نهض أحمد من على طاولة الغداء الذي أعدته زوجته في حوالى الساعة الثالثة عصرا متجهًا إلي باب منزله ليهُم بالنزول إلى عمله بينما تخبره زوجته ببعض المستلزمات التي عليه أن يقوم بشرائها قبل عودته في وقت متأخر من الليل.
اتجه مُسرِعًا إلي ساحة انتظار حافلات النقل العام ليستقل الحافلة المتجهة إلي حي المعادي بقلب العاصمة (القاهرة) حيث مقر عمله، و قبل وصوله إلي عمله أجري مكالمة مع شقيقته ليطمئن علي أحوالها، كان هذا هو آخر اتصال و آخر مكان شُوهد فيه، أحمد عبد الحليم جمال، ذو الـ 27 عامًا قبل أن يختفي عن ذويه ويفقدون الاتصال به. ظلَّت أسرة أحمد تبحث عنه من خلال السؤال في أقسام الشرطة و المستشفيات ولكن دون جدوي.
حالة أحمد التي حصلت في شهر نوفمبر 2015 لم تكن حالة الإخفاء القسري الوحيدة .ففي الآونة الأخيرة ازدادت حالات الاخفاء القسري فبلغت عدد الحالات بداية من شهر إبريل إلي 504 حالة إخفاء قسري حتي نهاية شهر نوفمبر تم حصرها وتوثيقها، فأصبحت من أكبر الجرائم التي باتت تهدد المجال العام المصري [1].
 
- جرمالإخفاء القسري في مصر .
تجدر الإشارة إلى أن القانون والدستور المصري لم يُعِرّفا  جريمة الإخفاء القسري بشكل صريح وواضح في نصوصهما، واقتصرت الحماية الدستورية والقانونية علي الحرية الشخصية والقبض علي الأشخاص والتحقيق معهم. فقد نصت المادة (54) من الدستور على أن "الحرية الشخصية حق طبيعي، وهي مصونة لا تٌمس، وفيما عدا حالة التلبس، لا يجوز القبض على أحد ، أو تفتيشه أو حبسه أو تقييد حريته بأي قيد إلا بأمر قضائي مٌسبب يستلزمه التحقيق، ويجب أن يُبلغ فوراً كل من تقيد حريته بأسباب ذلك، ويحاط بحقوقه كتابة، ويُمكن من الاتصال بذويه وبمحاميه فوراً، وﻷن يُقدم إلي سلطة التحقيق خلال أربع وعشرون ساعة من وقت تقييد حريته .
ولا يبدأ التحقيق معه إلا في حضور محاميه ، فإن لم يكن له محام ، نٌدب له محام ، مع توفير المساعدة اللازمة لذوي الإعاقة، وفقاً للإجراءات المقررة في القانون".
أما قانون العقوبات؛ فقد نصَّ في مادته (280)على جريمة الاحتجاز بدون وجه حق؛ بمعاقبة كل من قبض على شخص أو حبسه أو حجزه بدون أمر أحد الحكام المختصين بالحبس و غرامة لا تتجاوز مائتي جنيه.
كذلك تعرَّض قانون الإجراءات الجنائية للحماية القانونية للمقبوض عليهم في نص المادة (36)؛ حيث أكد أنه "يجب على مأمور الضبط القضائي أن يسمع فورًا أقوال المتهم المضبوط ، وإذا لم يأت بما يبرئه ، يرسله في مدى أربعة وعشرين ساعة إلى النيابة العامة المختصة“.
بالمقابل لم توقع مصر على الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الإخفاء القسري للأمم المتحدة التي عرفته "ب الاعتقال أو الاحتجاز أو الاختطاف أو أي شكل من أشكال الحرمان من الحرية يتم علي أيدي موظفي الدولة ، أو أشخاص أو مجموعات من الأفراد يتصرفون بإذن أو دعم من الدولة أو بموافقتها ، ويعقبه رفض الاعتراف بحرمان الشخص من حريته أو إخفاء مصر الشخص المختفي أو مكان وجوده ، مما يحرمه من حماية القانون "[2]
 
 ويخرج عن ذلك المنظومة القانونية المصرية التي  تواجه قصورًا تشريعيًا في وضع تعريف واضح و صريح للإخفاء القسري فنصوص القوانين تخلو من أية مواد تُجَرم أو تعاقب القائمين على إخفاء الأشخاص بشكل خاص، وإن أمكن ملاحقة هؤلاء على أساس الاحتجاز غير المشروع كما سبق بيانه . .
 
- حالة إخفاء إسراء الطويل قسريًا نموذجًا لتقاعس النيابة العامة
اتجهت الأجهزة الأمنية متمثلة في اللواء صلاح فؤاد، مساعد وزير الداخلية لقطاع حقوق الإنسان ، إلى إنكار وجود أية حالات إخفاء قسري. وذلك في تصريحاته الصحفية بتاريخ 14 /10، بجريدة المصري اليوم 3 وقد ادعي في نفس التصريح بأن مصر  وقَّعت علي اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة الإخفاء القسري، وأن الإخفاء القسري أكذوبة و مجرد شائعات علي مروجيها إثباتها، وصرح في مطلع شهر يونيو الماضي، وقت اختفاء إسراء الطويل المصورة الصحفية ذو الواحد والعشرون عاماً، التي تم إخفائها هي وزميليها صهيب سعد وعمر محمد ، وأكد حينها أن إسراء هي وزميليهاليسو محتجزين بأيٍ من مقرات وزارة الداخلية.، إلا أن أكثر من رسالة أكدت تواجد إسراء بسجن النساء بالقناطر الخيرية، و هو ما تأكد بعد ظهورها في نيابة أمن الدولة كمتهمة في القضية رقم 485 لسنة 2015 حصر نيابة أمن الدولة وعليه،وظهور زميليها متهمين  في قضية أمام المحكمة العسكرية.
 ظلَّت إسراء الطويل مختفية قسريًا قرابه خمسة عشر يومًا عن ذويها ولم يُعلَم محاموها بمكان تواجدها، و كانت الصدفة هي الآلية التي كشفت عن مكانها، في الوقت الذي كان فيه مسؤولو الوزارة ينكرون تمامًا صلتهم بالواقعة، إلي أن كشفت الصدفة كذبهم، وحتي اﻵن لم تتم محاسبة أي من مسؤولي وزارة الداخلية أو الضباط الذين قاموا بإلقاء القبض علي إسراء و إخفائها طوال تلك المدة.
وللهروب من المحاسبة بناء على مواد قانوني العقوبات والإجراءات الجنائية المبنية أعلاه، فقد غير مأمور الضبط القضائي تاريخ القبض عليها ليصبح يوما واحدا ، علي الرغم من نص مواد قانون العقوبات و قانون الإجراءات الجنائية التي تُجرِّم احتجاز المواطنين بدون وجه حق ، وتوجِب علي مأموري الضبط القضائي عرض المتهمين علي النيابة العامة في غضون أربعة وعشرون ساعة من وقت القبض عليه ، إلا أن القائمين على قبض إسراء قدموا أوراق القبض عليها بتاريخ سابق على تاريخ عرضها علي النيابة العامة، جاهل تماما الخمسة عشر يومًا التي مكثت فيهم إسراء تحت الاستجواب في أحد مقرات جهاز الأمن الوطني.
وتدفعنا قضية إسراء الطويل إلى الحديث على  تقاعس النيابة العامة في أغلب الحالات. فأمام النيابة العامة جريمة متوافر جميع أركانها وأدلة أرتكابها، لكنها رغم ذلك قررت  غض الطرف عن كل ما قُدِّم إليها من أوراق و بلاغات  و التعامل مع القضية من وجهة نظر واحدة، هي وجهة نظر الأجهزة الأمنية و محاضر تحرياتها.  فإسراء الطويل متهمة بنشر أخبار كاذبة ونقلها جهات أجنبية والانتماء لجماعة محظورة. أما إسراء المجني عليها،التى  انتُهِكَت حقوقها التي كفلها الدستور والقانون، فلا عين تراها .
هذا مع العلم  بأن "إسراء" كانت أكثر حظًا من غيرها من المختفيين، من حيث قِصَر مدة اختفاءها، فهناك مئات الأشخاص المختفين  يتم أخفاؤهم لمدد قد تصل لعشرة أشهر، ليظهروا بعد ذلك كمتهمين في قضايا سياسية، تتعلق في أغلبها بالتظاهر و الانتماء لجماعة محظورة[3]. و تبقى الصدفة هي اﻵلية الوحيدة التي يعرف من خلالها ذوو المتهمين و محاموهم  مكان احتجازهم.


- وزارة الداخلية هي المتهمة الأولى
غياب الآليات القانونية لمعرفة أماكن احتجاز المختفيين قسريًا أو المختطفين أو المتغيبين أو كل شخص لا يعرف ذويه مكان تواجده يجعلنا نضع وزارة الداخلية محل اتهام دائم. فهي المسؤولة الأولى عن الكشف عن ملابسات إخفاء الأشخاص وأماكن تواجدهم والبحث والتحري للوصول لمعلومات تُفيد وتُطمئِن ذوي الشخص المختفي حتى إظهاره.
إن تصريحات مساعد وزير لقطاع حقوق الإنسان الداخلية المتكررة حول سفر هؤلاء المختفين خارج البلاد للانضمام إلى التنظيمات الجهادية -و إن فرضنا صحتها- لا يمكن قبولها كتبرير دون وجود أدلة تُثبت ذلك، فكيف لا تعلم الأجهزة الأمنية أسماء مواطنيها الذين سافروا خارج حدود دولتها للانضمام للتنظيمات إرهابية دون أي علم مسبق لها بذلك؟[4]
تتلقى وزارة الداخلية يوميًا بلاغات بإختفاء المئات من الأشخاص، ولكنها لم تُحرِّك ساكنًا حتى علي صعيد التحقيق في الشكاوى والبلاغات المقدمة من ذوي أهالي المختفين قسريًا ، فالأجهزة الأمنية لم تُحرِّك أية تحقيقات في البلاغات المقدمة إليها سوى لحالتين -فقط- هما؛ أشرف شحاته ذو الأربعين ربيعًا، وهو ناشط سياسي خرج من مقر عمله ليجري محادثة هاتفية في غضون شهر يناير عام 2014م، ولم يعُد من وقتها ، ومصطفي ماصوني ذو السابعة و العشرون عامًا، و الذي كان برفقه أصدقائه، وذهب لشراء الطعام في أواخر شهر يونيه عام 2015م، ولم يُعرَف مكانه حتي الآن ، بينما كان تناول وسائل الإعلام للقضيتين هو الدافع الذي جعل مسؤولي وزارة الداخلية يتحركون ويباشرون التحقيق مع ذويهم وسماع أقوالهم.
وللعلم ،أشرف مختفٍ منذ ما يقارب العامين، ومصطفى منذ حوالي الخمسة أشهر وحتى كتابة هذه السطور لم تقم الأجهزة الأمنية بتقديم أي جديد في تحقيقاتها، بعد أن استمعت لأقوال ذوي "شحاته" لمدة ست ساعات متواصلة، وكذلك قامت بسماع أقوال ذوي "ماصوني" مرتين ولكن دون جدوى[5]
 
فطالما ظلَّت وزارة الداخلية لا تدرك أنها الجهة الوحيدة التي تملك كافة أدوات البحث والتحري ومصادر المعلومات، ويتعين عليها في المقام الأول الدور المنوط بها عمله هو الرد على سؤال أهالي المختفيين قسرياً "أين ذوونا "؟؟!!.. وهو السؤال الذي سيظل عالقًا حتي تُجيبنا عليه الأجهزة الأمنية، وستظل معه أصابع الاتهام تحوم حول إخفائهم بمقرات تابعة لوزارة الداخلية وبشكل أكثر تحديداً هي مقرات الأمن الوطني .،فهذه المقرات لا  تخضع إلي التفتيش القضائي ولا تشملها الحماية القانونية ، على الرغم من نص قانون الإجراءات الجنائية في مادته(42) على إخضاع السجون العامة والمركزية إلي التفتيش من قبل أعضاء النيابة العامة ورؤساء ووكلاء المحاكم الابتدائية والاستئنافية للتأكد من عدم وجود محبوس بصفة غير قانونية، وعلى كل من عَلِم بوجود محبوس بصفة غير قانونية أو في محل غير مخصص للحبس أن يُخطِر أحد أعضاء النيابة العامة. وعلى هذا الأخير  بمجرد علمه أن ينتقل فورًا إلى المحل الموجود المحبوس به وأن يقوم بإجراء التحقيق وأن يأمر بالإفراج عنه بصفة غير قانونية، كما أن عليه أن يحرر محضرًا بالواقعة،.إلا أن تلك المادة لم تدخل أبدًا حيِّز التنفيذ، و هو الجانب المظلم في تقاعس الأجهزة القضائية في توفير الحماية علي الأشخاص المختفيين قسريًا ، فلم يسبق للأجهزة القضائية التفتيش على مقرات الأمن الوطني التي يقبع تحتها سجون وزنازين لا تخضع لأي تفتيش قضائي ، وترتكب داخلها كثير من الانتهاكات .
بالإضافة إلى كل ذلك لا يُمكننا إنكار أن المجلس القومي لحقوق الإنسان بلا صلاحيات أو سلطات لتفتيش السجون العمومية وأقسام الشرطة، فقانون إنشاء المجلس رقم 94 لسنة 2003 جاء خاليًا من أي صلاحية أو ضمانة تُمكِّنه من المكوث حول وجود أشخاص يتم احتجازهم بدون وجه حق من عدمه، فإذا كانت النيابة العامة متقاعسة والمجلس القومي لحقوق الإنسان بلا صلاحيات؛ فمن هي الجهة التي يجب عليها حماية الحقوق الدستورية والقانونية لأولئك القابعين خلف أسوار مقرات الأمن الوطني.
ويحق لنا التساؤل حول مدى مصداقية احترام الدولة لحقوق وحريات المواطنين وحرصها الدائم على ضمان عدم تعرُّض مواطنيها لانتهاك جسيم كجريمة الإخفاء القسري ، مع علمنا أن السلطات المصرية لم توقِّع -حتي الآن- على الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري للأمم المتحدة . وهو سؤال يطرح نفسه بقوة مع انتشار الظاهرة بشكل كبير في الآونة الأخيرة؛ ما المبرر الذي يمنع مصر من التوقيع على تلك الاتفاقية حتى الآن؟طالما أنها تؤكد مرارًا علىي عدم وجود حالات أخفاء قسري لديها.
لقد حان الوقت -أيضًا- الحديث عن إصلاح تشريعي يحقق كفالة الحقوق والحريات التي حماها الدستور بنصوصه للمواطنين من جريمة الأخفاء القسري،  ما يجعل على السلطة التشريعية أولًا وضع تعريف واضح لجريمة الأخفاء القسري، مع وجود آليات واضحة ومنفذة لجبر الضرر عن الأشخاص الذين تعرَّضوا لجريمة الإخفاء القسري ، بالإضافة إلي وضع آليات وقواعد لوصول ذوي ضحايا الأخفاء القسري للمعلومات والبيانات التي تُمكِّنهم من معرفه مصير ذويهم.
وهذا لا ينسينا -بالطبع- ضرورة توسيع اختصاصات وصلاحيات المجلس القومي لحقوق الإنسان، بما يضمن دوره الرقابي علي أجهزة الدولة في إنفاذها للمعاهدات والاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان ومدى احترامها لمبادئ حقوق الإنسان من عدمه. كذلك  لابد من وضع نصوص واضحة تُتيح لأعضاء المجلس زيارة السجون والمراكز العمومية وأقسام الشرطة للوقوف على مدى التزام تلك المقرات بتطبيق القانون واحترام حقوق الإنسان.






[1]
https://docs.google.com/spreadsheets/d/1VmGwwyHGQcYLaMZKmcc1tmFqQbYYgOIQuu7zM2yQcUY/edit?pli=1#gid=1081172628حصر حملة الحرية للجدعان.
 
https://drive.google.com/file/d/0B5rfCEjP5e6YT0E0c0xnSUxmQXc/view?pli=1حصر حملة أوقفوا الاختفاء القسري.
لشهري أغسطس وسبتمبر.
[2]اعتمدت الاتفاقية المذكورة أعلاه في 20 ديسمبر 2006 خلال الدورة الحادية والستين للجمعية العامة بموجب القرار A / RES / 61/177
[3]مثال حالة إسلام خليل الذي ظل مختفيً مدة 122 يوماً حتي ظهوره كمتهماً أمام نيابة شرق الاسكندرية متهماً بالانتماء لجماعة محظورة .
 
[4]http://www.almasryalyoum.com/news/details/826753
[5]شهادة موثقة من محامين ذوي شحاته وماصوني المحامي حليم حنيش والمحامي أحمد عثمان.