نشرت الهيئة الوقتية للقضاء العدلي بداية الشهر الخامس من سنة 2015 تقريراً حول نشاطها التأديبي للشهر الرابع من سنة 2016. وهذا النّشر يطرح السؤال حول مبررات تعمّد الهيئة لثاني مرة في تاريخها كسر "حاجز التحفّظ" في مسألة كانت تحيطها السرية.
حتى اللحظة، بقيت ردود الأفعال على ما نشرته الهيئة في يوم 05-05-2016 عن حصيلة نشاطها التأديبي محدودة، مقارنة بتلك التي تولّدت عن النّدوة الصّحفية التي عقدت يوم 24-02-2016 والتي كانت أول مناسبة أعلنت فيها هيئة القضاء نشاطها في مجال التأديب منذ بداية عملها سنة 2013.

وكان القضاة انقسموا في أول تجربة لرفع السرية عن النشاط التأديبي لمجلس القضاء بشكل لافت. فقد اعتبرت حينها جمعية القضاة التونسيين أن النشر "خطوة مهمة أقدمت عليها الهيئة لإرساء مبدأ الشفافية الذي هو من المبادئ الأساسية لاستقلال السلطة القضائية وتطورها". بالمقابل، اعتبرت أوساط قضائية أخرى أن خطوة إطلاع العموم على تأديب القضاة  "يمسّ من هيبة القضاء والقضاة ويعزز التشكيك في نزاهتهم ومصداقيتهم".
وبعيداً عن السجال في بعده المحلي، فإن النظم القضائية المقارنة قد سبقتنا بأشواط في الإنخراط في مبدأ الشفافية ومنها الدول المجاورة والتي تجاوزت في معظمها مرحلة نشر الاحصائيات وأصبحت تنشر القرارات التأديبية وتعتبر أن الحق في المعلومة حقّ ضمنته الدساتير والاتفاقيات الدولية. ففي نطاق الإعلان عن جدول أعمال دوراته، يقوم المجلس الأعلى للقضاء في الجزائر بنشر إحصائية بخصوص نشاطه في المادة التاديبية على موقعه الإلكتروني ومن ثمّ تتناقله الصحف اليومية.

أما النظام القضائي في المغرب، فقد تقدّم نسبيا على معظم الدول العربية. فعدا أنّ المجلس الأعلى للقضاء المغربي دأب على نشر إحصائيات تخص القضاة الذين مثلوا أمام المجلس في كل دورة له والخطأ المنسوب إليهم ومآل الملف التأديبي سواء التأخير أو اصدار العقوبة ونوعها ضمن بياناته، فقد تضمّن ميثاق الحوار الوطني لإصلاح منظومة العدالة في المغرب من ضمن توصياته في المادة التأديبية "نشر جميع القرارات المتعلقة بالمجلس بالموقع الإلكتروني وبنشرة خاصة للمجلس لدى الجريدة الرسمية، مع عدم نشر القرارات التأديبية إلا بعد صيرورتها نهائية".
أما النظم القضائية الأوروبية، فقد تجاوزت غالبيتها مرحلة نشر الاحصائيات وأصبحت تنشر القرارات بذاتها دون ذكر إسم القاضي المعني بالقرار التأديبي وانطلاقا من حق العموم في النفاذ الى المعلومة يتمكن المواطن في هذه الدول من الاطلاع على القرارات التأديبية التي أصدرها مجلس التأديب في حق القضاة.

وقد نشر المجلس الأعلى للقضاء الفرنسي سنة 2005 مجموعة قرارات المجلس التأديبي الفرنسي من سنة 1959 إلى 2005. ومن ثمّ أصبح المجلس ينشر جميع القرارات التأديبية سنويا ضمن تقاريره الدورية المتعلقة بنشاطه.
أما في النظام القضائي الإيطالي والذي يعتبر الأكثر تطورا وشفافية بين النظم القضائية الأوروبية، فإن الجلسة التاديبية مفتوحة ويمكن نقلها عبر إذاعة خاصة بالمجلس الأعلى للقضاء (إلا إذا طلب القاضي أن تكون مغلقة) اعتمادا على أن ذلك يساهم بدرجة كبيرة في إرساء ثقة المتقاضي في القضاء.
أما في تونس، فقد بقي المجلس الأعلى للقضاء يحيط الملفات التأديبية للقضاة بكامل السرية ولم يتم في السابق نشر أي احصائية في هذا الشأن. وقد اعتبرت الهيئة أن خطوتها هذه تأخرت كثيراً مقارنة بالأنظمة القضائية لدول الجوار. وكان من المفروض أن يتم الاعلان على الاحصائيات دوريا منذ انطلاقها في العمل في انتظار أن تكون النصوص التشريعية في المستقبل أكثر تعزيزا لمبدأ الشفافية.

ويشار إلى أن مشروع القانون عدد55 لسنة 2014 المتعلق بالنفاذ إلى المعلومة المصادق عليه أخيراً تناول في فصوله حق العموم في النفاذ الى المعلومة المتعلقة بالهيئات القضائية والمجلس الأعلى للقضاء والمحكمة الدستورية ومحكمة المحاسبات. وقد أورد استثناءات عدة، بعضها عامّ مثل الأمن العام والآخر خاصّ مثل الحفاظ على الحياة الخاصة دون أن يحدد بصورة دقيقة المعلومة التي من واجب المؤسسة المشمولة بالقانون توفيرها لطالبها. وبذلك، اقتصر مشروع القانون على تعريفات عامة تتصل بنشاط المؤسسة، ودون تدقيق للحالات المستثناة. وتبعاً لذلك، بدأت ملامح صعوبة التطبيق بسبب قصور النص تثير جدلا واسعا في هذه الأيام.

في أي اطار، إتخذت الهيئة قرار نشر الإحصائيات؟

المتابع للشأن القضائي لاحظ حتماً أن القضاء تعرّض في الفترة الأخيرة إلى انتقادات غير مسبوقة واتهامات بالقطاعية وبالتهرب من المساءلة. والملفت أن هذه الانتقادات والاتهامات صدرت حتى من أعضاء السلطتين التنفيذية والتشريعية. واتخذ النواب هذه الانتقادات ذريعة ومبررا للتضييق من صلاحيات المجلس الأعلى للقضاء المرتقب وخاصة التفقدية العامة التي بقيت تحت سيطرة وزارة العدل. وقد أدى تسويق انعدام الثقة إلى الرأي العام الذي بات هو الآخر يرفع شعارات مثل فساد القضاء وتطهيره واستقلاله ومساءلة القضاة.
لكن، ما أقدمت عليه الهيئة من نشر للإحصاءات لم يأتِ كردة فعل تجاه موجة الانتقادات. ولكنها انطلقت من حق العموم في الإطلاع على أعمال وقرارات الهيئة لتعزيز ثقته في العمل القضائي ولردّ مفهوم القطاعية والانفلات من المساءلة. وعليه، اتخذت قراراً أولياً بنشر الإحصائية في عدد القضاة الذي مثلوا أمام مجلس التأديب منذ بداية عمل الهيئة سنة 2013 والأخطاء التأديبية التي نُسبت اليهم والعقوبات المتخذة ضدهم. وفي هذا الإطار، تقرر نشر هذه الاحصائيات دوريا مع تنصيص "عام" للخانة التي تتنزل فيها الأفعال المنسوبة للقاضي دون تحديد الأفعال التي ارتكبها القاضي المحال بعينها.  ويندرج هذا المنحى بشكل خاص في باب الاستثناءات التي اتى بها قانون حق النفاذ الى إلمعلومة تحت عنوان حماية الحياة الخاصة والمعطيات الشخصية.