في 7/4/2016، تقدمت النقابة العامة لموظفي وعمال المواصلات السلكية واللاسلكية في لبنان إلى قاضي الأمور المستعجلة في بيروت بطلب أمر على عريضة يرمي إلى وقف أي تداول إعلامي يتناول هيئة "أوجيرو" وعمالها ومستخديمها. وقد ورد هذا الطلب في خضمّ الحديث عما بات يعرف بفضيحة الانترنت. وهذا الطلب جاء بمثابة كاريكاتور يظهّر المخاطر التي قد تنسحب على حرية التعبير، بعد توسّع بعض قضاة الأمور المستعجلة في إصدار قرارات بمنع الإساءة إلى أشخاص نافذين. آخر هذه القرارات الخطرة من حيث مفاعيلها، القرار الصادر عن قاضية الامور المستعجلة زلفا الحسن في 29/3/2016 في قضية وليد غياض، مسؤول الإعلام والبروتوكول في الصرح البطريركي في بكركيضد الصحافي غسان سعود وجريدة "الاخبار" والذي قضى بمنعهما من نشر أي خبر مسيئ له، وذلك تحت طائلة غرامة إكراهية قيمتها 50 مليون ليرة لبنانية عن كل مخالفة. وطبعاً، أثار هذا القرار انتقادات عدة[1] لما يشكل من انتهاك فادح لحرية التعبير والصحافة. فقد منعت الجريدة من أيّ نقد مستقبليّ. وبالتالي، يكون هذا المنع مبنيّاً على افتراض وجود نيّة مستقبليّة لدى الصحافة في الإساءة إلى شخصية عامة، ما دفع البعض[2] إلى التحذير من أن يقدّم سياسيون طلبات "منع تناول أسمائهم مستقبلاً" فيغلقون أبواب النقد في الشأن العام تحصينا للمستقبل.

التوسع في قضية غياض شجع النقابة العامة لموظفي أوجيرو إلى تقديم الطلب الكاريكاتوري. لكن طابعه المبالغ به هو الذي دفع القاضية زلفا الحسن إلى رده في 7/4/2016. وقد بررت ذلك بعدم اختصاص القضاء المستعجل لاتخاذ تدابير على شكل أنظمة. ويستند هذا الدفع بعدم الاختصاص إلى المادة 3 من قانون أصول المحاكمات المدنية التي تنص على أنه "لا يجوز للقاضي أن يضع أحكامه في صيغة الأنظمة." ويعود أساس هذا المنع الى احترام مبدأ فصل السلطات لا سيما بين السلطة التفيذية التي تعود لها صلاحية اصدار قرارات تنظيمية تتضمن قواعد عامة ومجردة والقضاء الذي يصدر قرارات تتضمن تدابير ملزمة لاشخاص معنيين في خصومة معينة ولا يمكنه استصدار قاعدة عامة ملزمة لجميع الناس. وتبعاً لذلك، أثار القرار عدم وجود جهة معينة مستدعى بوجهها لاصدار القرار المطلوب بوجهها. وبالتالي، لا يجوز للقضاء أان يصدر قراراً ذات طابع عمومي يقضي بمنع جميع وسائل الاعلام من التطرق الى موضوع هيئة "اوجيرو" بما يتضمنه من فضائح لا سيما حول شبكات الانترنت غير الشرعية وما يتفرع عن هذا الأمر، دون وجود خصم لإصدار هذا القرار بوجهه.

ويلحظ أن عددا من قضاة الأمور المستعجلة كانوا اتخذوا سابقا اجتهادات أكثر انسجاما مع حرية الاعلام والتعبير لرد هذه الطلبات، رافضين قرارت المنع الشمولي والمحاكمة على النوايا. ومن أبرز هذه القرارات، القرار الصادر في 26/11/2014 عن قاضي الامور المستعجلة جاد معلوف الذي رد فيه طلب النائب سامي الجميّل بمنع،  جريدة «الأخبار» من تناول اسمه مستقبلاً، وذلك "في ضوء عدم ثبوت أي تعرّض محدد ووشيك على حقوق المستدعي، بشكل يستدعي التدخل المسبق لهذه المحكمة". وقد عمد القاضي معلوف الى التخفيف من وزن اعتبارات السمعة الشخصية للقيمين على خدمة عامة.فجاء في حيثيات الحكم أن من يتعاطى الشأن العام أو يمارس سلطة عامة يتخلى حكماً عن جزء من الحماية المتوفرة للأشخاص العاديين ويخضع لمراقبة الرأي العام بكل أفعاله المتعلقة بوظيفته، ولا بد له من إظهار نسبة أعلى من التسامح والتقبل.وعلى أساس هذه الاعتبارات كافة، انتهى القاضي معلوف الى رد الدعوى من دون أن يناقش مدى صحة أو ثبوت الأفعال المنسوبة الى المستدعي.
[3]

وفي موازاة ذلك، يذكر القرار الصادر عن القاضي نديم زوين في 8/12/2014 بردّ استدعاء جهة «قيمة»، تريد ألا يُتناول اسمها مستقبلاً، معلقاً في قراره: "ليس في الملف ما يسمح بالتأكيد على أن الشركة ستعود وتنشر على الموقع الإلكتروني مقالات تتضمن تعدياً وتعرضاً واضحاً، وإن إجابة طلب المستدعي يُشكل حكماً على النواياوقمعاً غير مبرر لحرية الإعلام والتعبير"[4]. والجدير بالذكر هو أنه بالرغم من أن الجهة المستدعية في القضية تلك هي جامعة خاصة،  فقد أجاز القاضيالتشهير ونشر مراسلات خاصة تعود لها عند توفر مصلحة عامة ذات شأن وذلك عملاً بمبدأسموّ المصلحة العامة على المصلحة الشخصية ومبدأ حق الرأي العام في الاطلاع والمعرفة.

يذكر أخيراً أن اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد لا سيما المادة 13 منها أوجبت على الدول أخذ التدابير المناسبة لتشجيع أفراد وجماعات لا ينتمون الى القطاع العام على المشاركة النشطة في منع الفساد ومحاربته، ولإذكاء وعي الناس في ما يتعلق بوجود الفساد وأسبابه، عبر تدابير عديدة، ومنها خاصة ما يضمن تيسّر حصول الناس فعلياً على "المعلومات" واحترام وتعزيز وحماية التماس المعلومات المتعلقة بالفساد وتلقيها ونشرها وتعميمها.وهذا الأمر يقتضي تشجيع كاشفي الفساد لا كم أفواههم[5].



[1]"الريّسة لـ«الأخبار»: انسوا السيد (و. غ) كلا، لا يحق للقضاء أن يحكم على النوايا"، الأخبار، 30/3/2016.
[2] مرجع سابق.
[3]نزار صاغية، "حرية التعبير في لبنان فضحاً للفساد في قرارات قضائية حديثة: أو حين غلّب القضاء المصلحة العامة على اعتبارات الكرامة الشخصية"، المفكرة القانونية، العدد 24، 13/1/2015.
 
[4] www.al-akhbar.com"الريّسة لـ«الأخبار»: انسوا السيد (و. غ) كلا، لا يحق للقضاء ان يحكم على النوايا"، 30/3/2016.
[5] نزار صاغية، مذكور أعلاه.