في سابقة تعد الأولى من نوعها قضت المحكمة الادارية بالرباط[1]بغرامة تهديدية[2]في شخص وزير التربية الوطنية في المغرب، قدرها 1000 درهم[3]، عن كل يوم تأخير جراء امتناع وزارته عن تنفيذ حكم قضائي حائز لقوة الشيء المقضي به. ويأتي هذا التطور المغربي ليذكّر بإشكالية امتناع المراجع الحكومية في دول عربيّة عدة عن تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة بحق وزاراتهم، وآخرها تمسكوزير الأشغال العامة اللبناني بإجراء مزايدة رغم إبطالها من قبل القضاء الإداري اللبناني.

وقائع القضية
تقدم المحامي عبد اللطيف وهبي بتاريخ 04/08/2016 بمقال استعجالي أمام رئيس المحكمة الادارية بالرباط نيابة عن موظف بوزارة التربية الوطنية، في مواجهة الوزير المشرف على القطاع المذكور. وقد عرض فيه أن موكله سبق له وأن تقدم بطلب أمام المحكمة الادارية بالرباط يطلب فيه إلغاء قرار السيد وزير التربية الوطنية التعويض عن التكوين لمرسوم رقم 02/05/1366، المتعلق بالتكوين المستمر لفائدة موظفي وأعوان الدولة، بدل مرسوم 02/57/1841 المتعلق بتحديد الأمور المنفذة للموظفين والأعوان والطلبة الذين يتابعون دورات تكوين أو دروس استكمال الخبرة. وقد استجابت المحكمة الادارية للطلب، بحيث ألغت القرار المذكور. كما تمّ تأييد هذا الحكم استئنافيا[4]. لكن وزارة التربية الوطنية في شخص ممثلها القانوني وهو الوزير المشرف على القطاع امتنعت عن تنفيذ هذا الحكم رغم أنه أصبح حائزا لحجية الشيء المقضي به. فتقدم المحامي بطلب إصدار أمر بفرض غرامة تهديدية على الوزير المذكور لامتناعه عن تنفيذ حكم قضائي.
وبتاريخ 30/08/2016، أصدر رئيس المحكمة الادارية بالرباط قراره المبدئي الذي قضى بتطبيق الغرامة التهديدية بصفة شخصية على وزير التربية الوطنية لامتناعه عن تنفيذ الحكم الصادر ضد وزارته، وجاء في حيثيات هذا القرار:
"وحيث انه بالرجوع الى الملف يتضح أن المطلوب ضده[5]، قد امتنع عبر مصالحه عن تنفيذ الحكم موضوع الطلب، بدون مبرر مقبول اذ ماطلت هذه المصالح في تنفيذ الحكم مند توصلها بأول اعذار[6]لتنفيذه بتاريخ 12-04-2013 أي مند أكثر من ثلاث سنوات خلت، الى أن حرر المفوض القضائي في مواجهتها محضر امتناع عن التنفيذ بتاريخ 27-01-2015 بعد عدم استجابتها لتذكير في هذا الشأن بتاريخ 05 -12-2014.

كما أن مبررات التأخير في التنفيذ التي ساقها المطلوب ضده، ضمن مذكرة الجواب جاءت بدورها كاشفة عن مزيد من التمادي في التماطل والتسويف حينما اعتبر أن ادارته بصدد تنفيذ الحكم وأن عملية الاستفادة من التعويض عن التكوين المحكوم به انما تتم وفق الاقدمية والاسبقية في التكوين.
وحيث أنه أخداً بعين الاعتبار لطبيعة الحكم المعني بالتنفيذ ولدرجة التعنت في تنفيذه، وبما لنا من سلطة تقديرية في هذا الباب، فقد ارتأينا تحديد غرامة تهديدية قدرها 1000 درهم يوميا في مواجهة وزير التربية الوطنية بصفته الشخصية تحتسب ابتداء من تاريخ توصله بهذا الأمر لإجباره على التنفيذ الفعلي والحقيقي للحكم المشار إليه".
ويكشف القرار من جهة عن استمرار ظاهرة مماطلة الادارة في تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة في مواجهتها. كما يكشف من جهة ثانية عن ضعف المديريات القانونية داخل الوزارات مما يتسبب في صدور قرارات لا تحترم القانون.
ويبدو أن محامي المدعي لجأ لطلب غير مسبوق حينما طالب المحكمة باصدار غرامة تهديدية في مواجهة وزير التربية الوطنية. كما طالب باستخلاصها من أجره بصفة شخصية، وذلك من أجل إجبار الإدارة على تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة في مواجهتها. وهو ما استجابت له المحكمة التي عملت على تعليل قرارها بشكل واضح يؤكد أنها راعت طبيعة الحكم المعني بالتنفيذ ولدرجة التعنت في تنفيذه. وقد لجأت إلى تطبيق الغرامة التهديدية بصفة شخصية على وزير التربية الوطنية، اقرارا منها بمبدأ المسؤولية الشخصية للمسؤول الإداري الذي يمتنع عن تنفيذ الأحكام القضائية وترتيب غرامة تهديدية يؤديها المسؤول الإداري الممتنع تأسيسا على أنه لا يمكن أن يكون الامتناع الصادر عنه امتناعا صادرا عن المرفق العام الذي يمثله طالما أن المفترض في الشخص العام الامتثال للأحكام القضائية النهائية المذيلة بالصيغة التنفيذية.
ويؤمل أن يسهم هذا الاجتهاد المبدئي للمحكمة الادارية بالرباط في تسريع وتيرة تنفيذ الأحكام الإدارية الصادرة ضد الدولة والمؤسسات العمومية تجنبا لأداء الغرامات التهديدية المحكوم بها على المسؤولين.

حمّل ملف "أصل الأمر المحفوظ بكتابة الضبط بالمحكمة الإدارية بالرباط" أسفل المقال.



[1]-قرار صادر عن القضاء المستعجل بالمحكمة الادارية بالرباط، في ملف رقم 3029/7101/2016، بتاريخ 30/08/2016، غير منشور.
[2]-الغرامة التهديدية عقوبة مالية تفرض عن كل يوم تأخير يحكم بها القاضي لضمان تنفيذ الحكم من قبل المحكوم ضده.
[3]- ما يعادل تقريبا مائة دولار.
[4]-يلاحظ أن قرار السيد وزير التربية الوطنية أراد اخضاع المدعي لمرسوم صدر حديثا يتضمن تعويضات أدنى من التعويضات المنصوص عليها في مرسوم سابق، وقد أبطلت المحكمة الادارية قرار الوزير واستندت لعلتين:
تتمثل العلة الأولى  في أن المدعي دخل الى سلك التكوين بتاريخ 16-12-2005، مما يجعله مخاطبا بالمرسوم السابق،
أما العلة الثانية فتتمثل في الفقرة الاخيرة من المادة 14 من المرسوم الجديد التي تنص بشكل واضح وصريح على استمرار الموظفين الذين يتابعون التكوين في ظل المرسوم الجديد من الاستفادة من المرسوم السابق حفاظا على الحقوق المكتسبة.
[5]-يقصد بعبارة "المطلوب ضده" المدعى عليه، وهو وزير التربية الوطنية.
[6]-يقصد بعبارة "الاعذار" الاندار.