عقدت يوم 24-02-2016 الهيئة الوقتية للإشراف على القضاء العدلي ندوة صحفية خصص الجانب الأكبر منها لتوضيح موقفها من التهمة الموجهة إليها بتعمد عدم تنفيذ القرارات التي صدرت عن الرئيس الأول للمحكمة الإدارية والتي منحت إيقاف تنفيذ مقررات الحركة القضائية لسنة 2015-2016 لأكثر من 54 قاضيا. وترد تلك الندوة في إطار محاولة من الهيئة لشرح وجهة نظرها. وتولت في ذات الاطار عضوة الهيئة الوقتية للاشراف على القضاء العدلي القاضية ليلى الزين صياغة مقال تحليلي خصّت به المفكرة لبيان المبررات الموضوعية للموقف الذي اتخذته الهيئة القضائية، هذا الموقف الذي أثار كثيراً من الجدل في الوسط القضائي التونسي وخارجه. المفكرة تنشر هذا المقال وتفتح الباب لقرائها لمناقشته (المحرر).
 
إن كان تنفيذ الأحكام القضائية العادية لا يواجه في غالبية الأحيان[1] إشكاليات في التنفيذ، فإن تنفيذ الأحكام الإدارية عادة ما يواجه صعوبات كبيرة في جميع الانظمة حتى التي تدعي الديمقراطية منها واحترام القوانين.

ولكن ما يغيب عن البعض في إنتقاد إحجام الإدارة عن التنفيذ هو الحالة التي تكون فيها المؤسسة ملزمة بالقانون بأن تكون قراراتها جماعية ودورية مثل الشأن القضائي. فإصدار قرارات تهم المسار المهني للقضاة سنويا بعدد يفوق الخمسمائة وقد يصل الى ثمانمائة قرار جلها تدخل حيّز التنفيذ في وقت واحد من شأنه أن يجعل عدد المتظلمين متعدّدا ويضاعف من صعوبة مقدرة الإدارة على تنفيذ عدد هام من الأحكام في نفس الوقت، لأن ذلك سيُحدث بالتأكيد إرباكاً وعدم توازن في توزيع القضاة بمحاكم الجمهورية يؤدي بالضرورة إلى المسّ بالمصلحة العامة للمتقاضي وإلى تعطيل المرفق العامّ.

وعلى هذا الأساس، فإن طرح الإشكال على أنه عدم إمتثال للأحكام القضائية دون البحث في معالجته  بالرجوع الى أسبابه والبحث في حلول لمواجهته دون إضرار بواقع المحاكم واستمرارية المرفق يكون مجرد رأي سطحي غير مدروس. فمقارنة وضعية الجهة المشرفة على تسيير الشأن القضائي بأي ادارة عادية صدر ضدها قرار بإيقاف التنفيذ او بالإلغاء هي مقارنة بسيطة خالية من أي تحليل علمي وواقعي معمّق. التحاليل والبيانات المختلفة لم تأخذ بعين الاعتبار الشرط القانوني لمشروعية الإمتناع عن التنفيذ وهو شرط أو استثناء كرسته جميع الأنظمة وكّرسه القانون التونسي بعبارة الامتناع المقصود، وهو ما يعني التفريق بين عدم التنفيذ المتعمّد وهو امتناع دون سبب مشروع لغاية التعنّت فحسب (مقصود) وبين عدم التنفيذ الذي تفرضه معوقات جديّة تحول دون التنفيذ أو لها أثر سلبي جسيم إن حصل التنفيذ.

وقد ساير القضاء الفرنسي هذه الوضعيات، فأصدر مجلس الدولة قرارات عديدة برفض الحكم بالغرامة التهديدية لإجبار الإدارة على تنفيذ أحكام وقرارات صادرة ضدها متى تبين أن ظرفاً استثنائياً حال دون التنفيذ.

ويستنج سوء نية الإدارة في هذه الحالة من خلال جملة مواقفها في مواجهة الأحكام الإدارية التي تخصّها.
فبالنسبة للهيئة الوقتية للقضاء العدلي باعتبار أنها المعنية بالاحتجاجات الأخيرة من أجل عدم تنفيذها لجملة من القرارات التي صدرت لفائدة عدد من القضاة في مادة ايقاف التنفيذ، فهي لم تمانع في تنفيذ قرارات المحكمة الادارية المتعلقة بالقرارات التـأديبية، وبقرارات رفع الحصانة عن بعض القضاة رغم أنه ولأول مرة تصدر المحكمة الادارية قرارا بايقاف تنفيذ قرار رفع الحصانة عن قاض، وبقرارات تخص الحركة القضائية التي لم تجد الهيئة في تنفيذها أية صعوبة حينية.

وللتوضيح، تجدر الإشارة إلى أن الهيئة أصدرت حتى الآن ما مجموعه 2305 قراراً قابلاً للطعن، وفق الاحصائيات التالية:

-       الحركات القضائية الثلاثة التي أنجزتها الهيئة شملت 2135 قاضياً،
-       القرارات التأديبية 121 قراراً،
-       قرارات رفع الحصانة 53 قراراً.  

وقد صدر عن المحكمة الإدارية إلى حدّ الآن 31 قراراً في مادة إيقاف التنفيذ (تتعلق بالحركة والتأديب ورفع الحصانة) مقسمة كالآتي : 10 قرارات بالرفض، 22 قراراً بإيقاف التنفيذ.

تولت الهيئة تنفيذ 14 قراراً منها، وبقيت ثمانية (8) قرارت فحسب تعلقت بالحركة القضائية تعذّر على الهيئة تنفيذها لعدّة صعوبات واجهتها، وهي صعوبات يمكن تقسيمها إلى صعوبات عامة وأخرى خاصة وكذلك صعوبات وقتية وأخرى دائمة مع طرح أمثلة على ذلك.

1-صعوبات عامة

وهي الصعوبات التي تتعلق بتسيير مرفق عامّ وهو المرفق القضائيّ. فإشراف الهيئة الوقتية للقضاء العدلي على المسار المهني للقضاة لا يكون بمعزل عن الإشراف على ضمان حسن سير إدارة المحاكم بتوفير العنصر البشري اللازم لعمل جميع الدوائر القضائية بجميع محاكم الجمهورية. وما يثير الصعوبة، احداث محاكم جديدة، على الهيئة الوقتية بموجب صلاحياتها توفير العنصر البشري من القضاة لتسييرها وفق معايير موضوعية يتم وضعها مسبقاً قبل الاعلان عن الشغور. فإن لم يتقدّم أحد، يتمّ التعيين حسبما اقتضاه الفصل 12 من القانون المحدث للهيئة.

فعند صدور عدد من القرارات الأولية في إيقاف تنفيذ الحركة في شأن عدد من القضاة الذين تظلموا استناداً الى مبدأ عدم نقلة القاضي إلا برضاه،  فإن الهيئة تواجه إشكالية غحداث شغورات كبرى بمحاكم الداخل يصعب تداركها بتسديدها خلال السنة القضائية، فضلا عن النقص الكبير الذي تشهده جميع المحاكم في الإطار القضائي. عندها ستكون المحاكم في الداخل وخاصة المحاكم المحدثة مهددة بالعمل بأقل من نصف العدد الأدنى الذي تحتاج إليه، مما سيحدث إرباكا في تسييرها وتأثيراً سلبياً على سرعة إنجاز الأحكام وباقي الأعمال حتى التي تستوجب السرعة والإستعجال، وبالتالي تعطيلا للمرفق العام. مقابل ذلك، ستشهد محاكم أخرى في العاصمة وفي الساحل زيادة في نصاب الدوائر القضائية على حساب محاكم أخرى.

2-صعوبات خاصة

تتعلّق الصعوبات الخاصة بالخطط القضائية عند إسنادها لبعض القضاة أو عند تجريدهم منها. فالأكيد أن الخطّة القضائية ليست حقا للقاضي وليست حقا مكتسبا لا يمكن الرجوع فيه وهي لا تصبح كذلك إلا اذا لم يتوفر سببٌ جديّ للتجريد.

فالخطة القضائية ليست مرتبطة بترقية أو امتياز مادي أو أقدمية مطلقة، بل هي مرتبطة بحق أي محكمة في إدارة سليمة وناجحة للمرفق. لذا، فإن أيّ فشل في إدارة مؤسسة قضائية أو حتى دائرة بمحكمة، تكون آثاره السلبية مباشرة على المتقاضي وعلى المؤسسة، ويصبح بذلك تعويض صاحب الخطة ضروريا لضمان حسن سير القضاء.

وهنا تكمن أهم الصعوبات التي يمكن أن تواجهها الهيئة في تنفيذ قرار بإيقاف التنفيذ لاستحالة تصحيح المركز القانوني للقاضي الطاعن، بعدما أسندت الخطة للغير بموجب قرار نافذ وأصبح من المحتّم ضمان استقرار الوضعيات القانونية والحفاظ على الحقوق المكتسبة  من الغير،  فضلا عن أن طبيعة التسميات في الخطط القضائية عادة ما تكون مرتبطة بسلسلة من المراكز. فإذا ما تم تحريك قاض، فإنه بالضرورة تتم تسمية قاض آخر مكانه والذي بدوره سيحدث شغوراً واجب التسديد والسلسلة تطول.

فضلاً عن أنّ التعيين في خطة قضائية خاضع لتقدير الجهة المكلفة بإنجاز الحركة وقابل للمراجعة طبق مردود القاضي في هذه الخطة وقدرته على حسن إدارة المحكمة والدوائر القضائية.

وحتى لا يكون الحديث نظريا سأطرح صورتين واقعيتين:

الصورة الأولى:

أحد القضاة المسند لهم في وقت سابق خطة قضائية سامية بالوزارة مكلّفٌ بالأموال المنهوبة من عائلة النظام السابق، وهو ملفّ وطنيّ من الدرجة الأولى، غير أنه كان معطلا إلى درجة التجميد. والأسباب عديدة ومنها أداء القاضي المكلف بها،  فتمّ ابداله  بقاض آخر في حين تم تعيينه بخطة موازية بإحدى المحاكم. وقد شهد هذا الملف (الأموال المنهوبة) بعد تعيين القاضي الجديد إعادة الإنطلاق مع الأطراف الأجانب. غير أنه وعند تظلم القاضي المعني بقرار التجريد صدر قرار لفائدته بإيقاف التنفيذ.

والسؤال الذي يطرح كيف سيتم التنفيذ؟ وهل يتجه ترجيح المصلحة العامة أم مصلحة القاضي الخاصّة؟

الصورة الثانية:

تتعلق بقاض كان يشغل خطّة وكيل للجمهورية لدى إحدى المحاكم الداخلية. وقد ارتأت الهيئة تعويضه بقاض ثاني بناءً على تقرير للتفقدية تمّ اجراؤه وكانت نتيجته سلبية، وأسندت لهذا القاضي خطة موازية كما هو الشأن بالنسبة للمثال الأول.

ورغم أن فقهاء القانون الإداري اقترحوا عند صدور قرار بالإلغاء وتعذر إرجاع الموظف إلى مركزه الأول لاكتساب الغير حقاً فيه، امكانية التنفيذ بتعيين الموظف بخطة موازية لخطته الأولى. وهو ما قامت به الهيئة عند إجراء الحركة وقبل الطعن. ولا يمكن بحال من الأحوال تسمية رئيسين لنفس المحكمة أو وكيلين للجمهورية لديها.
 
صعوبة وقتية

تكمن الصعوبة الوقتية في التنفيذ في إحداث إرباك وعدم توازن بين المحاكم من حيث الإطار القضائي. فتخشى الهيئة مثلا عند التنفيذ أن لا يكون لهيئة قضائيّة (الدائرة الجنائيّة مثلاً) النصاب القانوني للنظر مقابل زيادة في النصاب لمحكمة أخرى.

لذا فقد ارتأت الهيئة في هذه الحالة إرجاء التنفيذ إلى حين إجراء الحركة القضائية الصيفية. وهو ما تم فعلا بالنسبة للقرارات الصادرة خلال السنة القضائية السابقة في خصوص بعض قرارات النقلة والتي تم تنفيذها عند النظر في الحركة القضائية.
 
صعوبة دائمة

قد يكون القرار الإداري في مادة ايقاف التنفيذ غامضا أو غير واضح في صيغته ونتيجته وهو ما يؤدي إلى استحالة التنفيذ، أو في أقصى الحالات تعدد التأويلات لكيفية التنفيذ، رغم أن للمحكمة التي أصدرت الحكم وحدها مهمة التوضيح.

مثال ذلك، تمت ترقية أحد القضاة الذي كان يشغل خطة قاضي ناحية إلى الرتبة الثانية، وتم تعيينه بإحدى محاكم الداخل كمستشار بمحكمة الإستئناف. فتظلم هذا القاضي بدعوى أنه تمت نقلته خارج مركز عمله بالعاصمة، فصدر قرار بإيقاف تنفيذ الحركة في شأنه، وسكتت المحكمة الادارية عن التوضيح هل يشمل الايقاف كل الحركة أي الترقية والتسمية الجديدة (وهذا ليس في صالح القاضي الطاعن) أم أنها تشمل فرعاً دون الآخر. وطالما أن الهيئة لا يمكنها تأويل قرار جاء مطلقاً، استحال عليها تنفيذ هذا الحكم الذي ورد بصيغة غامضة ومنقوصة، لأن التنفيذ في هذه الحالة يعني إرجاع القاضي إلى محكمة الناحية كقاضي من الرتبة الاولىوهو ما لا يجوز قانوناً.

الصورة الثانية التي تخص الصعوبة الدائمة هو صدور قرار في إيقاف التنفيذ لقرار سلبيّ. وهي الحالة التي يكون فيها القاضي قد طلب إسناده خطة قضائية، ولم تستجب له الحركة لسبب من الأسباب. وعند تظلمه صدر قرار بإيقاف تنفيذ الحركة في شأنه أو حتى بإلغاء القرار السلبي الذي لم يصدر في شأنه. وهي حالة تمثل إستحالة حقيقية للتنفيذ لأن المحكمة الإدارية يمكن أن تصدر حكما في اتجاه  إلزام الإدارة بالترقية أو بالنقلة، ولكن من غير الوجاهة إلزام الهيئة بإسناد خطة قضائية لشخص قد لا يستحقها كفاءة ونزاهة أو حتى أقدمية.

خلاصة

أن للهيئات القضائية خصوصية لا يمكن مقارنتها أو تشبيهها بالإدارات العادية. فالهيئات التي تشرف على المسار المهني للقضاة تشرف أيضا على حسن سير المحاكم وتضمن حسن إدارتها وتضمن تخصيصها بأكفأ القضاة لتسييرها وإدارتها وتوفير الإطار البشري اللازم لسيرها.
لذا، فإن مسؤولية الجهة المكلّفة بتسيير الشأن القضائي تنعدم عند عدم تنفيذ القرار الاداري إذا كان هذا الإمتناع غير مقصود. والقصد لا يتوفر بمجرد عدم التنفيذ بل يجب البحث الجدي والمسؤول عن هذا الموقف، فلا يعدّ امتناعها تراخياً أو خروجاً عن أحكام القانون إذا كان لامتناعها ما يبرره.
 

 


[1] يمكن للقضاء الاستعجالي أن يقضي بإيقاف تنفيذ الحكم الذي استشكل تنفيذه إلى حين القيام بقضية أصلية.