يعاقب الفصل 227 من المجلة الجزائية في صيغته الحالية بالإعدام كل من واقع أنثى غصبا باستعمال العنف أو السلاح أو التهديد به، أو في حال كان سنها دون العشرة أعوام كاملة ولو بدون استعمال الوسائل المذكورة. ويعاقب بالسجن بقية العمر كل من واقع أنثى بدون رضاها في غير الصور المتقدّمة. ويعتبر الرضى مفقودا إذا كان سن المجني عليها دون الثلاثة عشر عاما كاملة (1). وقد سبق لفقهاء القانون والحقوقيين أن وجهوا عديد الانتقادات لهذا الفصل على الأقل لسببين وهما: عقوبة الإعدام، وعدم استيعابه لكل حالات الاغتصاب، وبشكل خاص حالات اغتصاب الذكور.
 
ويبدو أن هذه الاعتراضات لقيت صدى لدى واضعي مشروع القانون الأساسي عدد 60/2016 المتعلّق بالقضاء على العنف ضدّ المرأة، الذي صادق عليه مجلس الوزراء في جلسته المنعقدة يوم 13/7/2016. ويندرج مشروع هذا القانون في إطار ما نص عليه الفصل 46 من الدستور والتي وضعت على عاتق الدّولة واجب اتخاذ "التّدابير الكفيلة بالقضاء على العنف ضدّ المرأة." وهو يهدف إلى وضع التدابير الكفيلة بالقضاء على كل أشكال العنف القائم على النوع الاجتماعي من أجل تحقيق المساواة واحترام الكرامة الإنسانية والوقاية والحماية والإحاطة والردع. ومن بين أهم التجديدات في هذا المشروع ما تضمنه الفصل 14 من المشروع الذي سيلغي الفصل 227 المتعلق بالاغتصاب ويعوضه بنص جديد يتضمن تعديلات جوهرية قياسا على النص الحالي. فمشروع القانون في الباب الثالث منه المخصص لجرائم العنف ضد المرأة وتحديدا في الفصل 14 منه ينص على تعديل عدد من الفصول، أهمها فيما يعنينا تعديل الفصل 227 (جديد) بحيث يصبح:
 
"يعد اغتصابا كل فعل يؤدي إلى إيلاج جنسي مهما كانت طبيعته ضد أنثى أو ذكر بدون رضاه.
ويعاقب مرتكب جريمة الاغتصاب بالسجن مدة عشرين عاما.
ويعتبر الرضا مفقودا إذا كان سن الضحية دون الثالثة عشر عاما كاملة.
 
ويعاقب بالسجن بقية العمر مرتكب جريمة الاغتصاب الواقعة:
- باستعمال العنف أو السلاح أو التهديد به، أو باستعمال مواد أو اقراص أو أدوية مخدّرة أو مخدّرات.
- ضد طفل ذكرا كان أو أنثى سنه دون العشرة أعوام كاملة.
- من أصول أو فروع الضحية من أي طبقة.
- ممن كانت له سلطة على الضحية أو استغل نفوذ وظيفه.
- من مجموعة أشخاص بصفة فاعلين أو مشاركين.
ولا ينطبق الفصل 53 من القانون الجزائي على الجرائم المقررة بهذا الفصل.
وتجري آجال انقضاء الدعوى العمومية بخصوص جريمة الاغتصاب ضد طفل بداية من بلوغه سن الرشد."
وحسب هذا المشروع فإن هناك تعديلات سيقع إدخالها على مستوى نطاق الجريمة، وعقوبتها وسقوط الجريمة بالتقادم.
 
أولا- نطاق الجريمة:
حسب النص الحالي، فإن جريمة الاغتصاب تفترض دائما أن الجاني ذكر والضحية أنثى.
حسب مشروع القانون فإن كلا الجنسين يمكن أن يكون جانيا أو ضحية، بمعنى أن المشرع سيكرس لأول مرة مفهوم اغتصاب الذكور، سواء وقع ذلك من أنثى على ذكر بموجب أي وسيلة مساعدة تسمح بحصول إيلاج جنسي، أو من ذكر على ذكر بشرط الايلاج الجنسي. كما يشمل النص تجريم اغتصاب أنثى لأنثى أيضا بشرط الايلاج الجنسي.
 
كما أن صياغة المشروع تسمح بتجاوز الجدل القائم اليوم حول إمكانية حصول اغتصاب بين الزوجين لأن المشرع تخلى عن جملة "غصبا باستعمال العنف أو السلاح أو التهديد به" واكتفى بعبارة "دون رضاه"، وهو يشمل أي مواقعة تتم بالإكراه مهما كان نوعه ولو في ظل وجود رابطة زوجية، خاصة وأنه سبق لمحكمة التعقيب أن قبلت تجريم الاعتداء بالفاحشة بين الزوجين وهي جريمة يفترض أن الصياغة الحالية للفصل 227 جديد ستستوعبها نسبيا في كل الحالات التي يحصل فيه إيلاج جنسي، فقد اعتبرت محكمة التعقيب ان ً جريمة الفصل 228 م ج "لا تنمحي بوجود عقد زواج بين الفاعل والمتضررة (قرار تعقيبي عدد 79402 بتاريخ 05/12/1996- غير منشور)".
 
كما أن النص الحالي يستخدم مصطلح "المواقعة" وهو مصطلح أثار جدلا في التطبيق وتطلب رفع الالتباس عنه صدور قرار من الدوائر المجتمعة لمحكمة التعقيب. وقد جاء في هذا القرار "أن معنى لفظة المواقعة لا تنصرف بمجرد الفعل الفاحش ولا تقوم إلا إذا كان هناك وطئ بالمكان الطبيعي للأنثى وبطريق الإيلاج (لقرار التعقيبي عدد 6417 الصادر بتاريخ 16 جوان 1969)". لهذا اكتفى النص الجديد بمصطلح "الإيلاج الجنسي"، مما يعني أن كل عمل جنسي لا إيلاج فيه هو ليس اغتصابا بل هو اعتداء بالفاحشة طبق الفصل 228 من المجلة الجزائية.
لكن استخدام مصطلح "الإيلاج الجنسي" اقترن بعبارة "مهما كانت طبيعته"، وهي عبارة من شأنها أن توسع مفهوم الإيلاج ليشمل كل عملية إدخال ذات بعد جنسي، أي أنها ستشمل الإدخال في الفرج وفي الدبر وفي الفم، سواء تم ذلك بأعضاء بدن الجاني مثل القضيب أو اليد أو اللسان، أو بأي وسيلة مادية كالأدوات الجنسية الاصطناعية أو عصى أو قِنِّينة، أو غيرها من الوسائل المادية، طالما كان ذلك دون رضا الضحية.
كما أن مشروع القانون يكتفي بركن انعدام الرضا "المجرد"، بينما يشترط النص الحالي أن يكون انعدام الرضا ناتجا عن استعمال العنف أو السلاح أو التهديد به، وهو ما من شأنه توسيع نطاق الجريمة، مع الإشارة إلى أن النص الجديد حافظ على قرينة انعدام الرضا بنسبة للأطفال القصر الذين لم يتجاوزوا سن الثلاثة عشر عاما كاملة.
 
ثانيا- العقاب والتقادم:
من أهم تجديدات مشروع القانون الجديد أنه ألغى عقوبة الإعدام، وهي عقوبة تثير الكثير من الجدل بصفة عامة، وبالنسبة للاغتصاب بصفة خاصة، لأنها أقرت سنة 1985 نتيجة ملابسات خاصة لا يتسع المقام لذكرها. والتخلي عن هذه العقوبة الآن يعتبر من قبيل إعادة الأمور إلى نصابها، إذ اكتفى المشرع بالسجن مدة عشرين عاما مع إقراره لجملة من ظروف التشديد، وهي ظروف بعضها موجود الآن وبعضها مستحدث، فالمستحدث منها هو:
 
- استعمال مواد أو اقراص أو أدوية مخدّرة أو مخدّرات (وهي ظاهرة بدأت تنتشر نوعا ما).
- ضد طفل ذكرا كان أو أنثى سنه دون العشرة أعوام كاملة.
- من أصول أو فروع الضحية من أي طبقة.
- ممن كانت له سلطة على الضحية أو استغل نفوذ وظيفه.
- من مجموعة أشخاص بصفة فاعلين أو مشاركين.
 
مما يعني توسيع نطاق الحماية ليشمل كل من المحيط العائلي والتربوي والمهني والأطفال دون العاشرة، نتيجة ما أفرزه التطبيق من حوادث اغتصاب تطال هذه الفئة اليافعة، علاوة على استغلال علاقات القرابة أو النفوذ التربوي أو الوظيفي لإكراه الضحية.
كما أن مشروع النص الجديد سيمنع القاضي من استعمال ظروف التخفيف في جرائم الاغتصاب، وهو ما من شأنه أن يطرح إشكالا دستوريا حول شرعية تقييد السلطة التقديرية للقاضي.
وتجدر الإشارة أيضا إلى أن المشرع اعتبر مرحلة الطفولة سببا لتعليق انطلاق احتساب آجال التقادم التي لا تبدأ إلا من تاريخ بلوغ الطفل سن الرشد.

[1] هذه هي صيغة الفصل 227 كما نقح بالقانون عدد 9 لسنة 1985 المؤرخ في 7 مارس 1985 وبالقانون عدد 23 لسنة 1989 المؤرخ في 27 فيفري 1989