"وأنتم نائمون في فراشكم، سيدخلون في الفجر ليشنقوكم". بهذه الكلمات الفظة غرد الصحافي التركي "تونجاي أوبتشين" على حسابه على "تويتر" قبل ساعات من محاولة الانقلاب في تركيا. وكان "أوبتشين"، وهو أحد أبرز الكتّاب في المؤسسات الإعلامية التابعة للداعية الإسلامي فتح الله غولن، قد أمضى نهاره في التغريد ضد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان واصفاً إياه بالفاسد والفرعون والطاغية.
مع بداية انكشاف خيوط محاولة الانقلاب الذي قادته مجموعات وفرق عسكرية ليل 15 – 16 تموز/ يوليو، يتوضح أن المشاركين فيه هم أكثر من بضعة آلاف من العسكر الذي تحركوا ميدانياً في تلك الليلة. فكمية الإعترافات ونوعيتها التي بدأت بالظهور على الإعلام، كما العدد الهائل من الأفراد الذين تم توقيفهم أو طردهم من عملهم، يشي بأن المسألة أعقد وأكبر من رغبة بضعة ضباط بالاستحواذ على السلطة.
من ناحية أخرى، وبعد سيطرتها على زمام الأمور وإفشالها للمحاولة الانقلابية، قامت السلطة التركية بكل ما رأته مناسباً للحفاظ على نفسها والاقتصاص من معارضيها، بالإضافة إلى الحفاظ على الأمن في البلاد. كما أعلنت حالة الطوارئ وعلقت العمل بالمعاهدة الأوروبية لحقوق الإنسان بشكل مؤقت[1]. فبات الأتراك، الانقلابيون منهم كما بقية المواطنين، عرضة لتعسف السلطة وغير محميين بالقانون العادي الذي كان يؤمن لهم حقوقهم القانونية.
غير أن إعلان حالة الطوارئ لم تكن الأولى من نوعها في تاريخ تركيا. فللسلطات المتعاقبة تاريخ طويل من فرضها على الناس. وذلك لوقوعهم غالباً تحت وطأة الانقلابات العسكرية الدامية من جهة، والحروب المتقطعة مع الأكراد من جهة أخرى. فما هي أبرز الأعمال التي باتت مجازة الآن للسلطات بعد فرض حالة الطوارئ؟ وكيف سينعكس ذلك على الأتراك وحقوق الإنسان في تركيا؟
 
قانون حالة الطوارئ: بماذا يسمح وماذا يمنع؟
مع تنفيذ الجيش التركي لانقلاب عسكري عام 1980، راح الحكم الجديد يقر قوانين تزيد من صلاحيات المؤسسة العسكرية ويشرّع تدخلها في الحياة السياسية. وتبعاً لتلك السياسة، تم توسيع صلاحيات "مجلس الأمن القومي"بموجب دستور العام 1982 وزاد منها. كما أقر، عام 1983، قانون حالة الطوارئ.
ويتألف هذا القانون من 36 مادة، ويشرح، في مقدمته، الحالات التي يمكن للسلطة إعلانه والعمل به. وهي أولاً "في حالة الكوارث الطبيعية، أو ظهور أمراض معدية خطيرة، أو في حال وجود أزمة اقتصادية حادة". وثانياً "في حال ظهور علامات خطيرة على انتشار أعمال عنيفة تستهدف النظام الديمقراطي الحر والحقوق والحريات الأساسية المنصوص عنها في الدستور"[2]. وهي أسباب موجبة تجعل من إعلان تركيا لحالة الطوارئ الآن أمراً غير مخالف للقانون تبعاً لقيام محاولة انقلاب في البلاد تستخدم الأعمال العنفية وتستهدف النظام الديمقراطي. في حين أن الأسباب الموجبة لإعلان حالة الطوارئ منصوص عنها في الدستور التركي في المادتين 119 و120 وتم الركون إليها لإعلانها، وهي مختلفة عن المادة 122 المعنية بإعلان الأحكام العرفية التي عاد إليها الكثير من الكتّاب في معرض تحليلهم للأوضاع التركية مؤخراً.
كما أقرت المادة الثالثة من قانون حالة الطوارئ أن قرار إعلانه "يتم اتخاذه في جلسة لمجلس الوزراء يترأسها رئيس الجمهورية، ثم يقوم البرلمان بالمصادقة عليه". كما نص في فقراته الكثيرة على أن "حالة الطوارئ لا يمكن أن تتجاوز مدة 6 أشهر"، وأجاز لمجلس الوزراء طلب "تمديد الفترة على ألا تتجاوز المدة 4 أشهر كل مرة"[3]. وهذا ما حصل في 20 تموز / يوليو، عندما أمر رئيس الجمهورية التركية بإعلان حالة الطوارئ لمدة ثلاثة أشهر، ثم صادق البرلمان التركي على الإعلان في اليوم التالي[4].

وكان القانون أعطى صلاحيات كبيرة لولاة المحافظات الذي "يعملون تبعاً لتوجيهات وأوامر وزارة الداخلية أو أحد الوزراء المكلفين بالأمر". وبحسب القانون، يبقى لكل مواطن حق في الاستمرار بإدارة أمواله وأملاكه والعمل، لكن يحق للدولة أن تحد أو تلغي الحقوق والحريات الأساسية المنصوص عنها في الدستور. ويضمن قانون الطوارئ كذلك للأشخاص حق الحياة وحق الوجود المعنوي والمادي، ولا يجبرهم على التصريح بمعتقداتهم أو أفكارهم أو دينهم أو مذهبهم،كما يضمن القانون عدم تجريم الأشخاص من دون قرار من المحكمة.
من ناحية أخرى، يسمح القانون للسلطة بفرض حظر للتجول، ومنع التجمعات، ومنع مرور الأفراد والعربات في بعض الطرق أو المناطق، بالإضافة إلى تفتيش العربات والمنازل ومصادرة محتوياتها دون الحاجة إلى إذن قضائي. كما يحق للسلطة حظر بيع وتوزيع المنشورات ومنع بث وسائل الإعلام والمسرحيات والأفلام وتفتيش المطبوعات والصور، ووقف نشاطات وأعمال الأفراد والمنظمات لفترات معينة. بالإضافة إلى إلغاء جميع رخص حمل السلاح، وامكانية القيام بعمليات عسكرية خارج الحدود بعد التنسيق مع الجيش ودون مراجعة السلطة التشريعية. كذلك الأمر تسمح حالة الطوارئ بإصدار مراسيم تمتلك قوة القوانين، والتي تُعفى من الخضوع لمراجعة السلطات القضائية[5].
وعليه، مع صدور قرار إعلان حالة الطوارئ بات الأتراك غير محميين كالعادة، وفقدوا العديد من الحقوق والحريات الأساسية المنصوص عنها في الدستور والقوانين. كما باتوا عرضة لضغط السلطة التي تريد التعامل مع الانقلاب والانقلابيين بقسوة، والمحافظة، في نفس الوقت، على الأمن في البلاد.

وكان أردوغان قد أوضح بمناسبة اعلان حالة الطوارئ أن الأمر متوافق مع الدستور، وأكد أن القرار "ليس موجهاً ضد الديمقراطية والحقوق والحريات بأي شكل من الأشكال، بل، على العكس من ذلك، جاء من أجل حماية وتعزيز تلك القيم". كما اعتبر أن إعلان حالة الطوارئ تهدف إلى "اتخاذ الخطوات المطلوبة بشكل فعّال وسريع من أجل القضاء على التهديدات الموجّهة ضد الديمقراطية ودولة القانون، وحقوق المواطنين وحرياتهم"[6]. في حين أعلن رئيس الحكومة التركية بن علي يلدريم أن إعلان حالة الطوارئسيساهم في "تنظيف الدولة من أتباع غولنواحداً وراء الآخر"[7].
 
"تنظيف الدولة" والضرر العام
لم يكذب رئيس الوزراء التركي عندما صرح بنيته "تنظيف الدولة"، إذ أن هذا الأمر كان قد بدأ حتى قبل إعلان حالة الطوارئ. فرقم المحتجزين وصل ليل 23 تموز / يوليو، بحسب يلدريم، إلى حوالى 13 ألفاً، بينهم 1329 شرطياً، 8831 جندياً، 2100 موظفاً في القضاء، 52 حاكم منطقة، و 689 مدنياً[8]. إلا أن عملية "التنظيف" كانت قد بدأت قبل أخذ قرار إعلان حالة الطوارئ حيث قامت السلطة بتنفيذ اعتقالات أو إعفاء أو طرد حوالى 60 ألف شخص، ومنهم:

·         حوالى 21 ألفاً من الأساتذة والمعلمين تمسحب تراخيص التعليم منهم.
·         15200 شخصاً تمت إقالتهم من وزارة التربية التركية.
·         الطلب من حوالى 1500 عميد كلية جامعية تقديم استقالتهم.
·         إعفاء 2745 قاضياً ومدعياً عاماًمؤقتاً.
·         طرد 492 موظفاً من رئاسة الشؤون الدينية.
·         إقالة حوالى 250 موظفاً في رئاسة الحكومة.
·         طرد حوالى 1500 موظفاً من وزارة المالية.
·         إقالة حوالى 9 آلاف شرطي[9].
·         طرد 30 والياً وعشرات حكّام المناطق.
·         سحب تراخيص 24 وسيلة إعلامية توظف مئات الأتراك[10].
·         توقيف حوالى 7400جندي، ثم الإفراج عن 1200 منهم بعد 8 أيام من تاريخ محاولة الانقلاب[11].
·         طرد 393 موظفاً من وزارة الأسرة والشؤون الاجتماعية[12].
·         طرد 245 موظفاً من وزارة الشباب والرياضة[13].
·         طرد حوالى 100 موظفاً من جهاز المخابرات العامة[14].
·         طرد بضعة مئات من الموظفين في وزارات وإدارات أخرى.

وعللت بيانات الوزارات التي أرفِقت مع قرارات الإعفاء أو التوقيف بأن الموظفين المعنيين هم هم على علاقة مع منظمة فتح الله غولن الإرهابية. إلا أن طرد 60 ألفاً في أسبوع واحد لا شك يدل على أن السلطات لديها قوائم جاهزة بالموظفين المنوي طردهم. كما يدل على أسلوب عمل السلطة التركي التي تستغل الانقلاب من أجل "تنظيف الدولة" لا أكثر، إذ أن "منظمة غولن" كانت قد صنفتها الدولة كمنظمة إرهابية منذ سنتين، فلماذا أبقت الدولة على موظفين لهم علاقة بمنظمة إرهابية طوال هذه المدة؟
كذلك الأمر، وباستثناء العسكريين وموظفي المخابرات العامة والشرطة الذين شاركوا في أعمال عنف خلال محاولة الانقلاب، تم طرد الموظفين المدنيين الآخرين من دون أي وجه حق. فتقرير جهاز مخابراتي عن علاقة شخص بمنظمة ما يبقى عرضة للخطأ من ناحية، كما هو، من ناحية أخرى، لا يكفي كمبرر قانوني، وذلك لأنه لا يمنح المطرود حقه بالمحاكمة، أو التبليغ بالطرد أو حتى التعويض. بالإضافة إلى أن كل هذه القرارات اتخذت قبل اعلان حالة الطوارئ، والتي تخوّل السلطة وقف نشاطات وأعمال الأفراد والمنظمات لفترات معينة بعد إعلانها وليس قبل ذلك.

من ناحية أخرى، اختلف الوضع بعد إعلان حالة الطوارئ بحيث أنه زادت الأمور سوءاً. وأعلن أردوغان، في أول مرسوم يصدره بعد إعلان حالة الطوارئ، عن إغلاق 1043 مدرسة خاصة و1229 جمعية ومؤسسة خيرية و19 نقابة عمالية و15 جامعة و35 مؤسسة طبية. كما مدد إمكانية احتجاز الأفراد من 4 أيام إلى شهر[15]، وكل ذلك تحت حجة مكافحة نفوذ منظمة غولن الإرهابية.
إلا أن طرد آلاف الموظفين وإغلاق المئات من المؤسسات لا شك أنه يضر بتركيا ومجتمعها كثيراً على المدى القصير. فإن كانت غاية اعلان حالة الطوارئ هي حماية الناس يبقى أن إغلاق هذا الكم من المؤسسات التعليمية والخيرية والطبية يضر بهم ولا يحميهم، خاصة وأنها توظف آلاف الأفراد وتقدم خدمات لآلاف العائلات على امتداد مساحة تركيا.
 
خوف وسكوت.. لا معارضة داخلية جدية
بات كل عمل تقوم به السلطة التركية الآن مبرراً بالنسبة لها، وتضعه في خانة الحفاظ على السلم والأمن ومكافحة منظمة غولن الإرهابية. كما راح أتراك متحمسون إلى حد اعتبار "أن ما يجري الآن هو حرب استقلال ثانية"، وسط خوف من الأكراد مثلاً من أن تطالهم الاعتقالات بعد الانتهاء من الإنقضاض على منظمة فتح الله غولن[16]. ويخشى الأكراد من الحماس القومي التركي الحالي، وكثرة الشعارات القومية المرفوعة، والتي قد تتحول إلى مشاعر عدائية تجاههم بسرعة. تماماً كما تحوّلت مشاعر العديد من الأتراك من الإعتراف بفضل غولن ومؤسساته في السنوات الماضية إلى اتهام له باحتضان الإرهاب وتخريب البلاد اليوم.
من ناحية أخرى، لا يُبدي المجتمع المدني التركي أو أحزاب المعارضة أي رد فعل معارض لقيام الحكومة بتوقيف وطرد كل من تظن أن له علاقة بمنظمات غولن، ويعود ذلك لخوفها من أن تبدو كمؤيدة للانقلاب وللإرهاب. وهذا ما يجعل من سياسات الحكومة الحالية سهلة التطبيق دون أي رادع أو معارضة داخلية لها ذات وزن يُذكر. والملفت في هذا الإطار أن الكثير من المنظمات والجمعيات والأحزاب تشجع الحكومة على ممارسة ضغطها على الناس وتزايد عليها أحياناً. ومنهم بعض تجمعات رجال الأعمال التي لا يهمها إلا عودة الهدوء والاستقرار إلى البلاد لتستمر في العمل وتحقيق الأرباح[17]. في حين راح آخرون، أمثال رئيس بلدية أنقرة "مليح غوكشك" إلى استخدام الدين من أجل زيادة العدواة تجاه العاملين في مؤسسات غولن حين اعتبر مباشرة على الهواء وبجدية لافتة "أن غولن يستخدم الجن من أجل استعباد الناس"[18].

أحنى الجميع رؤوسهم أمام سياسات السلطة ودفنوها في التراب. لا المعارضة تتصرف كمعارضة للحكومة، ولا المجتمع المدني التركي يمتلك الجرأة الكافية كما يبدو للوقوف في وجه إعلان حالة الطوارئ وطرد الآلاف من وظائفهم. الجميع داخل تركيا يتفرج بفرح على مؤسسات غولن تتساقط الواحدة تلو الآخرى، أو يلتزم الصمت خوفاً من مصير مشابه، أو يشجع السلطة على ممارسة المزيد من الاعتقالات والطرد الجماعي.
إلا أن غياب المعارضة الآن لتصرفات الحكومة لا تعفي الأتراك من تبعات فرض حالة الطوارئ والعبث بمصير آلاف الناس. فحالة الطوارئ وسياسات الحكومة تُبرز كم هو سهل التخلص من موظف أو اعتقال آخر، أكان من المشاركين بالانقلاب أو من هؤلاء الذين لا علاقة لهم بكل ما يجري.

من ناحية أخرى، برزت الكثير من المواقف الدولية الرافضة لسياسة الحكومة التركية وخاصة من الدول الأوروبية المعنية بشأن تركيا الداخلي بوصفها مرشحاً محتملاً للانضمام إلى الإتحاد الأوروبي. وهذا ما عبّر عنه مثلاً وزير الخارجية النمساوي "سيباستيان كورز" حين اعتبر صراحة "أن إعلان حالة الطوارئ سيؤدي إلى اعطاء الرئيس التركي المزيد من الصلاحيات ما يثير مخاوف من تكاثر الإجراءات الاستبدادية أكثر مما هي عليه أصلاً"[19].
أمّا منظمة العفو الدولية، فأصدرت عدداً من البيانات الرافضة لسياسات الحكومة التركية، واعتبرت في واحدة منها أن تركيا "تشهد حالة كبيرة الحجم من الانقضاض على الانقلابيين. وعلى الرغم من أن ذلك مفهوم وشرعي، يبقى أن على الحكومة أن تلتزم بالتحقيق ومعاقبة المتهمين ضمن إطار احترام سيادة القانون وحرية التعبير"[20]. كما اعتبرت في بيان آخر "أن الإجراءات الطارئة يجب أن تحترم التزامات تركيا تجاه القانون الدولي، ولا يجب عليها أن تهدد الحريات وحقوق الإنسان، وألا تستمر بشكل دائم". كما اعتبر البيان نفسه "أنه من الحيوي ألا تقوم الحكومة التركية باستخدام إعلان حالة الطوارئ من أجل تضييق الخناق على المعارضة السلمية وجعلها أصعب"[21].
 
أهداف متعددة.. وثوابت
لم تعنِ كل هذه البيانات والمواقف الدولية شيئاً للحكومة التركية. فاستمرّت منذ اليوم الأول لتنفيذ محاولة الانقلاب الفاشلة بمعاقبة كل من تظن أن له علاقة بمنظمة غولن. في حين دافع رئيس الحكومة التركي ونوابه وأعضاء وزارته عن سياساتهم باعتبار أن أمن الأتراك يتحقق عبر الإنتهاء من أنصار غولن، وقد ذهبوا إلى تشبيه حالة إعلان الطوارئ التركية بحالات أخرى لم تلقَ معارضة دولية، وخاصة إعلان حالة الطوارئ في فرنسا مؤخراً[22]. وفي موازاة ذلك، يبدو أردوغان أكثر جزماً وجذرية في دفاعه عن إجراءات بلاده مستعملاً أسلوب الهجوم بدل الدفاع، وطالباً من الدول الأوروبية أن تهتم بشؤونها فقط والكف عن التدخل بشؤون بلاده وبأمور لا تعنيها.
من ناحية أخرى، لا يبدو من الأخبار الواردة من أنقرة أن الأمور قد اقتربت من مرحلة الهدوء. فالحملة ضد غولن وبقية الموظفين لن تهدأ الآن، بل ستستمر في الأسابيع المقبلة. في حين أن معظم التحليلات التي تهتم بالشأن التركي ترجح أن للسلطات هدفان آخران غير "تنظيف الدولة" من أنصار غولن، وهي أهداف تبدو أكثر واقعية وعملية وأهمية.

يشكل بسط سيطرة الحزب الحاكم على كامل البيروقراطية التركية الهدف الأول. وهو هدف قد تعذر تحقيقه بشكل كامل في الفترات السابقة على الرغم من سعي الحزب وأردوغان إلى ذلك. فيتم اليوم، بحسب الكثير من المحللين، "استغلال" محاولة الانقلاب من أجل تبديل كل الأفراد غير الخاضعين لنفوذ الحزب الحاكم بآخرين يدينون له بالولاء. وذلك تحضيراً للفترة القادمة التي تشهد وضع دستور رئاسي جديد لتركيا يعطي أردوغان صلاحيات شبه مطلقة. وعليه، يدفع آخرون، من غير الموالين للسلطة أو لغولن على حدٍ سواء، ثمن هذه السياسة.
أمّا الثاني فهو تحقيق الحزب الحاكم لهدفه بإعادة هيكلة المؤسسة العسكرية وإفقادها الحرية في التصرف. إذ أن هذه الأخيرة لا تزال تمتلك القدرة القانونية على التصرف في بعض شؤونها الداخلية، وتدير مصانع ومعامل ومؤسسات، ولها مدخول خاص غير ما يُحدد لها في ميزانية وزارة الدفاع، كما قدرة لضباطها بالتصرف أحياناً بعيداً عن أعين السلطة التنفيذية ورقابتها. في حين أن تحقيق هذا الأمر وربط المؤسسة العسكرية كلياً بالسلطة السياسية يحتاج إلى حملة وطنية واسعة تجعل من بقية الجنرالات المعارضين لهذا الإجراء تحت الضغط المعنوي. كما لا يؤدي إلى إبراز سياسات الحكومة كأنها تستهدف المؤسسة العسكرية بذاتها، بل إن تغيير أوضاع هذه الأخيرة هو جزء من كل، ويطال كامل البلاد.
تتعدد الأسباب والنتيجة واحدة. قد يكون هدف السلطة التركية هو إقصاء الموالين لغولن، أو السيطرة على البيروقراطية التركية، أو هدفه فقط وضع المؤسسة العسكرية تحت جناح السلطة التنفيذية من دون إغضاب الجنرالات. إلا أن الثابت أن حقوق المواطن التركي معرضة اليوم للإنتهاك، وأن الأخبار الواردة يومياً من تركيا تبقى جدّ مقلقة.
 
 
 
 
 
 


[1]Serkan Demirtaş, “Turkey to temporarily suspend European Convention on Human Rights after coup attempt”, Hurriyet daily news, July 21, 2016. Accessed in 26/7/2016, available on:  http://www.hurriyetdailynews.com/turkey-to-temporarily-suspend-european-convention-on-human-rights-after-coup-attempt.aspx?pageID=238&nID=101910&NewsCatID=338
[2]Yonah Alexander, Edgar H. Brenner & Serhat Tutuncuoglu Krause, Turkey: Terrorism, Civil Rights, and the European Union, Routledge, London, 2008, p. 90.
[3]Ibid, pp. 90-91.
[4]Kareem Shaheen & Owen Bowcott, “Turkey MPs approve state of emergency bill allowing rule by decree”, The Guardian, July 21, 2016. Accessed in 26/7/2016, available on:  https://www.theguardian.com/world/2016/jul/21/turkey-parliament-expected-to-pass-erdogan-emergency-measures
[5]Turkey: Terrorism, Civil Rights, and the European Union, op, cit., pp. 92-93.
[6]Ben Hubbard & Ceylan Yeginsu, “Turkey Declares 3-Month State of Emergency”, New York Times, July 20, 2016. Accessed in 26/7/2016, available on: http://www.nytimes.com/2016/07/21/world/europe/turkey-erdogan-gulen.html?_r=0
[7]Daily Mail, “Turkish lawmakers give leader Erdogan sweeping new powers”, July 21, 2016. Accessed in 26/7/2016, available on: http://www.dailymail.co.uk/wires/ap/article-3700818/Germany-expresses-concern-Turkeys-state-emergency.html
[8]TRT World, “Turkish PM describes FETO as 'sick terrorists'”, July 24, 2016. Accessed in 24/7/2016, available on: http://www.trtworld.com/turkey/turkish-pm-describes-feto-as-sick-terrorists-150033
[9]BBC World, “Turkey coup: Purge widens to education sector”, July 19, 2016. Accessed in 26/7/2016, available on: http://www.bbc.com/news/world-europe-36838347
[10]Anadolu Agency, “Turkey revokes Gulen-linked broadcasters’ licenses”, July 19, 2016. Accessed in 26/7/2016, available on: http://aa.com.tr/en/todays-headlines/turkey-revokes-gulen-linked-broadcasters-licenses/611302
[11]Middle East Eye, “Erdogan hits out at EU's 'biased' attitude towards Turkey as 1,200 soldiers freed”, July 23, 2016. Accessed in 26/7/2016, available on: http://www.middleeasteye.net/news/erdogan-hits-out-eus-biased-attitude-towards-turkey-1200-soldiers-freed-202883924
[12]The Washington Post, “The Latest: Erdogan supporters rally for 5th straight day”, July 19, 2016. Accessed in 26/7/2016, available on: https://www.washingtonpost.com/world/europe/the-latest-erdogan-ready-to-reinstate-death-penalty/2016/07/18/60f74e10-4d4b-11e6-bf27-405106836f96_story.html
[13]Anadolu Agency, “Turkish Sports Ministry suspends 245 personnel”, July 20, 2016. Accessed in 26/7/2016, available on: http://aa.com.tr/en/anadolu-post/turkish-sports-ministry-suspends-245-personnel/611830
[14]Ayla Jean Yackley, “Turkey's spy agency suspends 100 people on suspicion of links to Gulen movement”, Reuters, July 19, 2016. Accessed in 26/7/2016, available on: http://www.reuters.com/article/us-turkey-security-intelligence-idUSKCN0ZZ1J8
[15]Gareth Jones & Ercan Gurses, “Turkey's Erdogan shuts schools, charities in first state of emergency decree”, Reuters, July 23, 2016. Accessed in 26/7/2016, available on: http://www.reuters.com/article/us-turkey-security-emergency-idUSKCN1030BC
[16]Jesse Rosenfeld, “Fear grows as Turkey introduces state of emergency”, Al-Jazeera, July 23, 2016. Accessed in 24/7/2016, available on: http://www.aljazeera.com/indepth/features/2016/07/fear-grows-turkey-introduces-state-emergency-160723130514665.html
[17]Anadolu Agency, “Turkish business community hails state of emergency”, July 21, 2016. Accessed in 24/7/2016, available on: http://aa.com.tr/en/economy/turkish-business-community-hails-state-of-emergency/612793
[18]Hurriyet Daily News, “Ankara mayor suggests Gülen uses genies to ‘enslave people’”, July 24, 2016. Accessed in 24/7/2016, available on: http://www.hurriyetdailynews.com/ankara-mayor-implies-gulen-enslaves-people-with-genies-.aspx?pageID=517&nID=102005&NewsCatID=341
[19]Tass, “Austrian foreign minister speaks against state of emergency in Turkey”, July 21, 2016. Accessed in 24/7/2016, available on: http://tass.ru/en/world/889683
[20]Amnesty International, “Turkey: Media purge threatens freedom of expression”, July 20, 2016. Accessed in 24/7/2016, available on: https://www.amnesty.org/en/latest/news/2016/07/turkey-media-purge-threatens-freedom-of-expression/
[21]Amnesty International, “Turkey: State of emergency must not roll back human rights”, July 21, 2016. Accessed in 24/7/2016, available on: https://www.amnesty.org/en/latest/news/2016/07/turkey-state-of-emergency-must-not-roll-back-human-rights/
[22]Kareem Shaheen & Owen Bowcott, “Turkey MPs approve state of emergency bill allowing rule by decree”, The Guardian, July 21, 2016. Accessed in 24/7/2016, available on: https://www.theguardian.com/world/2016/jul/21/turkey-parliament-expected-to-pass-erdogan-emergency-measures