أصدر مدير المصالح العدلية بوزارة العدل التونسية بتاريخ 18-05-2016 منشورا يتعلق بمشاركة القضاة بالندوات والدورات التكوينية التي تعقد في الخارج. تضمن المنشور أنه يجب على القضاة مستقبلا ألا يشاركوا في ندوات أو دورات تكوينية خارج البلاد التونسية إلا بعد التحصيل على إذن من مصالح وزارة العدل. وألزم ذات المنشور القضاة الذين يتلقون دعوات للمشاركة في ندوات أو دورات تكوينية بالخارج بان يحيلوا تلك الدعوات لإدارة التعاون الدولي بوزارة العدل التي أوكل لها مهمة التنسيق مع الجهة الداعية لتضمن ما ذكر أنه "التوزيع العادل والشفاف لفرص المشاركة لكل القضاة". لم تترك الهيئة الوقتية للاشراف على القضاء العدلي المنشور الذي عمم على كل القضاة يمر بصمت. فبتاريخ 08-06-2016، تولت الهيئة الرد مباشرة بأن أصدرت بلاغا ورد فيه "أن اعضاءها يعتبرون أن ما جاء بالمنشور، يتعارض مع حرية الرأي والفكر والتعبير والإعلام والنشر التي يتمتع بها القاضي مثل كل المواطنين المضمونة بمقتضى أحكام الفصل 31 من الدستور، كما يتعارض مع حق القضاة في ممارسة الحريات الأكاديمية وحرية البحث العلمي التي يضمنها الفصل 33 من الدستور ويؤكدون على أن مشاركة السادة القضاة في الندوات العلمية بالخارج لا تتعارض مع أحكام القانون عدد 29 لسنة 1967 المتعلق بنظام القضاء والمجلس الأعلى للقضاء والقانون الأساسي للقضاء باعتبار أن فصله 16 في فقرته الأخيرة أجاز للقضاة "دون لزوم الحصول على رخصة، القيام بأشغال علمية أو أدبية أو فنية".

حاول منشور مدير المصالح العدلية أن يفرض وصاية على مشاركة القضاة بالندوات والدورات التكوينية بالخارج. وبدا لافتاً أن المسؤول القضائي لم يسع لأن يكون الجهة التي تمارس تلك الوصاية وإنما أحال أمرها لإدارة التعاون الدولي بوزارة العدل وهي إدارة يشرف عليها وزير العدل شخصيا بواسطة أعضاء ديوانه. بدا جليا أن المساواة المدعاة لم تكن غاية الإجراء بدليل أن هذا المنشور لم يتعرض للندوات والدورات التكوينية التي ترد فيها دعوات المشاركة لوزارة العدل رغم أن شبهات المحاباة تعلقت أساسا بتلك الدورات لا بالدورات التي يشارك فيها القضاة بجهدهم الشخصي أو بفضل كفاءتهم الخاصة.

لم يسع وزير العدل لدفع تهم استعمال الدورات التكوينية كأسلوب في محاباة القضاة أو في إيجاد حالة تمييز بين القضاة وهي تهم تداولتها الأوساط القضائية وأصدرت فيها هياكلهم بلاغات متعددة. وسعى الوزير في مقابل ذلك بدعم من إدارة المصالح العدلية لتجميع فرص التكوين تحت سلطته. أشّر هذا المسعى على أن وزير العدل بات يعوّل على دعوات المشاركة في الدورات التكوينية في صياغة علاقاته بالقضاة وذلك بعدما جرّده الدستور من آلية التحكم في المسار المهني التي كانت تستعمل سابقا في فرض سلطة وزراء العدل على القضاة. وتولت الهيئة الوقتية للاشراف على القضاء العدلي في مواجهة هذا التمشي إصدار رأي أكدت فيه عدم دستورية الإجراء. ويظهر فعليا رأيها أهم من  المنشور باعتبار ان الهيئة تعدّ جهة تأديب القضاة وجهة الاشراف على مسارهم المهني، ويكون بالتالي تصريحها بعدم دستورية المنشور دعوة صريحة للقضاة لعدم الالتزام به.

تصدت الهيئة الوقتية للاشراف على القضاء العدلي للمسعى رغم أن البلاغ صدر عن أحد أعضائها. وبدا تصديها حلقة من حلقات الصراع بينها وبين السلطة التنفيذية التي تسعى لاختراقها. أهمية هذا التصدي تبرز في كونه لم يكن تصديا سياسيا إنما تصديا  مبدئيا سمح للهيئة بتنزيل المبادئ الدستورية التي تتعلق بحرية الفكر والابداع والنشر والتجمع على القضاة لتكون المرة الاولى التي يقر فيها مبدأ عدم جواز استثناء القضاة من الحريات الدستورية تحت ادعاء الحفاظ على حيادهم أو التزامهم بواجب التحفظ.

نجحت الهيئة الوقتية للاشراف على القضاء العدلي في افشال سعي وزير العدل فرض سلطات من خارج القانون على القضاة تحت مسمى " المساواة في توزيع المشاركة في الندوات " غير ان هذا النجاح على اهميته يظل نسبيا بحكم أن الوزير ما زال يستغل ملف التعاون الدولي في استمالة القضاة الباحثين عن فرص للتعاون الفني بالخارج، علاوة على تحكمه في ملفات التمديد بعد سن التقاعد. وهي صلاحيات تصلح لخلق علاقات الموالاة وينظر ان يحتدم الصرع حولها بينه وبين المجلس الاعلى للقضاء مستقبلا.