إن قضية التبني غير الشرعي والإتجار بالأطفال حديثي الولادة في لبنان ظاهرة خطيرة بدأت تتراكم قصصها في النصف الثاني من القرن الماضي، وخصوصاً خلال الحربين الأهليتين في الـ1958 والـ1975، حيث جرى تبني نحو 10,000طفل لبناني الجنسية، بحسب تقديرات جمعية "بدائل"،بطرق ملتوية وغير شرعية، إلى عائلات من مختلف أنحاء العالم، إما عبر دور رعاية تابعة لإرساليات دينية خاصة بالتعاون مع المحاكم الروحية المرتبطة بها، أو عبر التبني المباشر في بعض المستشفيات نتيجة أعمال عصابات منظّمة. ولدى معظم هؤلاء الذين جرى تبنيهم، وهم بغالبيتهم العظمى تجاوزوا العقد الثالث أو الرابع من عمرهم، أوراق تثبت أصولهم اللبنانية، بعضهم يعلّق آماله عليها، وبعضهم الآخر فقد الأمل وما زال يجهل أهله الحقيقيين.

بين هؤلاء الذين جرى تبنيهم إلى خارج لبنان من أصبح يزور وطنه الأم بين الفينة والأخرى ليستكمل رحلة البحث عن أهله الحقيقيين، وبينهم من يأتي لزيارة وطنه الأم معلناً استسلامه عن الإكمال في رحلة البحث هذه، ومنهم من قرر العودة للعيش والعمل هنا، علّه يعثر على أهله. بين هؤلاء الأشخاص كل من إميل ديغارد، وستيفن سونيفيلد ودانيال درينان؛ كل له قصة مختلفة عن قصة الآخر وان كانتا متقاربتين من حيث المبدأ. ومن اللافت أن كلاهم كوّن نظرة مختلفة بشأن قضيته الشخصية أو قضية التبني غير الشرعي بشكل عام[i].

في لقاء مع "المفكرة القانونية"، يقول إميل دوغارد (مواليد العام 1972 – الطريق الجديدة /غرب بيروت) أنه كان في الـ16 من عمره عندما قرر بدء رحلة البحث عن أهله الحقيقيين بعدما تم تبنيه إلى السويد. فبدأ بالتواصل مع المنظمات غير الحكومية ووسائل الإعلام والسفارات. وكان أول ظهور له على قناة "المستقبل" اللبنانية في العام 2002، محاولاً أن يوصل صوته وقضيته إلى الشعب اللبناني. ويلفت دوغارد الانتباه إلى صعوبة تلك المرحلة، حيث لم يكن يعلم الكثير عن لبنان، مشيراً إلى أن بعض الأشخاص عرضوا عليه المساعدة مقابل مبالغ مادية. ويشير دوغارد إلى أنه وجد عائلة لبنانية تبحث عن إبنها وكانت قصتهما ­­­­­شبيهة جداً بقصته. إلا أن فحوص الـ"DNA" لم تتطابق. ويضيف: "لكني ارتحت معهم وأحسست أنهم أهلي، وما زلت أزورهم عندما آتي إلى لبنان بغض النظر عن نتائج الفحوص"، موضحاً أنه "في الوقت الحالي لم أعد مهتماً في البحث عن رابط الدم بقدر ما أهتم بالبحث عن السعادة في بناء علاقاتي مع هذه العائلة وباقي الأصدقاء".

من جهته، يقول سونيفيلد إنه سافر مع أهله بالتبني إلى هولندا في العام 1975 وعاش هناك، إلا أنه قرر العودة ومعه بعض أطراف الخيوط التي اعتبر أنها قد توصل إلى أهله الحقيقيين. فالجدير بالذكر أن القاسم المشترك بين سونيفيلد ودوغارد هو ورود إسم عبلة الجميّل من ضمن الوسطاء الذين تمت عبرهم عملية التبني. فقد تبنّت تسليم عدد من الأطفال إلى عائلاتهم بالتبني، وبالتعاون مع أحد الأطباء الذين قاموا بعمليات التوليد. فيقول دوغارد إنه حاول التواصل مع الجميل لكنها نكرت علمها بأي شيء، مشيراً إلى أن عملية تبنيه قد تكون حصلت عن طريق المحاكم الروحية بطرق ملتوية. وبدوره، يؤكد سونيفيلد أنه حاول التواصل مع الجميل مرات عدة، إلا أنها نكرت كل شيء وقام إبنها بتهديده، لافتاً الانتباه إلى أن الطبيب الذي شارك معها في عمليات التبني لا يزال على قيد الحياة ويسكن في منطقة عين الرمانة في بيروت. إلا أنه ينكر علمه بأي شيء أيضاً، معللاً نكرانه بمرور الزمن على هذه القضايا ونسيانه لأي حادثة كانت قد حصلت. ويضيف أن عملية تبنيه حصلت في أحد مستشفيات الأشرفية القديمة في شرق بيروت.

في السياق ذاته، يقول درينان إن بعد رفض أحد دور الرعاية الإرسالية التعاون معه، أجرى فحوص (DNA) أظهرت تقارباً مع بعض الأشخاص من بلدة قرنايل في جبل لبنان، مشيراً إلى أن هؤلاء الأشخاص ما زالوا يساعدونه لإيجاد أهله الحقيقيين. ويشدد على أنه أصبح شبه متأكد من تحدّره من بلدة قرنايل. ويلفت الانتباه إلى أنه قرر منذ عشر سنوات العودة للعيش والعمل في لبنان، حيث أصبح مدرساً في الجامعة الأميركية في بيروت، مؤكداً أنه يسافر كل سنتين إلى الولايات المتحدة في زيارة إلى أهله بالتبني.

وفي سياق منفصل، يوضح دوغارد أنه كان في السنة السادسة من عمره عندما بدأ يلاحظ الاختلاف بينه وبين أصدقائه السويديين. وراح يسأل أهله بالتبني عن سبب ذلك الاختلاف، حتى أجبره على مصارحته بالحقيقة. كذلك، يتذكر درينان أنه تنقل مع عائلته بالتبني بين إيران وأستراليا قبل عودتهم نهائياً إلى الولايات المتحدة الأميركية. ويتذكر التجربة القاسية التي عاشها في الولايات المتحدة، لافتاً الانتباه ما كان يعانيه من عنصرية من قِبل أصدقائه، مضيفاً "لم أكن أشبه أهلي بالتبني وأصدقائي، وهذا ما كان زملائي في المدرسة يواجهونني به!"

وبالنسبة للفكر الذي تكوّن عند بعض هؤلاء المتبنين، يرى ديغارد أنه منذ حوالي 15 عاماً، كان يعتنق فكراً مناهضاً للتبني بكل أشكاله. إلا أن هذه المناهضة تحوّلت إلى احترام في ما بعد، موضحاً أن "عدم قبول المتبني لفكرة التبني تُعتبر نكراناً للذات!" ويشدد على أن عملية التبني يجب أن تترافق مع شفافية تامّة من قبل السلطات المحليّة لحماية حق المعرفة للمتبنين الذين يبحثون عن أهلهم الحقيقيين، وفضح قضايا الفساد والاتجار بالبشر. وبالنسبة للكتاب الذي حمل سيرته الذاتية (The Heart of Belonging)، يقول دوغارد إنه نوع من العلاج الذي اعتمده لتسليط الضوء على الأسئلة التي كانت تدور في رأسه والإجابة عليها، والمراحل التي مرّ بها وتغيّر نظرته تجاه قضية التبني، خصوصاً بعدما أصبح أباً. ويشير إلى أن أبرز رسالة أراد أن يوصلها من خلال كتابه إلى القراء هي أن قضية التبني لم تعد أزمة بالنسبة له، بل فرصة للتطور والانفتاح على عالم جديد والبحث عن الحب والسعادة. أما سونيفيلد، فيتطرق في كتابه (Adopted Without Identity) إلى كيفية تأثير التبني على حياته وشخصيته، معرباً عن استغرابه من الأشخاص الذين يعتبرون أن الأجدر به أن يشكر العائلة التي تبنّته وحمته من الحرب والفقر، على الرغم من أنها حرمته من أهله الحقيقيين.

بدوره، يرى درينان أن صعوبة قضيته تكمن في النظرة الفوقية التي يتلقاها من بعض الأشخاص، أو نعت آخرين له بـ"المحظوظ" لأن "هناك عائلة ما تبنّته وتكفَلت بتربيته بعيداً عن الحرب والفقر". ويوضح أن في كافة كتاباته، ابتعد عن الحديث عن سيرته الذاتية وقضيته، ليركز على معالجة الأبعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية للتبني بشكل عام. ومن هذا المنطلق، يشدد درينان على رفضه التبني بكل أشكاله (الشرعي وغير الشرعي)، معتبراً أن "التبني شكل من أشكال العبودية وتفكيك الشعوب الأصلية، وليس له أي صلة بما يُسمى تكوين العائلة". ويضيف أن "اللاجئ الفلسطيني الذي يقاتل من أجل العودة إلى وطنه، أو أيّ لاجئ آخر، يمكن أن يتفهّم المصاعب التي يعاني منها المُتبنّى". وعلى العكس من دوغارد، يشدد درينان على رفضه فكرة الزواج قبل التعرف على أهله الحقيقيين، قائلاً "لا يمكن لأحد من دون ماضٍ أن يفكر في المستقبل، وسأتزوج عندما أصبح قادراً على الإجابة عن أسئلة أطفالي عن أجدادهم!". ويلفت الانتباه إلى أنه اعتنق الإسلام منذ ثماني سنوات، بعدما قرأ في القرآن عن رفض الإسلام لمسألة التبني، "من أجل الحفاظ على تماسك صلة الدم".

وفي الحديث عن قضايا التبني من الناحية القانونية، تشير المحامية يمنى مخلوف، في مقابلة مع "المفكرة"، إلى أنه يحق للشاب عندما يصبح في الـ18 من عمره رفع دعوى قضائية، لمدة عام واحد فقط، من أجل البحث عن أمه والحصول على اعتراف قضائي. وتلفت الانتباه، في الوقت ذاته، إلى أنه "ليس هناك أي مادة قانونية تجبر الأب على الاعتراف، أو تجبر المستشفى في المساعدة على البحث عن الأهل. وتضيف مخلوف أنه "لا يمكن معرفة مدى قانونية بعض عمليات التبني التي حصلت خلال الحرب الأهلية"، موضحة أن بعض من تم تبنيهم كانت أوراقهم كاملة ونجد أنهم مسجلون في دائرة الأحوال الشخصية، وحصل تبنيهم بطرق قانونية. إلا أن منهم من تم تبنيه عن طريق الصفقات التجارية بين بعض الأشخاص والمستشفيات أو الأطباء الذين استغلوا الأحوال المادية للعائلات الأجنبية التي كانت تأتي لتبني الأطفال. والجدير بالذكر أن هؤلاء الأطباء يزعمون الآن أن الأوراق الثبوتية للأطفال المتبنين فُقِدت أو احترقت خلال الحرب الأهلية.

وتوضح مخلوف أنه في كثير من الأحيان نرى الطبيب طرفاً في صفقات بيع الأطفال، لأنه هو من ينظّم وثيقة الولادة ويوقعها، مشيرة إلى أنه يمكن ملاحقة هؤلاء الأطباء بتقديم إخبار أمام النيابة العامة، إلا أنه يجب تثبيت هذه الأمور عن طريق فحوص الـ(DNA) ووثائق الولادة. وبالمقابل، يؤدي مرور الزمن لأكثر من عشر سنوات على تاريخ ارتكاب الجرم إلى سقوط الدعوى. وبما أن ليس هناك نية سياسية لمعالجة قضايا التبني، بالإضافة إلى افتقار القانون لأي مواد تنظم أحوال الأطفال غير الشرعيين الذين يولدون خارج نطاق الزواج بشكل دقيق، يصبح هؤلاء وسيلة لكسب المال بطرق غير شرعية، بحسب مخلوف. وتضيف أنه ليس هناك إرادة سياسية أو قانونية واضحة لملاحقة المرتكبين، لأنه "بالإضافة إلى التجار والأطباء، هناك بعض الأهل الذين استفادوا مادياً ويرفضون البوح عما حصل معهم".

الجدير بالذكر أن قضية التبني في لبنان هي كحال الكثير من الدول التي شهدت بدايات العمل الرعائي للأيتام أو الأطفال مجهولي النسب نتيجة الحروب والمجاعات والأوبئة التي اجتاحت العالم، وخصوصاً في القرن الماضي. إلا أنه عندما تتخلّى السلطتان السياسية والقضائية عن الدور الرقابي، وتترك الساحة للتجار وأصحاب الصفقات التي قد تسهل عمليات بيع الأطفال لتبنيهم مقابل مبالغ مادية، نصبح حتماً أمام عملية إتجار بالبشر.


[i] تم تنسيق المقابلات التي إستند عليها هذا المقال و أيضا الأسئلة التي تضمنتها مع السيدة زينة علوش المختصة في قضايا الرعاية البديلة و مؤسسة جمعية بدائل.