شغل صراع المفاهيم بين ثنائية الكونية والموروث الإنساني من جهة والخصوصية الثقافية والهوية من جهة أخرى الجانب الأكبر من النقاش العام حول موضوع الحريات والحقوق خلال المرحلة التأسيسية أي مرحلة صياغة نص دستور الجمهورية التونسية الثانية. وانتهى التوافق الوطني لأن يعلن الدستور التونسي إلتزامه بقيم حقوق الانسان السامية في بعدها الكوني .وقد أعطى النص الدستوري حمايته السامية للمبادئ الكبرى لحقوق الانسان في الباب الثاني منه. كان ينتظر تبعا لذلك أن تكون حقبة ملاءمة التشريعات مع روح دستور الجمهورية الثانية حقبة تنقية للقديم من التشريعات من الأحكام التي تمس الحريات وتخالف نص الدستور. كما كان ينتظر أن تكون ذات الحقبة حقبة اقتراح لمشاريع قوانين تجسد حقوقا أعلنت ولم يتوضح بعد مدلول ممارستها. لكن ما كان منتظرا لم يتحقق لاعتبارات موضوعية .

غيرت الانتخابات التشريعية الخريطة السياسية بتونس فأنهت التجاذب بين الشق الذي دافع عن كونية حقوق الانسان والشق الذي تمسك بالخصوصية الثقافية خلال الحقبة التأسيسية. وأنتجت أغلبية أكبر وأكثر تجانسا ذات توجه براغماتي شعارها إدارة المرحلة بعيدا عن المشاريع الكبرى. التقى توجه الأغلبية مع تطورات أمنية كبرى تمثلت أساسا في انتقال الأحداث الإرهابية من المناطق الجبلية إلى المدن في استهداف واضح لمقومات الإقتصاد.
تغير المزاج السياسي وتطور الوضع الأمني سلبيا. فكان الأثر المباشر لذلك أن تحوّل مضمون السؤال حول حقوق الانسان ليكون إلى أي حدّ يمكن القبول بحقوق الانسان في مواجهة التهديد الارهابي والاضطرابات الاجتماعية والسياسية.

اعتبر الخطاب السياسي المهيمن إطلاق الحريات من أسباب تطور نشاط الجماعات المتطرفة كما عد ذات الامر سببا في تطور الاضطرابات الاجتماعية وتعطيل السير العادي للمؤسسات ودواليب الاقتصاد من قبل من احتموا بالحرية ليفرضوا سلطتهم خارج نطاق القانون. ووجد هذا الطرح صدا له في المنظومة التشريعية وفي الادارة السياسية للدولة ليتحول فرض الأمن والحماية من الارهاب هاجسا يتقدم على البحث علة تطوير منظومة حقوق الانسان (أ).وان كان هذا التوجه الذي يفسر بأثر الخوف من الارهاب ليس خاصية تونسية، فإن حداثة الديموقراطية التونسية تفرض الدعوة للعودة إلى الدستور لتبين ضوابط تحقيق التوازن بين الأمن والحرية بعيدا عن فوبيا الخوف (ب).

أ – البحث عن الأمن يفرض " قانون الصمت "

صادق مجلس نواب الشعب التونسي بتاريخ 25-07-2015 في أجواء احتفالية على القانون الاساسي عدد 26 لسنة 2015 المتعلق بمكافحة الارهاب ومنع غسل الأموال. كشف اختيار تاريخ المصادقة على هذا القانون الذي صادف عيد الجمهورية أن المشرع بات يعتبر بقاء الجمهورية يرتهن بمكافحة الارهاب (1) وأعلن رئيس الجمهورية التونسية بتاريخ 4 جويلية 2015 حالة الضرورة التي طبق بمناسبتها الأمر عدد 50 لسنة 1978 المتعلق بتنظيم حالة الطوارئ والذي ارتبط بالممارسات القمعية على إثر أحداث 26 جانفي 1978 فكان الارتداد إلى مدلول الطوارئ في ظل الحكم الاستبدادي مؤشرا هاما (2).

قانون مكافحة الإرهاب: بين الهاجس الأمني والحفاظ على الحريات

انتصر القانون الأساسي عدد 26 لسنة 2015 المؤرخ في 7 أوت 2015 والمتعلق بمكافحة الإرهاب ومنع غسل الأموال للتصور الأمني الذي اعتبر أن التصدي للإرهاب يستدعي إجراءات بحث استثنائية تنطلق من تمديد مدة الاحتفاظ بالمشتبه به إلى خمسة أيام يمكن التمديد فيها مرتين لذات المدة.

كما اعتمد القانون  مصطلحات فضفاضة وغير دقيقة في تعريف الأنشطة الإرهابية والتوسّع فيها كاعتبار الإضرار بالممتلكات الخاصة والعامة من قبيل الأعمال الإرهابية، بما قد يؤدي لاحقا لاستغلاله في تضييق الحرية بدعوى الحاجة لقمع الارهاب. وأسند المشرع علاوة على ذلك لسلطات التحقيق في إطار البحث والتحري عن الجرائم الإرهابية صلاحيات واسعة قد تنال من الحقوق والحريات وخاصة من حقّ حماية المعطيات الشخصية والحياة الخاصة للأشخاص المكفولة بالفصل 24 من الدستور[1] إذ يسمح هذا القانون بمراقبة الهواتف والتنصّت بالصوت والصورة على الحياة الخاصة للأفراد وذلك عن طريق المراقبة السمعية البصرية لذوي الشبهة.[2]

إعلان حالة الطوارئ والتضييق من بعض الحريات

خوّلت أحكام الفصل 80 من الدستور لرئيس الجمهورية اتخاذ تدابير استثنائية وذلك في حالة خطر داهم مهدد لكيان الوطن أو أمن البلاد أو استقلالها بحيث يتعذر السير العادي لدواليب الدولة. ولإعلان حالة الظروف الاستثنائية، لابدّ من توافر شروط موضوعية. ونعني بها وجود تهديد أو خطر يمس بسلامة الدولة ويمنع السير العادي لدواليب الدولة، وتوفر شروط شكلية إذ يتعين على رئيس الجمهورية استشارة رئيس الحكومة ورئيس مجلس النواب وإعلام المحكمة الدستورية باتخاذ التدابير الاستثنائية.

ولا شكّ بأن من شأن إعلان حالة الطوارئ أن يحدّ من الحريات الفردية كحرية التنقّل المكفولة بالفصل 24 من الدستور، كما يمنح سلطات واسعة للأجهزة الأمنية إذ يمكّنها مثلاً من منع التجمّعات وغلق مرافق ووضع أشخاص رهن الإقامة الجبرية والقيام بمداهمات للمنازل المشتبه بوجود خطر ما فيها. وتعرّف حالة الطوارئ بكونها نظاما يمكن تطبيقه بقانون على كامل تراب الوطن أو على بعضه ويمتاز بتوسيع في الصلاحيات العادية للشرطة الإدارية وما يترتّب عنه من تضييق نطاق ممارسة الحريات.

وبحسب تقرير مرصد الحقوق والحريات حول الإقامة الجبرية التي تعرّض لها مجموعة من التونسيين بناء على قرارات من وزارة الداخلية على إثر تفجير حافلة الأمن الرئاسي في 24 نوفمبر 2015فقد وضعت الوزارة المعنية 138 شخصا قيد الإقامة الجبرية. والمثير للاهتمام هو أن رئيس الجمهورية أعلن في بعض المناسبات حالة الطوارئ وحظر التجول بالاستناد إلى ما خوّله له الدستور الجديد رغم غياب النصّ التشريعي الناظم للمسألة. وقد استند إلى أحكام الأمر عدد 50 لسنة 1978 المتعلق بتنظيم حالة الطوارئ والذي يعتبر من الناحية القانونية لاغياً ولا عمل عليه لاستناده في اطلاعاته إلى أحكام الفصل 46 من الدستور القديم. فضلاً عن ذلك، فإن تنظيم حالة الطوارئ بوصفها تحدّ من بعض الحقوق والحريات على غرار ما سبق بيانه يجب أن يكون بمقتضى نصّ تشريعي وليس ترتيبياً.

ب  العلاقة بين ممارسة الحريات ومتطلّبات الأمن العام: كيف تكون تكاملية؟

يختزن مصطلح الأمن الكثير من الأبعاد والجوانب في حياة الفرد والمجتمع. والرؤية الأمنية السليمة هي تلك التي تحول دون اتخاذ إجراء أو ممارسة فعل يفضي إلى خلخلة الواقع المجتمعي كزعزعة السكينة والطمأنينة لدى الأفراد بممارسة وسائل قمعية والإلتجاء إلى العنف. فالأنظمة الإستبدادية تمثّل الأرضية الملائمة لتنامي العنف واختراق جهاز الأمن. إذ لا يجب أن ننسى أن تحقيق الأمن ومكافحة الإرهاب كان في السابق ذريعة للمساس من بعض الحريات على غرار حرية المعتقد وممارسة الشعائر الدينية وهو من العوامل التي أدت إبان الثورة إلى تزايد حالات التطرف التي أدت بشكل مباشر إلى تنامي ظاهرة الإرهاب في تونس.

وعلى ضوء هذه الرؤية هناك علاقة عميقة وجوهرية تربط بين مفهومي الأمن والحرية بحيث أن المجتمع الذي تحترم فيه الحقوق والحريات هو المجتمع الذي يمتلك عوامل أمنه واستقراره. أما المجتمع الذي تمارس فيه السلطة السياسية أساليب القمع والاضطهاد فإنه يتوفر على ظروف من شأنها أن تهدّد أمنه.

لا شكّ بأن هنالك التزاماً على عاتق الدولة باحترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية كقاعدة عامة. إلا أن هذا الالتزام ليس مطلقاً بل يجوز تقيده، أي يجوز للدولة التحلل الجزئي من بعض التزاماتها في حالة الحرب أو الظروف الاستثنائية أو غيرها من المخاطر التي تحيط بها والتي تهدد نظامها العام. ولكن هذا التحلل الجزئي للدولة يجب أن يكون وفق ضوابط وشروط محددة بحيث لا يترك للسلطة بشكل تقديري ومنفرد تحديد تلك الضوابط والشروط كي لا تجور على الحقوق والحريات الأساسية للأفراد. وهو ما يحيلنا إلى التمعّن في أحكام الفصل 49 من الدستور.

الفصل 49 من الدستور وحلّ معضلة الموازنة بين الأمن والحرية

أسند الفصل 49 من الدستور للمشرع صلاحية تحديد الضوابط المتعلقة بالحقوق والحريات المكفولة دستوريا وممارستها بشرط عدم المساس بجوهرها، فالأصل هو الحرية والاستثناء هو تقييدها لضرورة تقتضيها دولة مدنية ديمقراطية وبهدف حماية حقوق الغير أو لمقتضيات الأمن العام أو الدفاع الوطني أو الصحة العامة أو الآداب العامة. كما كرّس الفصل المذكور مبدأ التناسب بين هذه الضوابط وموجباتها. فإذا كانت الدولة تحت ضغط الظروف الاستثنائية، فلها تقييد وتضييق الحقوق والحريات بشرط أن يكون ذلك بالقدر الضروري لمواجهة الخطر الذي يهدد أمن واستقرار المجتمع.
ويعتبر هذا الفصل في حدّ ذاته، في صورة فهم واحترام مقتضياته[3]، ضمانة أساسية للأفراد من كلّ عمل قد يستبطن إلغاء الحقوق والحريات أو تقييدها بدون موجب.

ومن هذا المنطلق يتّجه التأكيد على نسبية الحريات، فالحريات بوجه عام لا يمكن أن تمارس إلا في مجتمع آمن مستقر ولا يمكن الاعتراف بحرية عامة مطلقة وإنما بحرية نسبية تتوقف على مدى تعارضها ومتطلبات المجتمع. فيتعين التوافق بين متطلبات المجتمع وحرية الفرد والتوافق بين الحريات العامة والنظام العام. فالإشكال القانوني المتعلق بالحرية الفردية مرتبط بطبيعة الحياة الاجتماعية التي تتكون من عنصرين متلازمين ولكنهما في الآن نفسه متناقضان تناقضاً جوهرياً. فمن جهة يتكوّن المجتمع من أفراد ويحاول كل فرد أن ينمّي فرديته، ومن جهة أخرى، يكوّن المجتمع كلاّ متماسكاً لا يمكن للفرد العيش خارجه ولا بدّ من المحافظة على نظامه واستقراره. فالمجتمع يقوم على توازن غير مستقر بين هذين العنصرين. فإذا اختلّ التوازن لفائدة النظام والسلطة نتجت الكليانيّة والتسلط وإذا اختل التوازن لفائدة الفرد، نتجت الفوضى.[4]

دور القضاء في تكريس الموازنة المطلوبة

إن فقه القضاء يجب أن يرتكز على فكرة التوازن العادل بين السلطة والحرية، بين المصلحة العامة التي ترمي السلطة إلى تحقيقها والمصلحة الخاصة للأفراد المتمثلة في ضمان وحماية حقوقهم وحرياتهم.ومن هذا المنطلق فإن القضاء الإداري مطالب في ظلّ ما تمرّ به البلاد من ظروف استثنائية بضمان حقوق الأفراد من خلال دوره في مراقبة مشروعية الأعمال الإدارية.[5]

من جهة أخرى يجد القضاء العدلي نفسه أمام رهان تحقيق المعادلة المطلوبة بين مكافحة الإرهاب وحماية الحقوق والحريات باعتباره متدخّلا رئيسيا ومسؤولا عن تطبيق القانون وذلك بإرساء فقه قضاء نوعي واعتماد تصوّر يقطع مع التطبيق الآلي للنصّ القانوني كالإلتجاء إلى تطبيق المعاهدات الدولية لتحقيق الموازنة المطلوبة بين المقاربة الأمنية والحقوقية.


[1]الفصل 24 فقرة 1 من الدستور: "تحمي الدولة الحياة الخاصة، وحرمة المسكن، وسرية المراسلات والاتصالات والمعطيات الشخصية".
[2] الفصل 61 من القانون الأساسي المتعلق بمكافحة الإرهاب ومنع غسل الأموال: "في الحالات التي تقتضيها ضرورة البحث يمكن لوكيل الجمهورية أو لقاضي التحقيق بحسب الأحوال أن يأذن بمقتضى قرار كتابي معلّل لمأموري الضابطة العدلية المكلّفين بمعاينة الجرائم الإرهابية المنصوص عليها بهذا القانون بوضع عدّة تقنية بالأغراض الشخصية لذوي الشبهة أو بأماكن أو محلات أو عربات خاصة أو عمومية بغاية التقاط وتثبيت ونقل كلامهم وصورهم بصفة سرّية وتحديد أماكنهم".
[3] د. وحيد الفرشيشي، "حين حدّث الدستور ولم يقل"، المفكرة القانونية تونس، العدد 3، نوفمبر 2015.
[4] رافع بن عاشور، "الحريات العامة في النظم الديمقراطية"، مجلة التسامح، العدد 25 لسنة 2009.
[5] يراجع مثلا الحكم الابتدائي عدد 18326/1 الصادر عن المحكمة الإدارية في 16 فيفري 2011 (موريس موييز الحرار ضد وزير الداخلية) "إن القرارات التي تصدرها الإدارة تطبيقا لهذه المقتضيات القانونية والمتضمنة التحجير على الأجانب من الدخول إلى التراب التوتسي تخضع لرقابة القاضي بغاية التأكد من سلامة مبناها الواقعي والقانوني ومن هذا المنطلق فإنه لا يمكن أن تكون السلطة التقديرية التي تمتلكها الإدارة في هذا السياق مدعاة للحد من حرية التنقل التي تعد من فئة الحريات الأساسية التي لا يمكن التقييد منها إلا في سياق ظوابط معينة وفي حدود ما يجيزه القانون وبالتالي فإن كل تقييد لهذه الحرية لا يكون إلا في نطاق المصلحة العليا للبلاد الراجع للسلط المعنية تقدير أبعادها ومتطلباتها تحت الرقابة القضائية".