تحضيرا للندوة التي ستعقد الخميس 14 حزيران 2012 بعنوان "الوظيفة العامة، المباراة والمساواة امام القانون"، تنشر المفكرة مقالا للباحثة برناديت ضو

"عندما أكبر لا أريد أن أصبح مثل أبي" هكذا عبّر ابن أحد العمال المياومين في شركة كهرباء لبنان المضربين عن العمل بشكل متواصل منذ 41 يوم، والذين ذهبوا إلى حد نصب خيم بالقرب من موقع الشركة، "فأنا لا أريد أن يحرقونني مثل ما يفعلون بكم". وقد جاء حراكهم بعد فشل تحركات عدة سابقا للمطالبة بالاستفادة من حقوق تضمنها قانون العمل اللبناني وقانون الموظفين واتفاقيات العمل الدولية التي أقرّها لبنان. يسيطر الغبن على حياة هؤلاء المهنية ابتداءً من عملية تشغيلهم من قبل متعهّدين – والتي تحصل من دون عقود خطية أو في أحسن الأحوال بموجب عقود عمل "مياومة"، مروراً باكتشافهم لغياب أي حماية لحقوقهم حتى عند تعرّضهم، بخاصة عمال صيانة الأعطال، إلى حوادث عمل تودي أحياناً بحياتهم، وصولاً اليوم إلى محاولة التخلص منهم من قبل الإدارة عبر تحديد اعتباطي لعدد المنوي تثبيتهم في ملاك موظفي الدولة ومن تبقى يكون فريسة الشركات الخاصة (Service Providers - SP)[i] التي يعتبر التعاقد معها مرحلة نحو الخصخصة الشاملة للمؤسسة.
سمع رامي[ii] من أحد المقربين بفتح فرصة للتوظيف في مؤسسة كهرباء لبنان، فتوجّه إلى وزارة الطاقة للاستفسار وتمت إحالته إلى إدارة المؤسسة في الطابق 12 لتقديم طلب. وهكذا، ومع التوصية (أو الواسطة من قبل أحد السياسيين) التي رافقت طلبه، بدأ عمله منذ 7 سنوات. إلا أنه ومع مرور الوقت أخذ يكتشف شيئاً فشيئاً غياب أي حقوق أو ضمانات مفترض أن يتمتع بها الموظف وبدأ يتلقى الوعود بالتثبيت عند كل موجة مطالبة. لم يكن رامي عاطلاً عن العمل، إلا أنه رأى في الوظيفة العامة استقراراً وظيفياً بالنسبة إلى أخرى في القطاع الخاص. فانضم منذ شهر إلى الاعتصام المنظم من قبل 2200[iii] من زملائه مطالبين بتثبيتهم في ملاك موظفي الدولة عبر مباراة محصورة بين كل من تتوفّر فيه شروط التوظيف لأجراء على الفئات 3 و4 و5 من الرتب الوظيفية.
ليس هذا التحرّك الأول للمياومين، فهم يقومون بتحركات عديدة منذ عقد من الزمن[iv] وبعضهم منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي. "كانت التحركات في البداية تقتصر على اجتماعي مع زميلي بمدير المؤسسة، أخذ الحراك أشكالاً متصاعدة عددياً ومتنوعة عبر تشكيل الوفود إلى المسؤولين والاعتصام والإضراب وتشكيل لجنة نقابية[v] والتقدم بشكوى في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي منذ سنة[vi]. ما يميّز حراكهم اليوم هو خروجهم عن هيمنة الأحزاب السياسية وإن كان معظمهم مسيّسا كما تؤكّد إحدى العاملات التي انتخبت نواب التيار الوطني الحر فهي تسألهم اليوم "أين أصبح الإصلاح والتغيير؟" وموظّف آخر عضو في حركة أمل سيعكف عن انتخاب نبيه بري السنة المقبلة إن لم تتحقق مطالب العمال. وهذا ما يستثير من السلطة ردود فعل عنيفة عبر القمع الأمني ومحاولة تشويه سمعة التحرك. "اليوم جميع العاملين دون استثناء مشاركون في تحرّكنا الواضح والحاسم والموحّد، والسلطة خائفة منه، فإذا تصرّف كل عمال لبنان مثلنا سيكون ذلك زلزالاً لعروشهم"[vii]. وهذا الموقف أكسبهم بعض التضامن من مجموعات يسارية ونسوية مستقلة كالمنتدى الاشتراكي ومجموعة "نسوية" الذين دعوا إلى الاعتصام مع العمال في 2 و9 و11 حزيران 2012، وبعض المساعدة القانونية والتقنية عبر مجموعة من المحامين المتطوعين وعبر الاتحاد الوطني للعمال والمستخدمين الذي تقدم بشكوى في قضيتهم أمام وزارة العمل اللبنانية ومنظمة العمل الدولية بالإضافة إلى المقالات المتعددة في الصحافة التي تسلط الضوء على التحرّك (وخصوصاً جريدة الأخبار).
ينتفض هؤلاء العمال على نظام وظيفي يمعن في إجحافهم؛ فبالإضافة إلى كونهم مياومين غب الطلب يعملون من دون عقود لحساب متعهّدين لم يرونهم قط، يقبضون بدلاً يومياً يبلغ 28500 ل.ل. عن كل يوم عمل يحسبون في آخر الشهر في جداول موقعة من مؤسسة كهرباء لبنان، لا يستفيدون من أي حقّ نص عليه قانون العمل من تأمين صحّي وضمان اجتماعي وعطل رسمية وسنوية ومرضية وتعويضات عائلية وتلك المتعلّقة بنهاية الخدمة وحوادث العمل. كل هذا أنتج وضعيةً معقّدةً جداً، السلطة وحدها مسؤولة عنها، تطرح إشكاليات متعدّدة تعكس السياسات الحكومية بضرب قطاعات حيويّة تقدّم الخدمات الأساسية للمواطنين. أولاً، الضرب بعرض الحائط لجميع الآليات المؤسساتية والقانونية في عملية استخدام موظفين في القطاع العام وما يفاقم الموضوع كونه ممتدّا على سنوات تنتهج فيها السلطة سياسة تسكير أبواب "ملاك موظفي الدولة" أمام كوادر جديدة لتلبية حاجات الإدارة والالتفاف على نظام الوظيفة العامة عبر التعاقد وتشغيل العمال المياومين. ثانياً، اضمحلال المبادئ التي تحكم الوظيفة العامة وخاصة الكفاءة والمساواة كشرطين أساسيين لها، وذلك ناتج عن التعامل الزبائني حيث يصبح الحق في ولوج الوظيفة العامة منةً سياسيةً من الزعيم السياسي أو الطائفي. ثالثاً، الاستخفاف بأبسط حقوق العمال المقرّة في القوانين اللبنانية، فإن كانت الوظيفة العامة تعتبر أكثر استقراراً فإن هشاشة وضع مياومي الكهرباء يؤشر إلى إرادة ممنهجة لدى السلطة بضرب الوظيفة العامة تمهيداً لعمليات الخصخصة وتطبيقاً لآليات النيوليبرالية الاقتصادية.
ومن هنا، ساغ القول بأن التعامل مع المياومين يعكس وجهين أساسيين للنظام السياسي الاقتصادي السائد: التوجه الزبائني القائم على ربط التوظيف بالمحسوبية مع تغليبها على اعتبارات الكفاءة والخدمة العامة بشكل شبه كامل، والتوجه النيوليبرالي القائم على تجريد الأجراء من اي حقوق مكتسبة وابقاؤهم تحت رحمة من يوظفهم. 
وما يكمل الصورة في هذا المجال هو أهداف التحرك بذاته التي تعكس هي الأخرى قوة النظام في فرض ذاته حتى على الذين باتوا يناوئونه بفعل الأوضاع الواقعية التي فرضها من خلال سياساته. فعلى الرغم من الطابع النقابي المستقل الذي أخذه هذا التحرك حيث وجد العمال أنفسهم في مواجهة الأحزاب السياسية السلطوية التي التزمت بدعم مواقف وزيري الطاقة والعمل المتعنتين (اقله حتى اجتماع اللجنة الفرعية عن اللجان المشتركة والتي أعلنت سلسلة من الإجراءات الإيجابية في اتجاههم)، فإن مطالبه انحصرت بشكل عام في اجراء مباراة محصورة على المياومين. وهذه المطالبة –كما قبولها فيما بعد- إنما يؤدي إلى تكريس مبدأ المباراة المحصورة مرةً أخرى، أي المبدأ الذي يؤول إلى حصر حق الالتحاق بالوظيفة العمومية بعدد من المتعاقدين الذين تعينوا في الغالب وفق قاعدة الزبونية والمحسوبية، وذلك خلافاً لمبدأ المساواة في تولي هذه الوظيفة وبكلام آخر أكثر دقة على نحو يقصي سائر المواطينين الذين لم يحالفهم أي حظ بإقناع السياسيين بتوظيفهم. وهكذا، فإن هشاشة أوضاعهم المستمرة منذ سنوات، لم تكن سبباً لمساءلة السياسيين إنما فقط حجة لتعزيز مشروعية مطلبهم بالمباراة المحصورة. وكان من الطبيعي إذ ذاك أن ينحصر النقاش على أعداد الموظفين الذين سيصار إلى تثبيتهم بموجب المباراة المحصورة: ففي حين طالب العمال بتوظيف حوالي 1700 منهم بعد تنقيص أعداد من لا تتوفر فيهم شروط الوظيفة العامة عبر مباراة محصورة تحتسب سنوات الخبرة، قدم وزير الطاقة بالمقابل مشروع قانون يحدّد عدد الأشخاص المنوي توظيفهم بـ700 عامل فقط والباقون يتعاقدون مع الشركات الجديدة SP.
وهذا ما ذهبت اليه اللجنة الفرعية المنبثقة عن اللجان النيابية المشتركة والمكلفة بوضع صيغة قانونية لهذه القضية، بحضور مستشارة وزير الطاقة والمياه باسكال دحروج، فأقرّت "الايجاز لمؤسسة كهرباء لبنان وخلال مدة سنة من تاريخ نفاذ القانون (المفترض إقراره)، إجراء مباريات محصورة لعمال غب الطلب وجباة الإكراء وسائر العاملين المؤقتين في المؤسسة والمتعاقدين وذلك لملء المراكز الشاغرة في مؤسسة كهرباء لبنان في المديريات كافة من دون استثناء بما فيها مديرتي التوزيع في بيروت وجبل لبنان والمناطق وذلك وفقاً لعدد من الشروط (...) العامة والخاصة للاستخدام باستثناء شرط السن على أن لا يتجاوز الرابعة والخمسين، ومن تجاوز الرابعة والخمسين وبالتالي لم يستطع أن يتقدم إلى المباراة او الذين يرسبون في المباراة يحق لهم التعويض تعويض خدمة او ما يشابه ذلك (...)"[viii].  والأسئلة التي تطرح إذ ذاك: ماذا يعلمنا هذا التحرك؟ هل هو تحرك نقابي مستقل بامتياز كما صرّح به الكثير من التحركات والأقلام اليسارية ضد هشاشة التوظيف وتحديداً ضد "النيوليبرالية" المهووسة بترسيخ هذه الهشاشة؟ أم هو مجرد نتيجة طبيعية لنظام الزبونية؟ فتماماً كما تشكل "هشاشة التوظيف على أساس التعاقد من دون مباراة" جزءاً أساسياً من هذا النظام منذ بدء التسعينات، كذلك بالنسبة إلى "مبدأ المباراة المحصورة" الذي طالما استخدم لإكماله، ضامناً بذلك لل"زبائن" مزيداً من الحقوق وللطبقة السياسية بالنتيجة إمكانية حصر التوظيف بمن أدخلتهم هي الى الوظيفة العمويمة بفعل التعاقد دون أي أحد سواهم؟


[i] "الشركة الأولى هي شركة «دباس» كشريك رئيسي، وSteg International  كملتزم ثانوي. (...) الشركة الثانية «خطيب وعلمي للهندسة» كشريك رئيسي، وKharafi National KSC (JV)- Televent, Vattenfall, Mrad contracting JV.  (...) أما شركة بيوتك فهي الشركة الثالثة، وصاحبها اسمه نزار يونس، والمرشح المفترض على لائحة التيار في البترون عام 2013. وكما يشاع، فإن يونس، وهو رجل أعمال ومعروف، ربما يكون من المموّلين الأساسيين لحملات (جبران) باسيل الانتخابية." من مقال لرشا أبو زكي في جريدة الأخبار منشور بتاريخ 31 أيار 2012.
 
[ii] اسم مستعار بناءً على طلب العامل بتجهيل اسمه.
 
[iii] بلغ عدد عمّال الإكراء وعمّال المتعهّد في مؤسسة كهرباء لبنان، وبحسب صندوق الضمان الاجتماعي، 2200 عامل في نهاية العام 2011. أما الرقم المتداول بين العمال المعتصمين اليوم فيبلغ حوالي 2500.
 
[iv] تم تثبيت آخر دفعة من المياومين عام 1999، وبعدها تم سحب صلاحية توظيف عمال مؤقتين من المدير العام لمؤسسة كهرباء لبنان عام 2000، وأعطيت إلى مجلس الوزراء مجتمعاً.
 
[v] "لجنة المتابعة لعمال المتعهّد وجباة الإكراء في مؤسسة كهرباء لبنان" (لجنة المتابعة) والمشكّلة من قبل ممثلين عن الأحزاب وأفراد غير منظمين سياسياً.
 
[vi] مقابلة مع "رامي" وحيدر اسماعيل (عضو في "لجنة المتابعة").
 
[vii] مقابلة مع أحمد شعيب، عضو "لجنة المتابعة".
 
[viii] الوكالة الوطنية للإعلام، الاثنين 11 حزيران 2012: http://www.nna-leb.gov.lb/newsDetail.aspx?id=414342