي تم توكيله/ا من أجل متابعتها، و في اطارها، وهي (أي الحصانة) بالمقابل ليس امتيازا ولا تجدر أبدا أن تمتدّ خارج هذا الاطار.
وضمانا لحسن تنفيذ هذه المادة، أعطيَ مجلس النقابة سلطة تقدير ما ان كان الفعل المشكو منه يندرج تحت اطار ممارسة مهنة المحاماة ام خارجها لتقدير ان كان يتمتع بحصانة ام لا[3]، تحت رقابة محكمة الاستئناف التي يمكن الطعن أمامها بقراراته. وبفعل هذه المادة، يتعين على من يريد ان يتقدم بشكوى بوجه محامي/ة ان يتقدم أولا بطلب من مجلس النقابة برفع الحصانة. وهذا ما حصل في اطار هذه القضية حيث وقع المدعي العام كلود كرم على قرار احالة الشكوى امام مجلس النقابة يوم السبت الفائت.

لكن، وعلى عكس ما قام به مجلس النقابة في قضية النائب نقولا فتوش حيث عقد اجتماعه واتخذ قرارا بشطبه من جدول النقابة بعد يوم واحد من المؤتمر الصحفي الذي عقده فتوش، مرّ اسبوع على إقدام المحامي على ضرب زوجته ولم يجتمع مجلس النقابة بعد. أسبوع وزوجة المعنف تهرب من مكان الى آخر بحثا عن مكان آمن يحميها من زوج معنف لا يزال يطاردها وعن آلية تحمي من خلالها أولادها الذين لا يزالون يعيشون معه. وما يعزز هذا التأخر قابلية للنقد هو ما توارد الى علمنا عن وجود شكوى سابقة قدمت خلال شهر نيسان من هذه السنة أمام مجلس النقابة بوجه المحامي عينه بالتهمة عينها دون أن يصدر أي قرار عن المجلس حتى تاريخه.  

اليوم تنتظر زوجة المحامي المعنف، ونحن معها، قرار مجلس نقابة المحامين في بيروت. فهل سترفع النقابة الحصانة عنه لتتمكن الزوجة المعنفة من ملاحقته قضائيا؟ وهل سيتمكن القضاء من حمايتها؟ بل أبعد من ذلك، أليس حريّا بنقابة المحامين أن تستغل هذه المناسبة وتحول أنظار الرأي العام اليها، كي تضع أصولا نهائية وشفافة بخصوص المادة 79 من قانون تنظيم المهنة ؟ فالمادة 79 أعطيت لحماية وظيفة عامة هي حق الدفاع، ولا يجوز بحال من الأحوال استخدامها كامتياز لتحصين المحامين ازاء مسؤولياتهم في شؤونهم الخاصة أو أي شأن لا صلة له بالمحاماة. فضلا عن ذلك، أليس لها أن تضع أصولا تمكنها من اتخاذ قراراتها بالعجلة القصوى حين تكون حياة أشخاص معرضة لخطر داهم؟
 


[1]مداخلة له عبر حلقة طوني خليفة على شاشة ال MTV، وأخرى على شاشة المؤسسة اللبنانية للإرسال على برنامج جو معلوف
[2]المادة 79 من قانون تنظيم مهنة المحاماة "باستثناء حالة الجرم المشهود، لا ستجوب محام عن جريمة منسوبة اليه قبل ابلاغ نقيب المحامين الذي يحق له حضور الاستجواب بنفسه او بواسطة من ينتدبه من اعضاء مجلس النقابة"
[3]المادة 79 من قانون تنظيم المهنة "لا يجوز ملاحقة محام جريمة منسوبة اليه/ا لفعل نشأ عن ممارسة المهنة او بمعرضها الا بقرار من مجلس النقابة يأذن بالملاحقة ومجلس النقابة يقدر ما اذا كان الفعل ناشئا عن المهنة او بمعرضها"