قبيل اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني بأيام قليلة، وبعد 5 سنوات على تعديل قانوني العمل والضمان الاجتماعي عام 2010، يطرح موضوع عمل اللاجئين/ات الفلسطينيين/ات في لبنان على طاولة النقاش من جديد. "بين النص والواقع"، أي بين نص القانون ما بعد التعديل، وواقع التنفيذ، هو الإطار العام للندوة التي ينظمها مركز العمل والحماية حول حق اللاجئين/ات الفلسطينيين/ات بالعمل في لبنان.
إشكاليات عديدة تمحور حولها النقاش؛ انطلاقا من التناقض في النص القانوني بعد تعديله (القانونين 128 و129 لعام 2010) مع ما أدى اليه من المزيد من المشاكل؛ مروراً بالمسألة السياسية كمفتاح لحل أزمة اللاجئين الفلسطينيين الحقوقية، على ما تنطوي عليه هذه الناحية من طروحات ذات طابع أمني وأخرى تتعلق بالهوية والديمغرافيا؛ وصولاً الى إشكالية تعريف اللاجئ الفلسطيني قانوناً، وما يترتب على هذا التعريف من تقليص لهامش حقوقه وحرياته أو توسيعها.

والحال أن الاستنتاج الأساسي الذي يمكن الخروج به من الندوة، مفاده أن الخرق الممكن في ظل الواقع الحالي هو الخرق القانوني. بالتالي فإن العمل على تحصيل اللاجئ الفلسطيني لحقوقه بالأخص لناحية الحق بالعمل يحتاج الى انتهاج استراتيجية عمل قانونية تؤدي الى كسر الواقع اللاقانوني واللاحقوقي. وهذا العمل، وفقاً لطروحات الندوة، لا بد أن يكون على مستويين: واحد يتعلق بالحق بالعمل بشكل عام، وما يترتب عليه من ضمانات اجتماعية؛ والثاني مرتبط بالمهن الحرة بشكل خاص.

وقبل الخوض في تفاصيل كل إشكالية، لا بد من إلقاء الضوء على القانونين 128 و129 المعدلان لأحكام كل من قانون الضمان الاجتماعي وقانون العمل على التوالي. فبموجب التعديل الوارد على الفقرة الثالثة من المادة 9 من قانون الضمان الاجتماعي، يعفى اللاجئ الفلسطيني من شرط المعاملة بالمثل وتتاح الفرصة أمامه لتحصيل تعويض نهاية الخدمة. أما عن تعديل قانون العمل، فأدى الى إعفاء اللاجئ الفلسطيني أيضاً من تحقق شرط المعاملة بالمثل، ومن دفع رسوم إجازة العمل.

يسلط المحامي جورج خديج الضوء على التناقضات التي ينطوي عليها التعديل. ذلك أن التعديل الوارد على قانون الضمان الاجتماعي ينص على التالي: "يخضع اللاجئ الفلسطيني العامل والمقيم في لبنان والمسجل في مديرية الشؤون السياسية واللاجئين الى أحكام قانون العمل دون سواه لجهة تعويض نهاية الخدمة وطوارئ العمل". وتحديد هذا القانون، من دون سواه يخرج العامل الفلسطيني من نطاق تطبيق قانون الضمان الاجتماعي لناحية التعويضات. بالمقابل يشرح خديج أن "قانون الضمان ينص على أن يستفيد اللاجئ الفلسطيني العامل من تقديمات تعويض نهاية الخدمة بالشروط التي يستفيد منها العامل اللبناني". والحال، أنه إضافةً الى العرقلة في تطبيق التعديلات الناتجة عن تضارب النصوص، فإن المذكرة الصادرة عن مدير عام صندوق الضمان الاجتماعي ومفادها ألا يستفيد الفلسطيني من ضمان المرض والأمومة والتقديمات العائلية، مع اضطراره لتحمل دفع مستحقات هذه الأبواب من الضمان، يزيد الأمر سوءاً.

في هذا الإطار يشرح مدير عام الديوان في الضمان الاجتماعي شوقي أبو ناصيف خلال مداخلته الأسباب المؤدية لهذا الواقع المتناقض. ذلك أن "التشريع محل البحث ينطلق من مسلمات ثلاث، وهي مسؤولية المجتمع الدولي بالنسبة للتقديمات الصحية والاجتماعية والتعليمية للاجئين الفلسطينيين، عدم إعطائهم حقوق وامتيازات تفوق تلك التي يتمتع بها اللبناني والحفاظ على اليد العاملة اللبنانية". يعتبر أبو ناصيف أنه "تم إقحام الضمان الاجتماعي في القانون من خلال إخضاع اللاجئ الفلسطيني لفرع نهاية الخدمة من الضمان الاجتماعي". وبما أن القانون "وصل الى الضمان الاجتماعي بتناقضاته، فارتكزنا الى روح القانون لإصدار المذكرة سابقة الذكر".

لكن واقع الحال يغالط بعض ما تقدم به أبو ناصيف لناحية إمكانية أن يتساوى الفلسطيني مع اللبناني بالحقوق أصلاً. وفي سياق مواز، يبدو الاجتهاد القضائي الذي يعرضه المحامي كريم نمور واضحا لناحية منافسة اليد العاملة الفلسطينية لمثيلتها في لبنان. ويتبنى الاجتهاد توجه مفاده أن "الفلسطيني المقيم في لبنان لا ينتمي بالمعنى القانوني لدولة فلسطين اذ انه لا يخضع لهذه الدولة الا المقيمين فيها والحائزين على جوازها. بالتالي تتوفر بالنسبة للفلسطينيين المقيمين بصورة مؤقتة في لبنان قوة قاهرة سواء لجهة عدم وجود دولة ينتمون اليها بالمعنى القانوني للكلمة، ولجهة عدم وجود إمكانية للمعاملة بالمثل. وحيث ان استقرار الاجتهاد على حرمان الفلسطينيين المقيمين في لبنان بصورة مؤقتة من تقديمات قانون العمل يشكل منافسة غير مشروعة للعامل اللبناني لان أرباب العمل سيقومون بتشغيل عمال فلسطينيين فقط بنية توفير الاشتراكات المتوجبة عليهم وفقا لأحكام العمل والضمان الاجتماعي".

بالتالي فإن الحديث عن منافسة لليد العاملة اللبنانية يصح في ظل التضييق على اليد العاملة الفلسطينية مع ما يستتبعه الأمر من عمالة بشروط غير قانونية تصلح لتكون منافسة بالمعنى الاقتصادي. بالمقابل اتاحة العمل وتأمين الحماية القانونية لليد العاملة الفلسطينية يؤدي الى مطالبتها بحقوقها كاملة، الأمر الذي يجعلها أقل منافسة لليد العاملة اللبنانية. غير أن المسألة لا تتعلق فقط بالمنافسة، بل بقوانين تنظيم المهن الحرة وإنشاء نقاباتها، التي تمنع الفلسطيني من الانتساب اليها، حاله كحال أي أجنبي آخر. يعدد نمور المهن الـ 12 التي لا يستطيع الفلسطيني ممارستها وهي: " الهندسة، الطب، طب الأسنان، العلاج الفيزيائي، الصيدلة، مهن الطوبوغرافيا، مهنة خبير مختبرات الأسنان، خبير محاسب، مهنة التمريض، القبالة القانونية، الطب البيطري والمحاماة. وقد حصر المشرع المهن الأربعة الأخيرة فقط باللبنانيين منذ أكثر من 10 سنوات. ولكن على الرغم من الشرط الواضح قانوناً، "تبيّن أن حاجات سوق العمل أدت الى خرق القانون وسمحت مثلاً لممرضين فلسطينيين بالانتساب اليها". على خط مواز، تبدو ممارسة باقي المهن من قبل فلسطينيين مستحيلة بسبب شرطين يستحيل توافرهما في حالة اللاجئ الفلسطيني: المعاملة بالمثل، وحق ممارسة المهنة في بلد الأصل. 

وفقاً لنمور، فإن "هذين الشرطين لا يؤثران فقط على اللاجئين الفلسطينيين في لبنان بل على عديمي الجنسية أيضاً، وعددهم حوالي الـ 70 ألف". وبينما تذهب هيئة الاستشارات والقضايا في وزارة العدل نحو تبني رأي يستبعد إمكانية تنفيذ هذين الشرطين على عديمي الجنسية، يكون من المفيد البحث في انطباق هذه الصفة على اللاجئ الفلسطيني في لبنان. يشرح نمور لهذه الناحية أن "الفقه الدولي لايزال يرجح اعتبار دولة فلسطين غير موجودة بالمعنى القانوني للكلمة، وذلك كون الاحتلال الصهيوني لا يقتصر على الاحتلال العسكري بل هو أيضاً ذات طابع إداري". وحالة اللاسيادة للدولة الفلسطينية على الأرض والشعب والمؤسسات تؤدي بالتالي الى " اعتبار اللاجئين الفلسطينيين عديمي الجنسية تماشياً مع الفقه الدولي".

من هذا المنطلق يجد نمور أن الأدوات لتحسين الواقع تصبح عديدة، انطلاقا من إمكانية تطبيق الاتفاقية الدولية الخاصة بعديمي الجنسية كونها موقعة من قبل دول تتمتع بقيمة معنوية بالنسبة للنظام القانوني اللبناني. هذا بالإضافة الى التأكيد على مضمون المعاهدات التي كرسها لبنان في مقدمة الدستور بالأخص لناحية العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. والأخير على الرغم من سماحه للدولة أن تميز بين مواطن وغير مواطن، الا انه أكد على عدم إمكانية تفسير هذه المادة بما يتناقد والحقوق والحريات التي تنض عليها اتفاقيات الأمم المتحدة.

تحقيق هذه الأهداف يتطلب أولاً، وفقاً لنمور عدم انتظار القرار السياسي، واللجوء الى "التقاضي الاستراتيجي من خلال دعاوى يرفعها مهنيين ضد نقابات ترفض انتسابهم اليها رغم توفر الشروط القانونية". كما أنه لا بد من الضغط على الإدارات العامة التي ترفض اعطاء اذونات عمل للفلسطينيين، لا سيما كل من وزارتي الصحة والأشغال العامة كوزارات وصاية، ووزارة العمل. أما على الصعيد التشريعي، فيجب المطالبة بانضمام لبنان الى الاتفاقية الدولية المتعلقة بعديمي الجنسية لعام 1954 واتفاقية الأمم المتحدة بشأن خفض حالات انعدام الجنسية لعام 1961. يضاف اليه تعديل القانون بما يلغي شرط المعاملة بالمثل نهائياً.

بالمقابل، يقترح خديج تعديلا للقانون اللبناني مفاده الغاء القانون رقم 128 واستبدال أحكامه من خلال تعديل الفقرة 3 من المادة 9 من قانون الضمان الاجتماعي من خلال إضافة بنود تنص على "إعفاء الفلسطينيين من شرط المعاملة بالمثل المنصوص عنه في قانون العمل وقانون الضمان الاجتماعي وتركه يستفيد من التقديمات التي يقدمها الضمان الاجتماعي بالشروط التي يستفيد فيها العامل اللبناني؛ على أن ينشأ صندوق منفصل خاص بالفلسطينيين يملأ من الاشتراكات التي يسددونها من دون أن يتم تمويله بأي شكل من قبل صندوق الضمان الاجتماعي".