طُرحت مسألةالهوية من جديد إثر نجاح الثورة التونسية في الإطاحة بنظام بن علي وفتحها المجال للحريات.شعارات الثورة كانت في مجملها بعيدة عن المرجعيات الدينية إذ تمحورت مطالب هذا الشعب حول الحرية والكرامة والعدالة. أجبر الاعتصام الثاني للشعب في القصبة السلطة آنذاك أن تعلن عن نهاية الدستور القديم، ليبدأ النقاش حول تأسيس دستور جديد تكون إرادة الشعب هي المرجعية الثورية الأولى لكتابته، وكأنما مرجعية الشعب التي طالب بها المعتصمون حلت محل المرجعية الحداثية التي تأسس عليها دستور 1959.ورغم مرور عقود على الاستقلال، ظل سؤال «من نحن؟» ينتظر جوابا. فالصراع السياسي و الإيديولوجي في تونس لا يزال في جانب كبير منه متّصلاً بالهوية وهو ما لاحظناه أثناء انتخابات 2011 التي شكلت حربا إيديولوجية بين الفرقاء السياسيين وكذلك أثناء المناقشات حول الدستور المقترح في المجلس التأسيسي. وإثر سقوط حكومة بن علي، برزت الجماعات الجهادية السلفية في تونس بعدما استفادت من حالة الاضطراب السياسي ومن ترك المجال للحريات الايديولوجية. ربما آل القمع في الماضي الذي مارسه النظام البورقيبي ونظام بن علي إلى تقوية تأثير المجموعات الإسلامية المتشدّدة منها والمعتدلة. وما فوز حركة النهضة، الحزب ذو المرجعية "الإسلامية"، بانتخابات المجلس الوطني التأسيسي إلا دليل على ذلك. فكأن جانبا هاما من الشعب التونسي أراد "الرجوع إلى هويته الإسلامية"التي "افتقدها". لكن سرعان ما تغيّرت الخارطة السياسية بفوز حركة نداء تونس، الحزب الليبرالي ذي التوجهات "العلمانية"، بالانتخابات التشريعية والرئاسية سنة 2014 وهو ما يكشف تململا واضحا لدى التونسيين بين اختيار المرجعية "الحداثية" أو المرجعية "الإسلامية" (إن سلمنا بتضارب المصطلحين).

هناك من يعتبر أن فرض تونس للعلمانية أو اللائكية (هناك اختلاف بين المفهومين) أدى بعد الاستقلال إلى إضعاف الهوية الدينية للشعب التونسي أو إلى "تغريب" التونسيين، كما يحلو للبعض تسمية ذلك. وقد اعتبر هؤلاء أنّ المشروع الحداثي البورقيبي لا يعدو كونه محاولة للقطع مع الثقافة العربية الإسلامية التي لطالما رأى بورقيبة فيها سبباً من أسباب التخلف. ليس من الصعب في شيء تأكيد التوجهات اللائكية للزعيم الراحل الحبيب بورقيبة الذي كان متأثرا بالتجربة الفرنسية، سواء لجهة الإصلاحات المؤسسية الكبرى التي قام بها في السنوات الأولى للاستقلال أو في مظاهر العلمنة والتحديث الثقافي التي تضمنها خطابه السياسي. ويلحظ أن هذا الخطاب ركّز في الآن ذاته على ما أسماه الخصوصية التونسية. وهذا ما نقرؤه في أحد خطاباته "تونس منذ أقدم العصور.. كانت دائماً شديدة الحفاظ على شخصيتها حتى في العهود التي تُفرض عليها لغة جديدة وتُحمل على اعتناق دين الدخلاء". إلاّ أنّ الحديث عن تطبيق التصوّر الفرنسي لمفهوم اللائكية في تونس منذالاستقلال قد يكون منافيا للحقيقة بسبب غياب التنصيص على مبدأ الفصل بين الدين و الدولة سواء في دستور الجمهورية الأولى أو الثانية، فضلا عن أنّ بعض القوانين في تونس مستمدة من التشريع الإسلامي وتأخذ بعين الاعتبار مسألة الهوية الدينية للدولة.

إن الحديث عن اللائكية في تونس يقتضي ضرورة تحديد مفهومها ورفع الالتباس بخصوص علاقتها "المتوترة" بالدين الإسلامي والذي تمّ التنصيص عليه بالفصل 1 من الدستور كدين الدولة، لنعود في كل مرة إلى نقطة البداية: ذلك الصراع حول الهوية الذي تجدّد مؤخرا بمناسبة مقترح المساواة في الإرث، فأين نحن من كل هذا؟
 
مصطلح اللائكية وإشكالية الخلط بين المفاهيم
اللائكية لفظة مستحدثة في اللغة العربية تختلف عن لفظة العلمانية[1]. وهي المقابل العربي لكلمة Laicitéالفرنسية المشتقة من اليونانية Laikosأو Laosومن اللاتينية Laicus. وتعني النظام السياسي القائم على الفصل الكامل بين الدين والدولة بمعنى أن تكون مؤسسات الدولة والمجتمع المدني محايدة تماما عن المسائل الدينية وأن يكون الفضاء العام مستقلا تماما عن الدين. وهذا ما تكرسه بعض الدساتير عبر التنصيص على الفصل بين الدين والسياسة. ومثل هذه الدول ليست كثيرة ونذكر بالخصوص فرنسا[2] وتركيا والولايات المتحدة الأمريكية والمكسيك. وفي انكلترا مثلا فإن الملكة هي رئيسة الكنيسة الانجيلكية ولا يعني ذلك أن انكلترا دولة تيوقراطية طالما أنها تحترم حرية المعتقد وتحمي التعدد الديني والدولة محايدة تجاه جميع الأديان، وحرية الضمير أمر مقدس في التشريعات الانكليزية وكذلك الشأن بالنسبة لكل البلدان الديمقراطية حتى وان لم تتضمن دساتيرها فصلا علنيا بين الدين والدولة.
فاللائكية لا ترفض الدين جملة وإنما تراه أمرا شخصيا يهمّ الفرد في ذاته ولا يتجاوزه بمعنى أنه لا يحتضن المجتمع. فالدين حسب الفكر اللائكي هو شأن خاص في حين أن السياسة هي شأن عام.

غير أن لمصطلح اللائكية أو العلمانية وقع صادم ومنفّر لدى غالبية الشعوب العربية الإسلامية. فهذه المفاهيم تشهد منذ سنوات في العالم العربي تضخما مفرطا في استعمالها وصل حدّ النفور من هذه المفاهيم بسبب قراءة انتقائية ومغلقة للدين الإسلامي. فلطالما ارتبط هذا المصطلح بالإلحاد وهو أمر مناف للحقيقة لأن الدولة اللائكية تضمن حرية المعتقد وبالتالي لا تلغي الدين بل تحميه باعتباره شأنا خاصا يهمّ الأفراد. أما الدولة الإلحادية فهي تلك التي أسستها الشيوعية وفرضتها على جمهوريات الاتحاد السوفياتي طيلة سبعين سنة. فكان ستالين مثلا يمنع الناس بالقوة من الذهاب إلى الكنيسة الأرثوذكسية لأداء الصلاة أو حضور القداس. ولذلك ما إن انهارت الشيوعية عام 1990 حتى عادت الديانة المسيحية إلى روسيا بقوة وحماسة: فالناس كانوا قد أصبحوا متعطشين للدين بعد أن حرموا منه طيلة سبعين سنة.
 
كيف نقرأ الفصل 1 من الدستور؟
يعدّ الفصل 1 من كلّ دستور بطاقة تعريف الدولة فهو الذي يحدّد عادة هويّتها وشكل نظامها السياسي وكذلك اتجاهها التشريعي.
الفصل 1 من الدستور التونسي الذي نصّ على أن الإسلام دين الدولة والعربية لغتها[3] لا يمكن أن يُقرأ بمعزل عن بقية الفصول الواردة به وكذلك بمعزل عن توطئته التي شدّدت على تمسّك هذا الشعب "بتعاليم الإسلام ومقاصده المتّسمة بالتفتّح والاعتدال" وبانتمائه "الثقافي والحضاري للأمة العربية الإسلامية". الدستور التونسي لا ينصّ على أن الشريعة الإسلامية هي مصدر من المصادر الشكلية للقانون كما هو الحال بالنسبة إلى معظم الدساتير العربية. لكنه يحتوي على بعض التناقضات، ربما كدليل يبرز ذلك التشتّت والصراع المستمرّ حول الهوية وحول مكانة الدين في الدولة والمجتمع. فهو ينصّ من جهة على ضمان حرية المعتقد (الفصل 6) وعلى المساواة بين المواطنين والمواطنات في الحقوق والواجبات (الفصل 21)، ويحدّد من جهة أخرى دين الدولة (الفصل 1) ودين رئيسها (الفصل 74). فالعديد من الفصول تشير إلى مسألة الدين دون تمكيننا من التوصّل إلى إجابة واضحة بخصوص منزلة الدين في المنظومة القانونية والسياسية التونسية، فالدستور لا يحسم المسألة حول توجّهات الدولة. ولعلّ ذلك يفتح المجال لقراءات مختلفة للفصل 1 من الدستور. فهناك من يرى أن هذا الفصل يشير بصفة واضحة إلى أن تونس دولة إسلامية، في حين يرى البعض الآخر أن هذا الفصل ليس سوى إشارة إلى هويتنا الوطنية الدينية واللغوية وليس فصلا مؤسسا لدولة دينية. وقد يكون التأويل الأخير الأقرب للمنطق مقارنة ببعض الدساتير الغربية التي نصّت على غرار الدستور التونسي على الدين الرسمي للدولة كما هو الحال بالنسبة إلى دستور مالطة واليونان وكوستاريكا والدستور السويدي إلى غاية سنة 2000، دون أن يحول ذلك إلى اعتبارها دولا تفصل بين الدين والدولة تماشيا مع الطرح اللائكي.
لكن تبني هذه القراءة للفصل 1 من الدستور والتي مفادها أن الإسلام هو دين غالبية المواطنين كإشارة إلى هويتهم لا غير، فهل يمكن اعتبار تونس دولة لائكية؟ من الصعب الإقرار بذلك على الرغم من أن الفصل المذكور لا يتعارض تماما مع الطرح اللائكي للفصل بين الدين والدولة وأن الدستور يقرّ في فصله السادس مبدأ حياد الدولة من خلال تكريس حرية المعتقد. فالدستور الجديد للبلادلم يحسم هذه المسألة كما تمّ سلفا بيانه، بما قد يؤدي بنا إلى القول بأن تونس ليست دولة لائكية ولا دولة إسلامية بل هي في منزلة بين المنزلتين[4]. وما يدعم هذه القراءة هو أن بعض القوانين بقيت مستلهمة من التشريع الإسلامي كما هو الشأن بالنسبة إلى مجلة الأحوال الشخصية.
 
تجدّد الصراع حول الهوية بمناسبة مقترح المساواة في الإرث
عاد الجدل حول المساواة في الإرث إلى الواجهة مجدّدا في تونس خلال الأشهر الماضية إثر مبادرة قدّمها عدد من نواب البرلمان لتعديل قانون الإرث بما يتيح المساواة بين الرجل والمرأة في الميراث. وبين رافض ومؤيّد لهذه الفكرة، تجدّد الصراع الإيديولوجي حول الهوية الإسلامية ومقوّماتها.
المؤيّدون لهذه الفكرة انطلقوا من الفصل 21 من الدستور الذي ينصّ على "تساوي المواطنين في الحقوق والواجبات"، في حين أن الرافضين لهذا المقترح استندوا إلى توطئته وإلى الفصل 1 منه الذي أكّد على أن تونس دولة دينها الإسلام وبالتالي فإن المساواة في الميراث تتناقض وأحكام الشريعة الإسلامية، بل ذهب البعض منهم إلى اعتبار أن هذا المقترح من شأنه تحريف القرآن والمساس بالمقدّسات الإسلامية. هذا المقترح اتّسم بالخطورة حسب رأي بعض الأطياف السياسية بمن فيها الأحزاب الليبرالية حيث اعتبروا أن مثل هذه المقترحات من شأنها العمل على تفرقة المجتمع وإثارة الانقسامات بين التونسيين وإعادتهم إلى طاولة الصراع حول الدين والهوية.
 
أين نحن؟
ارتبطت العلمانية في تونس ببعض التيارات الحزبية كالتيار الليبرالي المتمثّل في النظام البورقيبي وامتداداته والتيار الماركسي الممثّل بالحزب الشيوعي وتنظيمات اليسار الجديد. ومما لا شكّ فيه أن الإصلاحات الحاصلة بعد الاستقلال ذات النزعة "اللائكية" أتت نتيجة لسياسات تحديثية فوقية أو قسرية ولم تكن كما هو الشأن في أوروبا مثلا ردّا على مطالب شعبية نابعة من إرادة المجتمع. فهناك من رأى في تلك الحقبة من الحكم السياسي طمسا للهوية الإسلامية ومحاربة لتعاليم الإسلام، فيما اعتبر البعض الآخر أن تلك الحقبة ميّزت تونس عن بقية الدول العربية باعتبارها نموذجا يحتذى به كدولة عصرية بذلت جهودا كبيرة في ميدان التعليم وتحرير المرأة.
إن صراع تونس لتحديد هويتها الدينية لا يزال في بدايته. صراع بدأ منذ السنوات الأولى من الاستقلال ولم يكتمل بعد. فالدستور الجديد للبلاد لا يتطرق إلا بشكل عام إلى دور الدين في المجتمع ولا يمكنه أن يحلّ الانقسامات العقائدية والمؤسسية المعقدة التي رسمت وسترسم المشهد السياسي والمجتمعي. وكانت هذه الانقسامات أدّت إلى تبادل الشتائم والتهم بين "الشقّ الإسلامي" و"الشقّ العلماني"، فتمّ ربط الشقّ الأول بالإرهاب فيما ارتبط الثاني بالإلحاد. تعاقب الأحداث والاضطرابات السياسية والاجتماعية في تونس كشفت نوعا من "السكيزوفرينيا" داخل المجتمع التونسي وما تغيّر الخارطة السياسية في انتخابات 2014 إلا دليلا على ذلك. ويبقى طموح الشعب بعد مرور خمس سنوات من الثورة حسم الأسئلة الاستراتيجية المتّصلة بالهوية وبالنمط المجتمعي وبالنظام التعليمي. أسئلة ينبغي حسمها في ظل إطار من التوافق العام وفي ذات الوقت في إطار مراعاة الخصوصية الحضارية للمجتمع التونسي.
 


[1]اللائكية حالة قانونية تهمّ النمط السياسي للدولة، أما العلمانية فهي حركة تطورية تلقائية تهمّ المجتمع ناتجة عن عقلنة المؤسسات والتنظيمات الحديثة.
[2]اللائكية حالة فرنسية بامتياز ارتبطت بمؤسسة الدولة وتحييدها القانوني عن تأثير المؤسسة الدينية. فاللائكية تعني الفصل القانوني بين المؤسسة الدينية والدولة كما أقره قانون سنة 1905.
[3]الفصل 1 من الدستور : "تونس دولة حرة مستقلة، ذات سيادة، الإسلام دينها، والعربية لغتها، والجمهورية نظامها.
                              لا يجوز تعديل هذا الفصل".
[4]Farah Hached : « La Tunisie naviguerait entre deux eaux, dans une sorte de zone indéfinie et indéfinissable », La laïcité : un principe à l’ordre du jour de la IIe République tunisienne ?, Confluences Méditerranée 2011/2 (N°77).