أعلنت المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي في بيان لها عن اعتراف الطبيب رياض العلم اجراء عمليات اجهاض للفتيات الخمسة وسبعين اللواتي تم تحريرهن من سجن "Chez Maurice" خلال التحقيقات معه ومع الممرضة جيزيل اراكيلو التي كانت تعاونه. فالطبيب متهم باجراء عمليات اجهاض غير قانونية في الشهر الثالث أو أكثر وهذا بحد ذاته جريمة يعاقب عليها القانون. ولدى سؤاله في التحقيق عن ما اذا كان يعلم سبب اجهاض هؤلاء الفتيات أجاب: "نعم، كي يعدن ويكملن عملهن في الدعارة". وقد أفادت القوى الأمنية بأنّ الطبيب علم قد أجرى حوالي 200 عملية اجهاض هذا فضلاً عن امكانية اكتشافه لعلامات التعنيف على أجسادهن مما يشكل اسباباً مشروعة للظن بأن الطبيب كان على علم بما يحصل وانه مرتبط بهذه المجموعة ما يعني قانونياً بأنه قد يكون متآمراً ومتورطاً كشريك بعملية الاتجار بالبشر.

وبالعودة الى النصوص القانونية التي ترعى مهنة الطب، يتبين أنه يترتب على الطبيب مسؤوليات قانونية عدة:

-        مسؤولية القيام بعمليات إجهاض: أفرد قانون العقوبات اللبناني فصلاً خاصاً لتجريم الاجهاض من المادة 539 حتى 546 حيث أسبغ المشرع على هذا الفعل الوصف الجناحي كمبدأ ينقلب الى جنائي يعاقب عليه بالاشغال الشاقة من أربع الى سبع سنوات في الحالات التي يؤدي فيها الاجهاض أو الوسائل التي استعملت في سبيله الى موت المرأة. ويعاقب ايضاً من تسبب عن قصد بتطريح امرأة دون رضاها بالاشغال الشاقة لخمس سنوات على الاقل (المادة 543). كما ان قانون الآداب الطبية حظّر الاجهاض ما خلا حالة الاجهاض العلاجي الذي يمكن اجراؤه لانقاذ حياة الأم المعرضة لخطر شديد (المادة 32).

-        المسؤولية الناجمة عن كتم معلومات: فقد نص قانون تعديل بعض احكام قانون الآداب الطبية رقم 288 تاريخ 22/2/1994 في المادة 7 منه في الفقرة 13 انه "على الطبيب إذا اكتشف أثناء الممارسة حالات إغتصاب وانتهاك للعرض، أن يبلغ النائب العام شرط موافقة الضحية خطياً"، وفي الفقرة 14 أنه "على الطبيب إذا اكتشف أثناء الممارسة حالة إحتجاز تعسفي لفاقد أهلية أو لقاصر، أو سوء معاملة أو حرمان، أو إغتصاب أو إعتداء جنسي، إبلاغ السلطات المختصة". وتشكل هذه المواد الاستثناءات التي تفرضها السلامة العامة والقوانين والأنظمة والعقود على موجب السرية المهنية المفروضة على الطبيب. وبالتالي، إن عدم ابلاغ اطبيب النيابة العامة بحالة الفتيات يعاقب عليه قانون العقوبات في المادة 400 منه المتعلقة بكتم الجنايات والجنح من قبل من زاول احدى المهن الصحية بالغرامة من عشرين ألف الى مائتي ألف ليرة.

-        مسؤولية محتملة بالاشتراك في جرم الإتجار بالبشر: نص قانون العقوبات اللبناني على جرم "الاتجار بالاشخاص" في الفصل الثالث المضاف بموجب قانون معاقبة جريمة الاتجار بالاشخاص رقم 164 الصادر بتاريخ 24/8/2011. وتنص المادة 586 (البند 4) على العقوبة الاشد وهي الحبس لمدة 15 سنة والغرامة من ثلاثمائة ضعف إلى ستمائة ضعف الحد الادنى الرسمي للاجور اذا ارتكبت جريمة الاتجار بفعل جماعة من شخصين أو اكثر واذا تناولت اكثر من مجني عليه. فتنطبق هذه المادة على القضية الراهنة ان لجهة نوع الجريمة وتعدد المشتركين ومن بينهم الطبيب وتعدد الضحايا. واحتمال تورط الطبيب في هذه الجريمة مبرر بعدد العمليات المجراة وقد جرت بناء على طلب الشبكة نفسها ولحساب الزبون نفسه، وبهدف يعتقد ان الطبيب كان على علم به وهو أن يعدن إلى العمل في مجال الدعارة.

الا ان الطبيب قد ترك رهن التحقيق وذلك انسجاماً مع المادة 44 من القانون التعديلي رقم 313/2001 للقانون المتعلق بإنشاء نقابتين للأطباء في لبنان. وتتناول هذه المادة الحصانة المهنية والتي تنص على انه "عند ملاحقة الطبيب جزائياً، للنقابة أن تبدي رأيها العلمي خلال خمسة عشر يوماً حول ما إذا كان الجرم المدعى به ناشئاً عن ممارسة المهنة. وفي هذه الحالة يجري إستجواب الطبيب الملاحق بحضور نقيب الأطباء أو من ينتدبه لهذه الغاية." بالاضافة الى انه "لا يجوز التوقيف الإحتياطي للطبيب الملاحق بجرم ناشىء عن ممارسة المهنة قبل أن تبدي النقابة رأيها ضمن المهلة المذكورة أعلاه." في حين افادت قناة "الجديد" ان مصادر في نقابة الأطباء قد رجحّت أن يذهب مجلس النقابة إلى إدانة الطبيب لعدم وجود أي نيّة علاجية لعمليات الإجهاض التي أجراها بل هناك ثبوت لوجود النية الجرمية في اسقاط الجنين وفي ظل تأكيد نقيب الاطباء في اتصال مع قناة "الجديد" انه في حال توافق قرار النقابة مع قرار القضاء فإنّ "النقابة ستتخذ أقصى عقوبة ممكنة وهي شطب الطبيب عن لائحة النقابة، ومنعه من مزاولة المهنة".[1] ويقتضي الذكر ان المادة 37 من القانون رقم 313/2001 تنص على ان للمجلس التأديبي لنقابة الاطباء ان يتخذ احدى العقوبات الآتية بحق الطبيب الذي يخالف واجبات مهنته أو يعرّض كرامته لما يمس شرفه أو استقامته أو كفاءته: التنبية، اللوم، التوقيف المؤقت عن العمل لمدة لا تتجاوز الستة اشهر والعقوبة القصوى المنع من ممارسة المهنة نهائياً. ويبدو من الطبيعي ان يتخذ المجلس العقوبة القصوى بحق طبيب يواجه الملاحقة الجزائية لجرائم عدة تصل عقوبتها الى 15 سنة.   

الا ان وزير الصحة قد سارع إلى اصدار قرار بسحب اذن مزاولة المهنة من الطبيب "العلم" وبختم عيادته بالشمع الاحمر من دون انتظار حكم القضاء أو المجلس التأديبي للأطباء، خلافاً لما تفرضه المادة 12 من قانون تنظيم مهنة ممارسة الطب في لبنان. ومن المعلوم أن هذه المادة تخضع قرار وزير الصحة في هذا الخصوص لتوفر شروط معينة منها ان يكون قد صدر بحق الطبيب حكم قضائي يدينه أو أن يكون قد شطب اسمه من جدول النقابة أو أن يكون قد صدر بحقه من المجلس التأديبي لنقابة الاطباء قرار مبرم يقضي بمنعه من ممارسة مهنته. وتعليقاً على هذا الاجراء، اعتبر نقيب الاطباء في تصريح لقناة "الجديد" ان قرار وزير الصحة غير قانوني ويتعدى على صلاحية نقابة الاطباء، وكما أعلن أن مجلس النقابة قد استدعى الطبيب للتحقيق معه يوم الخميس ليصار الى احالته بعد ذلك الى المجلس التأديبي.

في الختام، يواجه الطبيب اليوم الملاحقة الجزائية بناءً على الجرائم الثلاث التالية: اجراء الاجهاض غير القانوني الذي يمكن ان تصل عقوبته الى 10 سنوات اذا تسبب الموت والتخلف عن ابلاغ السلطات المختصة عن وضع هؤلاء الفتيات، الأمر الذي يعتبر جنحة وامكانية تواطئه ومشاركته في جرم الاتجار بالبشر الذي يعتبر جناية تصل عقوبتها الى حد الحبس لمدة 15 سنة والغرامة من ثلاثمائة ضعف إلى ستمائة ضعف الحد الأدنى الرسمي للأجور.
 


[1] [1] www.aljadeed.tv , "نقيب الاطباء للجديد: سنحاسب "طبيب الدعارة"",4/4/2016